مقدمة — لحظة سياسية تستدعي التفكير من خارج الصندوق الطائفي
يشهد العراق اليوم إعادة اصطفاف طائفي واضحة:
• على الضفة الشيعية: الإطار التنسيقي بوصفه المظلّة التي تدير القرار الشيعي وتمتلك القوة الصلبة والنفوذ السياسي،
• وعلى الضفة السنية: المجلس السياسي الوطني السني الذي وُلد لتوحيد الموقف السني وتعزيز القدرة التفاوضية،
• وعلى الضفة الكردية: ثقل الحزبين الكرديين التقليديين بوصفهما ممثّلين للمكوّن القومي الكردي.
هذه اللحظة ليست جديدة في تاريخ العملية السياسية، لكنها مكثفة وواضحة ومكشوفة بما يكفي كي ندرك أنها ليست مجرد ترتيبات داخلية، بل هي إعادة تثبيت لمنطق المكوّنات بوصفه القاعدة الحاكمة للنظام.
لكن، وبدل أن نقف عند ظاهر الحدث، فإن السؤال الحضاري الأهم هو:هل يمكن تحويل هذه اللحظة الطائفية إلى نقطة انطلاق نحو تشكّل «كتلة حضارية وطنية» تفتح الطريق أمام الدولة الحضارية الحديثة؟
أولًا: مُحدّدات اللحظة—ما الذي يجعل الاصطفاف الطائفي واضحًا الآن؟
1. تشكيل المجلس السياسي الوطني السني هو خطوة موازية ومشابهة لبنية الإطار التنسيقي الشيعي؛ كلاهما يمثل «مكوّنًا» لا «مشروعًا».
2. المعادلة الثلاثية (شيعة–سنة–كرد) تعود لتكون الإطار الناظم للحكومة المقبلة، مع تفاوض على الحصص لا على البرامج.
3. تعب الشارع من إعادة تدوير الطبقة السياسية نفسها دون رؤية وطنية، خصوصًا جيل ما بعد 2019.
4. تزايد الشعور لدى النخب بأن النظام التوافقي الطائفي يستهلك شرعيته ببطء لكنه لا يسقط، وهذا الفراغ يخلق فرصة لطرح بديل حضاري.
هذه المحددات تفتح الباب لإمكانية العمل على «كتلة حضارية» جديدة، لأن النظام الطائفي ذاته وصل إلى حدّ التشبع وعدم القدرة على التجدد.
ثانيًا: لماذا يمكن تحويل هذه اللحظة إلى فرصة؟
1. لأن «توازن الضعف» بين المكوّنات يخلق فجوة للبديل
لا الإطار ولا المجلس يملك مشروع دولة، بل مشروع تمثيل. وهذا يجعل الأرضية السياسية فارغة من هوية وطنية جامعة، مما يتيح لأي مشروع حضاري أن يدخل باعتباره الهوية المفقودة.
2. لأن المجتمع سبق القوى السياسية في وعيه
الشارع العراقي، بما فيه المحافظات السنية والشيعية والكردية، تجاوز فعليًا الاصطفافات الطائفية التقليدية.
جيل الشباب لا يعرّف نفسه بالطائفة، بل بـ:
• الفرص، • الحقوق، • الخدمات، • العدالة، • والكرامة.
وهذه هي قيم الدولة الحضارية الحديثة.
3. لأن القوى السياسية نفسها تبحث عن شرعية جديدة
أغلب النخب تدرك أنها استهلكت خطابها التقليدي، وتبحث عن إطار جديد يمنحها تجددًا.
هنا، يمكن للمشروع الحضاري أن يصبح الإطار الجامع الذي يقدّم لها أرضية لتجاوز مأزقها.