رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 22 شباط ( فبراير ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1670

تهديم الموسيقى!

قاسم حول

هاتفني صديقي "صباح المندلاوي" رئيس نقابة الفنانين العراقيين طالبا مني أن تحتل حادثة الإعتداء على محال بيع الأدوات الموسيقية في البصرة القديمة مكانا ومكانة في  الأعمدة التي أدونها لصحيفة العالم العراقية كل يوم! إنني لا أفصل بين تهديم الثقافة العراقية وبين الواقع السياسي والنهج التدميري للوطن من قبل السلطة العراقية الحاكمة. ولا أفصل هذا النهج عن نظرية المؤامرة التي حيكت وتحاك على العراق من أجل مصالح إقتصادية دولية تقف وراءها قوى عالمية معروفة!
ماتريدة الدولة العبرية من البلدان العربية ومن العراق بالذات قد حققه لهم صدام حسين، وبعض  بلدان النفط وعبر الجامعة العربية ورؤساء الجامعة العربية التي ينبغي أن نطلق عليها إسم "الجامعة العبرية"! والهدف هو تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، لكن صدام حسين إنتشى بالسلطة وعرف  طعم مذاقها فأراد أن يتحول من حارس لمصالح تلك الدولة العبرية إلى "حرامي" وهذا أمر غير مسموح به، فمخصصات الحارس محددة بعقد متفق عليه مسبقا. فتم فصله من وظيفته. لكن صدام حسين بسلوكه ذاك لم يكمل مهامة التدميرية، وبقيت وظيفة الحارس الأمين لمصالح الدولة العبرية شاغرة وتحتاج إلى مؤهلات. والمؤهلات لم تعد  تتمثل في إفتعال الحروب وتدمير السلاح التقليدي الذي ينبغي التخلص منه، وتدني أسعار النفط في السوق العالمية وتحويل المجتمعات والمجتمع العراقي إلى مجتمع مريض، وتكبيله بالديون وتجزئة الوطن إلى ثلاثة أوطان ومن ثم إلى دويلات وسلطنات، فكل هذه المهام قد أوكلت للدكتاتور المحشو دماغه بالتبن، ونفذها على خير ما يرام. اليوم مطلوب من المتقدمين لإشغال الوظائف الشاغرة أن يحملوا مؤهلات القضاء على الثقافة والمثقفين في العراق. هذه هي سمة المرحلة الجديدة التي تريدها الدولة العبرية. وعلى المتقدمين للوظائف الشاغرة، أن يؤدوا اليمين الدستورية. وليس بالضرورة أن يذهب كافة الموظفين إلى تل أبيب لأداء اليمين الدستورية، فيمكن أداء اليمين والولاء تحت قبة البرلمان العراقي، لذلك فكل الوزراء الذين رددوا مسرحية الولاء للوطن باليمين الدستورية كانوا يبتسمون "شاهدوا مسرحية أداء اليمين الدستورية والقسم مرة ثانية"! وكان أداء وزير المالية للقسم أكثر وضوحا وهو يبتسم، إذ كان قد عين بمنصب نائب رئيس الوزراء وقبل أن يدخل البرلمان وردت برقية من قنصلية الدولة العبرية في شمال العراق إلى رئيس الوزراء لتعيينه وزيرا للمال، لأن منصب نائب رئيس الوزراء هو منصب إعتباري لا قيمة له، فدخل البرلمان مبتسما ونسى أن يسحب إبتسامته عند أداء اليمين الدستورية! 
لكي يعيش الوطن في خواء الحياة ولكي تندب البومة في خرائبه مع صوت آذان الفجر، ينبغي تهديم الثقافة أولا وآخراً. لقد وجد أبناء الدولة العبرية في الدين اعظم وأسهل مبتكرات، تهديم الأوطان عبر تهديم الثقافة وتصفية المثقفين. ولذا فإن ممثلي الدولة العبرية في العراق نهجوا هذا النهج بوعي وقصدية واضحين عبر عدم تطابق الثقافة مع الدين، بل وتقاطعها معه. فأستخدموا الدين للقضاء على الثقافة لأنهم يعرفون أن سقوط الثقافة يعني سقوط الوطن، فعندما تسقط السياسية يسقط النظام وعندما تسقط الثقافة يسقط الوطن، ولذلك تعمد المؤسسة الدينية ومن يقف وراءها إلى تهديم المسارح وتهديم صالات السينما، وتحويل مهرجانات الشعر والأدب إلى مهرجانات للندب والنواح. مهرجانات خالية من البهجة والفرح وخالية من الأمل والإبداع المتجدد. وآخر ما قامت به المؤسسة الدينية هو الإعتداء على صانعي وبائعي الآلات الموسيقية في البصرة القديمة وهم شباب أتخذوا من مهنة صناعة الآلة الموسيقية مصدرا للعيش والمحبة والفرح "والعيش والمحبة والفرح شؤون غير مرغوب فيها" إن الإعتداء على مجموعة من الشباب من هواة صنع الآلات الموسيقية في البصرة القديمة، هو جريمة كاملة وهي جريمة أمام  قضاء منحاز للقاتل وليس قضاءاً مدافعاً عن حقوق الضحية! 
الدين هو شكل النظام الحاكم الآن، والهدف من هذا الشكل وهذه التشكيلة هو القضاء على الثقافة والمثقفين في العراق، وما الأعتداء على شباب صنع الآلات الموسيقية في البصرة القديمة سوى حلقة من سلسلة حلقات إنهاء الثقافة في العراق وإغتيال وهجرة المبدعين القسرية عن  وطنهم. لقد تمت تصفية ما يزيد على أربعمائة وثمانين مثقفا عراقيا حتى الان، والجرائم حصلت دون أن يفتح القضاء ملفات هذه الجرائم التاريخية بحق المثقفين والمبدعين العراقيين. الجرائم تتم وسط صمت كامل عراقيا، عربيا، ودوليا. والناس في العراق مشغولون بمتطلبات اليوم، يوما بيوم، وحوادث تصفية المثقفين ليست من متطلبات هذه الأيام حيث الخبز هو شغل الناس الشاغل، حتى وإن كان الخبز مدافاً بالنكد والمبيدات، فالناس مشغولون بهموم ذلك الخبز. أما دماء المثقفين وتهديم محال بيع الآلات الموسيقية وحرمان الشباب حتى من مصادر عيشهم فهو ممنوع حين تكون الموسيقى مصدرا للعيش، حيث ينبغي إسكات النغم كي لا يصدح في سماء الكون معبراً عن حجم الجريمة في وطني! والجريمة واضحة المعالم، وهي تكمن بين العمائم واللحى!
* سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي