رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 24 كانون الثاني ( يناير ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1649

الحقيقة والسياسة!

قاسم حول

الحقيقة مع نسبيتها، فإنها لا تلتقي مع السياسة، لأن السياسة تقوم على المناورة والتكتيك والمخاتلة، وضمن هذه المعادلة فإن السياسي لا يلتقي مع المثقف الذي يتعامل مع الحقيقة بود حقيقي ومعرفة تأملية، لذا فالسياسي بشكل عام لا يلتقي مع  المثقف أو لا يحبه، أو يكرهه أو يعمل على تصفيته عندما تقتضي الضرورة ذلك! "العراق في وضعه الراهن مثال نموذجي"! لأن المثقف يملك الحقيقة ويدافع عن الحقيقة في كل أبعادها النسبية، فيما السياسي يلعب على الحقيقة ويلعب فيها ويزيفها ويخفيها، ويغطيها باحداث مفتعلة يصنعها هو ويرميها في درب الحقيقة، ويكرس لهذا اللعبة أجهزة من المخابرات وأجهزة الأمن، والشقاة والناحرين وكل تفاصيل لعب السياسة وأدواتها السلطوية التي تغتال الحقيقة أو تدفنها في مقابر الميتين! 
الحقيقة تمشي عارية لا يسترها سوى ثوب المثقف، مثلما يمشي المثقف عارياً لا يستره سوى ثوب الحقيقة، فهما عاشقان في حب أبدي. والنسبية في الحقيقة تتمثل في جوهرها، فيما النسبية في السياسة تكمن في شكلها وممارستها. فالسياسي في المجتمعات المتحضرة والمتطورة يخاف من اغتيال الحقيقة ودفنها، فيما يتصرف السياسي في البلدان المتأخرة، بلدان ما سمي في العالم الثالث أو العالم المتخلف، يتصرف بغباء أو بذكاء فطري بطريقة يظن فيها أنه نفسه صانع الحقائق وهو نفسه صانع التاريخ وكاتب التاريخ وقارئ التاريخ، متناسياً حقائق الواقع وحقائق التاريخ وحقائق المستقبل أيضا. والأمثلة كثيرة في تاريخنا، الدكتاتور العراقي وحقبته؛ الدكتاتور الليبي وحقبته؛ بلدان الخليج وحقيقتها؛ النظم الدينية في سياساتها. كل هذه الأنظمة، وإتساع الهوة فيها بين السياسي والمثقف تؤدي بالضرورة إلى كوارث إجتماعية وإنهيارات تبدو مفاجأة لكنها مرئية للعيان لكل ذي رؤية واعية ومنتبهة!
إذا نظرنا الآن إلى مجتمعنا العراقي، والأمية السياسية السائدة في هذا المجتمع نرى بأن ساسة الحكم هم أسوأ الأسوأ بين ساسة المنطقة في بلدان الجوار؛ سياسيو العراق اليوم هم غير سياسيي العراق بالأمس؛ يوم كان السياسي العراقي متوازنا في النسبية بين جوهر الحقيقة وشكل العملية السياسية. سياسيو اليوم يتمتعون بقدر هائل من الغباء وبكمية خرافية من الأمية والجهل، لا تسمح لهم من التفكير ابعد من المسافة الكائنة بين الكف والجيب. وهم لا يظنون ولا يعتقدون يوماً بأن ثمة حقائق ستنكشف مهما بلغ حجم المدافن أو عمقها. وحين تنكشف الحقائق سيصبح حجم اللعنة التاريخية مهولاً، يلاحق ليس الأشخاص بذاتهم فحسب، بل يلاحق مؤسساتهم المجتمعية ومؤسساتهم الدينية وحتى سيطال رموزهم المقدسة، وقد يعاد النظر في التاريخ، وتسود الشكوك ملاحم ومظلوميات، وقد يودي ذلك بحقائق كانت صارخة فيسودها الشك، وتبدو كما لو أنها كانت مفبركة ومحض إفتراء!
هنا تكمن المخاوف عندما تأتي إلى سدة الحكم فئة باغية وجاهلة، فتعمل على تخريب المجتمع بكامله، مثل ما حصل في حقبتي الدكتاتورية والمؤسسة الدينية. الدكتاتور ألغى التاريخ، واعتبر أن بدايته يوم تسلم السلطة أو يوم تأسس حزبه الفاشي، فألغى من الوجود كتب التاريخ والفلسفة، وحتى قيم الجمال التي قضت البشرية قروناً في تفسيرها وعلاقتها بالذات وبالنسبية، وفي المألوف وكسر المألوف، وفي التشكيل واللون والحركة، فإنه فرض على الواقع الثقافي قيم الجمال البعثية. وما أن سقط الدكتاتور غير مأسوف عليه حتى جاءت فئة دينية لا تعرف من الحياة ولا تدرك ولا تعي أية مفردة من مفردات علم الجمال، وتساوى في منظورها القبح والجمال، بل أنهم لا يدركون أن في الحياة تضاداً يتمثل في الجمال كبديل موضوعي عن القبح، أو قبحاً يشكل البديل الموضوعي للجمال. بسبب إنعدام الوعي وإنعدام الحس بالقيمة الجمالية، فإنهم يطردون الجمال من الواقع فيسود الظلام ويسود اللون الأسود ومشتقاته، الأماكن والمنتزهات والملابس، ولذا يأتي قانون لف المرأة بالجادور الأسود، المرأة التي شكلت صورة الجمال في الوجدان الإنساني وسميت بآلهة الجمال عند الأغريق وعند الطليان ممثلة بفينوس وبأفروديت وعشتار. وهنا تكمن الحقيقة في بيوت المثقفين وأحلامهم في تأسيس قيم الجمال الإجتماعية، وتغيب عن عالم الظلاميين حين يتسلمون السلطات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية.. فيموت المثقف ويبقى السياسي  لصاَ وحاكماً أوحداً أو مؤسسات سلطوية حاكمة مؤدلجة بالفكر الغيبي والخرافات التي قد تهزم الحقيقة بقوة السلاح والمال وليس بقوة موضوعية االصراع. ويعبر عنها بالسلطة الغاشمة، كما هي الآن في العراق، فتموت الحقائق وتنحر كما تنحر الخراف في المناسبات الدينية، أمام مرآى ومسمع العالم والمجتمعات المتحضرة!
* سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي