كل شعوب الثورات التي أطاحت بأنظمة ملكية وجاءت بأنظمة جمهورية نادمة. وهذا ما يبدو واضحا حتى في بعض المراجعات النقدية ذات الطابع الشعبي. من مصر خرج مسلسل تلفزيوني عن الملك فاروق، قدم صورة ايجابية عنه حببت الناس فيه. في العراق حدث نفس الشيء. فقد ظهر مسلسل تلفزيوني عن نوري السعيد بدا فيه شخصية وطنية كبيرة.
ايران منذ سقوط الشاه أشبه بشاحنة تدور بلا توقف بين محطات الجحيم. وليبيا مأساة بكل ما في الكلمة من معنى. وكل هذه الشعوب، مصر والعراق وايران، قد تكون استحقت ما حدث لها، لأنه كان من صنع أيديها. أضربت وتظاهرت وتحزبت وخربطت وثارت الا شعب ليبيا. الشعب أمير لم يفعل ما يغضب الله او مخلوقاته. والملك السنوسي رجل من أطيب خلق الله وسليل عائلة أسهمت إسهاما كبيرا بنشر الاسلام في افريقيا. وفجأة ظهر عليها ضابط كأنه كارثة طبيعية. لم يكن القذافي نتيجة لمقدمات سبقته. كان انفجارا مباغتا من صنع بضعة ضباط مغامرين.
مصر، ليبيا، العراق، ايران بلدان أجهدت نفسها في إسقاط أنظمة كانت بكل المقاييس أفضل من التي جاءت بعدها. وكل هذه البلدان أصبحت تعاني، بدرجات مختلفة، من نقص في شرعية أنظمتها الحاكمة، ومن فيض في العنف والتدمير، ومن ضياع ملامح الطريق الى المستقبل.
ويجهد الباحثون والمؤرخون أنفسهم في البحث عن أسباب لتلك الثورات المدمرة. أسباب للتفسير وليس للتبرير. فالتاريخ لم يمنح أيا من تلك الثورات شرعية. والشرعية إجمالا اما تقاس بالمنجزات الملموسة، او بالديمقراطية، او بالاثنتين. وهناك أسباب بالطبع لهذه الثورات. ولكنها في كل الحالات لم تكمن في الاقتصاد. والاقتصاد أهم شيء في حياة الشعوب العاقلة. فليس لديها ما هو أهم من تحسين شروط العيش. وهذا الهدف لا يأتي من السياسة ولا من القانون ولا من الجيش، على أهمية هذه الاشياء، وانما من الاقتصاد.
وقد يكون الوعي بحقيقة أولوية الاقتصاد، أهم أسباب سقوط الانظمة الملكية. يؤخذ على نوري السعيد مثلا انه لم يول في الـ 15 سنة الاخيرة من عمره السياسة، او التطوير الديمقراطي اي أهمية، بينما ركز كل جهده على الاقتصاد. 70 % من واردات النفط كانت تذهب الى مجلس الاعمار المكلف مهام تطوير البنى التحتية. كان يفكر في شيء عملي وعقلاني للغاية. وترتبت على ذلك التفكير نتائج اقتصادية باهرة. لكنها لم تأخذ نصيبها في الدعاية والاعلام. والاعلام أثبت في أكثر الحالات انه مجرم ومدمر. وكلما تقدمت في العمر زاد يقيني باجرام الاعلام، واجرام المثقفين الذين يديرونه . لم يكن العمل الوطني الصالح ما ينقص الانظمة الملكية في مصر والعراق وايران وليبيا. الذي كان ينقصها هو الامعان فيه من دون دعاية تتملق الشعب، ولا تفتح على فئات مؤثرة من الشعب كانت تتطلع الى السلطة والى المجد، من ساسة ومن مثقفين. وهذه الفئات الطامحة الطامحة هي بيت الداء. هي المسؤولة عن إطلاق نوبة جنون اسمها الثورة. ومازلنا نسدد فاتورة ذلك الجنون.