رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

المرايا .. !

قاسم حول

خشية أن تشغلني أفلامي عن كتابة العمود اليومي، فأنا دائما عندي أعمدة لأيام قادمة، وأبرقها في الساعة الخامسة فجراً بتوقيت أوربا، لمدير التحرير مصطفى الذي صار صديقي الحميم دون أن نلتقي. أعمدة تشغل مساحة من الصفحة الثانية عشرة لصحيفة العالم التي تؤدي دوراً وطنياً في مرحلة خطيرة وخطيرة جدا من تاريخ العراق. أعمدة للنشر وأعمدة أضرب بها رؤوس اللصوص الذين خربوا وطني وأحالوه قاعا صفصفا. وهناك أعمدة أضرب بها رأسي كي أتخلص من الوجع بسبب التفكير، لما حل بالعراق من كوارث لم يعرفها تاريخ البشرية!
وأمس للمرة الأولى اضطررت لكتابة عمود لم أكن قد اتفقت عليه مع نفسي، على إثر مشاهدة ندوة في فضائية عراقية أمريكية، وكل القنوات الفضائية ليست عراقية، فهي أما امريكية أو إيرانية أو خليجية، تتقاسم مهام سلب أموال العراق وسلب أمنهم وسلب حريتهم ومهام خلط أوراقهم. أحد الإعلاميين والباحثين ظهر على شاشة احدى هذه الفضائيات، يشيد بحكومة رئيس الوزراء، ويصف مرحلتها بأهم إنجازين؛ الأول استتباب الأمن والثاني انتعاش الاقتصاد العراقي. ثم بعد الفاصل أدحض المتحدث أهمية الاحتجاجات التي يقوم بها الفقراء في ساحة التحرير، طالما إن اقتصادنا بهذا المستوى من الإنتعاش، والأمن بهذا المستوى من الاستتباب. وكأن المحتجين في ساحة التحرير "ما لقوش في الورد عيب، قالوا يا أحمر الخدين"!
معروف وليس سراً، أن الرقم الذي نهب من العراق تجاوز التسعمائة مليار دولار، وآخر رقم معلن في السرقة هو ما صرح به رئيس الوزراء حيدر العبادي نفسه بالقول "لقد اختفت من خزينة المال ثلثمائة وأربعة وعشرون مليار من الدولارات بشكل مفاجئ وعجيب، ولقد شكلنا لجنة للتحقيق الفوري"، وبدأ رئيس الوزراء يقترض شهريا من البنك الدولي وبأعلى نسبة فائدة، رواتب الرؤساء والوزراء والبرلمانيين والبرلمانيات وحماياتهم ورواتب الحشد الشعبي وأفراد القوات المسلحة والأمن وحمايات الرؤساء والوكلاء والبرلمانيين والمدراء العامين! "وهذا أول دليل على انتعاش الاقتصاد في العراق"!
إن عالما يحتاج فيه المرء إلى شاهد لإثبات حقيقة واضحة كالشمس لهو عالم رديء سيء الإدارة – هنريك أبسن!
 وقبل يوم عرضت الفضائية، أحد الأحياء العشوائية في مدينة ميسان. يمثل هذا الحي هجرة مخيفة الأعداد نزحت من الريف واستقرت في ضواحي المدينة، تاركة حقولها الجافة التي يعلوها السبخ ويسودها الجفاف، وزراعة الحنطة والشلب وشتائل الريحان وفسائل النخيل، لتبني بيوتا من الصفيح في حي خرافي الحجم، ولتنهب السلاح من الدولة، لأن رجالها وشبابها باتوا دونما عمل، فلجأوا لتجارة المخدرات، وبات صعبا على رجال الأمن اختراق مساكنهم العشوائية، التي باتت تهدد أمن المواطنين بالخطف والقتل والمساهمة في زرع المفخخات مقابل ما يدفع لهم من سيولة المال الحلال والحرام. هذه صورة واحدة فقط من ظاهرة عشوائية تعم البلاد في كل مدنها، تعبر وحدها عن "انتعاش الاقتصاد واستتباب الأمن" الذي صرح به الباحث الإعلامي في الفضائية الأمريكية!
إن مسؤولية المثقف العراقي في أدواته التعبيرية، الثقافية والإعلامية هي مسؤولية خطيرة، لا تكمن خطورتها في تهديم الوطن، ولا تكمن خطورتها بالدم النازف على أديم الفراتين والشاطئ، ولا تكمن خطورتها في العمالة "للأجناب" على حد تعبير أهل الريف في العراق، ولا تكمن خطورتها في الثراء غير المشروع وحتى المشروع، أبداً لا .. ولا .. ابداً. فالحال في الوطن العراقي، قد اختلطت أوراقه وضاعت الحقائق صغيرها وكبيرها، والناس لم تعد تشخص اللصوص حين باتوا بهذا القدر من الأرقام، كما أن الناس مشغولة بهمومها الحياتية اليومية. والناس قبل هذا وبعد هذا أصيبوا بالدوخة والدوران وعدم التوازن في المشي والتفكير والتحدث مع الآخر. والناس باتوا متوترين عدوانيين ولا يعرفون سببا لهذا التوتر وهذه العدوانية، فيما أصولهم طيبة ونبيلة. والناس باتوا يمشون كما السائر في نومه، من كثر ما تعبوا ومن كثر ما ظلموا ومن كثر ما ماتوا وما نفقوا كما تنفق الدواب حين يدهمها الطاعون! فالناس لم تعد تعرف الحساب ولم تعد معنية بالقراءة، ولذا يمكن أن يختفي اللصوص والسفلة والمنحطون، ويمكن أن لا يختفوا، بل يمشون بطول قاماتهم وأن قصرت.. لن يحاسب التاريخ أحداً. ومن يحاسب من، ومن هو التاريخ يا ترى؟! أليس التاريخ هو الناس، وهم الذين يصنعونه وينصفونه، وهم الذين يقرأونه، وهم الذين يعيدون كتابته حين يخطئ أسلافهم؟! فإذا ما مشت الناس كما السائر في نومه، فكيف سيكتب التاريخ ومن يقرأ ذلك التاريخ ومن يصحح أخطاءه؟! لذا فإن مسؤولية المثقف والمبدع والمرهف والنبيل لا تكمن في المخاطر التي يتعرض لها الوطن، بل الخطورة تكمن حين يكسر المبدع مراياه!
* سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي