رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 22 شباط ( فبراير ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1670

الهوية المفقودة

  بعد 9/4/2003 اصبح من الصعب تعريف العراقي بعيدا عن توزيعه بين هويات اثنية ومذهبية وقومية، هويات تتقاسمه وتشتته، وتسمه بملامح الصراع، حتى هو نفسه برغم ما دفعه من اثمان قاسية على مذبح الانتماءات الفرعية، من سفك للدماء وهدر لثرواته وانتهاك لحقوقه ومتاجرة بمعاناته، لم يندفع باتجاه هوية موحدة، هوية جامعة منقذة، لانه لم يتفق على رؤية مشتركة تنقذه من واقعه المأزوم، ولم يبلور اجماعا شعبيا واسعا على شخصية سياسية او حزب يُمَكِّنه من تجاوز عُقَد التحالفات والائتلافات، وصيغ الشراكة والمحاصصة والتوافق التي تقدم حكومات ضعيفة وفاشلة وغير قادرة على ادارة البلاد واصلاح الاوضاع، وقد كشفت الانتخابات الاخيرة ذلك.
لا يعني ذلك ايضا ان العراقي قبل 9/44 كان يعيش عصرا ذهبيا لهوية شاملة، ويتمتع بقواسم مشتركة لمجتمع ودولة يسهم في بنائها الجميع، فغياب الديمقراطية والتمثيل السياسي لارادة الشعب وحرمان المواطن من المشاركة في السلطة وبناء الدولة، يكرس غياب هوية موحدة، وهذا ما حصل منذ تاسيس الدولة العراقية 1921، وتوالي الانظمة السياسية الملكية والجمهورية على ادارة البلاد، لم تستطع ان تبلور رؤية مشتركة او عقدا اجتماعيا جامعا للعراقيين، وكان القمع وسيلة السلطة لارغام الهويات الفرعية على الانكفاء، والترويج لهوية متخيلة مفروضة قسرا تدعى بالهوية الوطنية لكنها كانت غائبة، ولم يكن لها وجود حقيقي، لذا حين سقطت السلطة سقطت معها تلك الهوية المفترضة وبرزت الهويات المؤسسِّة لوجود الجماعات الدينية والقومية.
ومنذ 19211 ومع صعود حركات اليسار السياسي التي فسحت المجال لشريحة اجتماعية ان يكون لها حضور في الشارع وهي شريحة المثقف، لكنها خضعت لهيمنة السلطة والسياسة ولم تستطع ان تستقل كشريحة قادرة على تنظيم نفسها وتوجيه ادوارها مما اضعفها واضعف دورها المفترض، وهو برايي ما جعلها غير قادرة على تقديم رؤية مشتركة او الاسهام في بلورة او صياغة هوية وطنية، وما زالت غير قادرة على ذلك حتى بعد التغييرات التي مهدت لدخول الديمقراطية، لانها لم تُعد النظر بدورها ولم تدفع بفك ارتباطها بالسلطة.
 ومازلنا نحن العراقيين نبحث عن هوية مفقودة، هوية عرفنا ان الطريق اليها هو الديمقراطية، وصناديق الاقتراع، وآلية الانتخابات، لكننا لم نعرف كيف نستخدمها لصالحنا، لصالح تعايشنا المشترك واستقرارنا وحفظ حقوقنا وثرواتنا، لذا فان وطنيتنا ما زالت غائبة.
عبد الستار جبر

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي