أذكر أن الأمم المتحدة وضعت دراسة مطلع ثمانينيات القرن العشرين عن المستوى المعيشي في لبنان أيام الحرب الأهلية. أوضحت الدراسة أن العائلة المكونة من أربعة أفراد تحتاج الى مورد شهري لا يقل عن خمسة آلاف ليرة لتدبير معيشتها. وفي ذلك الوقت كان معدل دخل الأسرة لا يزيد عن ألفي ليرة.
من أين تأتي بالآلاف الثلاثة الباقية لتسديد متطلبات المعيشة؟
الأمم المتحدة داخت. لكن لا الشعب اللبناني، ولا خطاره من المناضلين العرب وهؤلاء كانوا كثيرين جدا، عناهم ذلك الخلل الفادح بين المورد المتاح والمطلوب. كانت « الثورة الفلسطينية» المكونة من عدة فصائل موجودة هناك. وكان كل فصيل من هذه الفصائل يقبض من دولة، وكانت بعض الدول «اشتراكية» في عطائها للجميع.
وكان اللبنانيون أنفسهم شيعا وقبائل تقبض. كانت هناك حرب أهلية في بلد محاط بدول معظمها ثرية. وهذه تدفع. خربت السياحة والتجارة المصرفية وهما المورد الأساسي الشرعي فعوض الله عليهم بحرب أهلية تستقطب أموالا وفيرة. وهذه الأموال كانت تتولى سد الفارق بين المتاح والمطلوب لتغطية مصاريف الشعب. ومعها كانت هناك زراعة الحشيشة التي وجدت حماية من كل الأطراف، اليمين واليسار.
والحق ان من عاش لبنان الحرب الاهلية لا يلحظ صروفا من الفقر ومن تردي الخدمات كالتي يجدها في العراق اليوم. ربما يرجع أحد الأسباب الى أن حرامية لبنان كرماء خلافا لحرامية العراق فهؤلاء بخلاء. والكرم والبخل ليسا صفتين جينيتين وانما يردان الى ظروف التاريخ والثفافة والمجتمع. لبنان بلد منفتح ومحب للحياة، ولا يخشى الغني فيه من إعلان ثروته ومن الاستمتاع بها تحت ضوء الشمس أو نور القمر. أما العراق فبلد مغلق عمن حوله بصحارى وجبال. والجميع فيه يأكل تمن ومرق ولا فرق يذكر بين غني وفقير الا بكمية اللحم. وقد تعود أغنياؤه خلال أربعة قرون عثمانية على التهرب من الضريبة بادعاء الفقر. وقد كان الشعار السائد وما زال « ابد ولله ما ندفع ضريبة». والادارة العصملية في العراق ما كانت مستحقة للضريبة أبدا، فهي نادرا ما التفتت الى تقديم شيء للناس، فكانت الضريبة لذلك مجرد خاوة او اتاوة.
ولكن يظهر ان هذه « النفسية» استمرت عندنا الى اليوم. فلا أحد اليوم من قوى «العملية السياسية» تقريبا لا يتلقى أموالا من هذه الدولة أو تلك. وفوق ذلك هناك ثروة النفط، وأعمال تهريبه، وعائداتها قطعا أكبر من عائدات الحشيشة في لبنان، ومع ذلك فان الجميع يعض أسنانه شكوى من « الماكو». في هذه السنين السبع خرج ساسة كثيرون من الإملاق ولكنهم ما تحرروا أبدا من العادة في الإمساك عن الاغداق. هذا ما أظنه « جوهر» المشكلة: حرامية لبنان كرماء وحرامية العراق بخلاء. الزعيم عندهم نهاب وهاب. وعندنا نهاب سلاب لا يظن في تدوير بعض سرقاته على الآخرين « مصلحة» بل « مفسدة»!