أزمة الكهرباء هي الثانية من حيث الأهمية بعد أزمة الأمن. وها هو الانفراج النسبي في أزمة الأمن يتيح للناس فرصة للتعبير عن غضبها على تردي خدمة الكهرباء.
وقد أثبتت أزمة الكهرباء الهوة المريعة التي تفصل بين الحكومة وبين الشعب. ففقط مع الاحتجاجات الشعبية بدأت الحكومة تتصرف مع الكهرباء بوصفها قضية أمن قومي، وظهرت ان المسؤولية فيها ليست تقنية، متعلقة فقط بوزارة الكهرباء، وانما هي قضية تخص فئات ووزارات ودوائر كثيرة، قد تكون وزارة الكهرباء نفسها أضعف حلقة فيها.
وعلى سبيل المثال فقد تأكد ان تزويد المنطقة الخضراء بكهرباء وطنية دائمة يقلص من حصة بقية بغداد الواقعة في المنطقة الحمراء. وهذا أمر معروف قبل الاحتجاجات. ولكن ساسة المنطقة الخضراء لم يهتموا او يلتفتوا اليه الا تحت ضغط التظاهرات. فسارعت الحكومة الى فرض نظام القطع المبرمج على بعض لا كل المنطقة الخضراء لأول مرة.
والواقع ان المناطق الخضراء تنتشر على طول البلاد وعرضها. ففي كل محافظة هناك بيوت ودوائر المسؤولين، وكلها مكهربة 24 ساعة. واخضاع عالم السلطة المكهرب هذا الى نظام القطع المبرمج ليس من صلاحية وزير الكهرباء. خصوصا وهو رجل تقنوقراط غير مدجج بالدعم الحزبي المعهود. حتى ان رئيس الوزراء نوري المالكي قال انه لا يعرف من هو اكفأ منه في العراق لهذه المهمة. والغريب انه قال فيه ذلك عقب قبوله استقالته، بل ان الاستقالة نفسها جاءت بناء على طلب المالكي!
واذا كانت شهادة المالكي في وزيره صحيحة فان تقديم الرجل كبش فداء لأزمة الكهرباء سيكون مجرد تنازل « انتهازي» للرأي العام. وهذا ليس اسلوب رجل الدولة الذي يتمسك بما يعتبره صحيحا ومفيدا للأمة ولو كان على حساب الرأي العام.
في كل الأحوال فان الحكومة لم تتصرف طوال عمرها مع الكهرباء كقضية أمن قومي تعني كل مفاصل الحياة، من الصحة الى الاقتصاد. وأحد الأدلة على ذلك ما كشفه عمار الحكيم من ان اللجنة الوزارية العليا للطاقة لم تعقد اجتماعا واحدا منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وهي اللجنة المكلفة رسم السياسات المعنية بانتاج الطاقة.
فاذا استثنيت هذه اللجنة من المسؤولية في معالجة الأزمة، فكيف لا يستثنى الشعب نفسه من المشاركة في تحمل المسؤولية؟
إن إحدى وسائل مواجهة الأزمات تكمن في اطلاع الشعب على حقائق ومعطيات تلك الأزمات. وبخلافه فان الشعب، بما انه تم تجاهله، لن يعود شريكا للحكومة. وفي هذه الحال فانه حتى لو كانت الحكومة عملت الشيء الكثير من أجل الكهرباء ستبدو جهودها صفرا. فالجهل ظالم. والعلم عادل. والحكومة لم تكن معنية بتوفير المعلومات عن مجريات الأزمة، الأموال المنفقة لحلها، وتفاصيل الحلول نفسها. هي هنا، في المنطقة الخضراء، والشعب هناك، في الليلة الظلماء، حيث لابد يفتقد البدر.