سمعت أو قرأت يوما أن الشاعر الاميركي والت ويتمان كان يرسل مقالات موقعة بأسماء مختلفة في مديح أعماله. قيل ان شعره مثل اتجاها جديدا. وغالبا ما لا يكون الجديد مقبولا، فبذل ذلك الجهد من أجل الترويج لتجديده. مهما كان السبب وراء فعلة الشاعر فانه لا يعدو تصرفا مماثلا ابداه أعرابي في العلن، فسئل في معرض الاستنكار: أتمدح نفسك؟ تطلع الى القوم مستغربا ورماهم بسؤال: أأكلها الى أعدائي؟
الشاعر يحب ان يكون موضع مديح. انه يقرأ على الناس لينال استحسانهم وتصفيقهم. يبدو ان تسمية هذا النوع من الكتاب بالشاعر خاطئة من الأساس. فالشاعر هو من يتمتع بقدرة الشعور بالآخرين، او الشعور بما لا يشعر به الآخرون من مصائب وابتلاءات ومعاناة البشر، والعامل بطاقة استثنائية على تنمية الاحساس بين الناس.
اما الأمر المعهود بالشاعر فهو انه الشاعر بذاته المضخمة، المغرور، البطران الدايخ بجل من سواه يا عمري. وهذا الصنف من البشر لا يعالج شيئا لأنه هو نفسه يحتاج الى علاج. كما ان تأثيراته الاجتماعية عويصة جدا. فالقبول العام بهذا النمط من الفكر، المسرور بنفسه، والمشيد بذاته، يؤدي الى قبول المجتمع لنفسه كما هو دون تحسين او تطوير، والى الأنانية، والى الجهل.
وهذا حادث على نطاق واسع في البلدان العربية. انه ما تقوم به وسائل الاعلام الحكومية والحزبية. فمحصلة هذا الاعلام هي الدعاية للحكومة او للحزب. اي الأمر ذاته الذي يقوم به الشاعر لنفسه. ولذلك فان الأقوام التي سبقتنا في الارتقاء حظرت هذا النوع من الاعلام، الحكومي والحزبي، وكلفته مهامّ اخرى مفيدة.
ويبدو ان تلك الأقوام كانت قد عانت من ذلك « الشعر» ما عانيناه على مر التاريخ والى اليوم، ثم « كشفت اوراقه»، وجعلته وراءها، وانطلقت من قاعدة جديدة للشعر. يقول نيتشه:» والحق ان فكرهم لطاووس مغرور بل هو بحر من الغرور. ففكر الشاعر يطلب المشاهد ولو كان جاموسا. لقد أتعبني هذا الفكر وسوف يأتي زمان – وهو قريب – يتعب فيه هذا الفكر من نفسه». وقد ظهرت عندنا بوادر تعب مهمة من ذلك الفكر، تمثلت في بعض التجارب الشعرية الكبيرة كالسياب. فهذا « شاعر» بالمعنى الأصلي للكلمة. كما هو انسان بالمعنى الذي يكونه الانسان، بما فيه من ضعف وشر وانكسار، ومن احساس ووعي بمضامين هذه الأشياء، وتطلع ينبثق منها الى التخفيف من قسوة الأقدار على النفس وعلى الوضع البشري. لقد انطلق السياب من قاعدة الشعور، مخليا نفسه وأدبه من قاعدة الغرور المنتجة لشعر عديم الشعور. وفقدان الشعور هو الأساس الذي تنهض عليه خرائب التطرف في المعاناة. من أين يأتي كل هذا الفقر للعراقيين وهم ابناء أغنى بلد؟ من فقدان الشعور. فاذا كان شعرنا السائد مغرورا فكيف نأمل بسياسة شاعرة بعذابات الناس؟ إن فقدان الشعور هو ماركة الخراب التام.