رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 27 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1716

الشركات العامة التي ورثها العراق من الانظمة السابقة

د. بارق شُبَّر*
ضمن نشاطات مؤسسة «نهار للتنمية المستدامة» ما يخص المحافظة على الموارد الاقتصادية بصورة عامة، وطرح الاستراتيجيات والخطط والمقترحات لإدامتها، خدمة للسكان، تعرض هذه الدراسة، التي أعدها الدكتور والخبير الاقتصادي الدولي بارق شبر، الذي يتناول مشكلات الفشل في تحقيق تنمية اقتصادية عدا تنمية مستدامة، تحمي البيئة والموارد الطبيعية، وتلبي حاجات الاجيال الحالية.
ويؤشر شبّر غياب ثقافة بيئية، فيما يحمّل مسؤولية ذلك الاجهزة الحكومية ومنظمات المجتمع المدني وشرائح واسعة من المجتمع العراقي، على حد سواء.
ويؤرخ شبر لمفهوم «التنمية المستدامة»، الذي ظهر في العراق أول مرّة بعد العام 2003، بينما انحصر على عدد قليل من التكنوقراط، في حين أن بداية ظهوره تعود الى ألمانيا في مجال الزراعة، عام 1713، لكن انتشاره «البطيء» بعد مؤتمر الامم المتحدة حول المناخ والانسان في 1972.
ويعرض الدكتور شبر، لعدد من المشاريع والخطط لمكافحة الفقر والتخلف التعليمي وغيرها، والتي لم يتم تنفيذها، معتقدا أن الجهات المتبنية لها، لم ترتق بعد لمستوى مؤسسة اقتصادية فاعلة.
أما المشاريع المنجزة من قبل الانظمة السابقة والتي ورثها العراق الجديد فنذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر مشكلة الشركات العامة البالغ عددها 172 والتي تملك ما يقارب 270 مصنعاً يشتغل فيها نحو نصف مليون عامل بصفة موظفين مدى الحياة في الدولة متوقفة عن الإنتاج باستثناء 40 نشاطاً مدعوم من الدولة غالبها في مجال الصناعة النفطية. لقد كلفت هذه الشركات ميزانية الدولة منذ عام 2003 نحو 16 مليار دينار عراقي وما يعادل تقريباً 10 مليار دولار امريكي على حساب معيشة الاجيال الحالية والاجيال القادمة. (الارقام مستقاة من مداخلة د. مظهر محمد صالح في ندوة معهد التقدم للسياسات الانمائية. انظر جريدة الصباح العراقية عدد 3832 الصادرة في 5 كانون الأول/ديسمبر 2016).
ولا يختلف عاقلان على تشخيص أسباب هذا الفشل وأولهما سوء الإدارة الاقتصادية، حيث ما تزال عقلية اقتصاد رأسمالية الدولة منتشرة لدى كبار الموظفين والعقلية الريعية لدى الصغار منهم بمعنى الدولة الابوية التي يتوجب عليها لعب دور شيخ القبيلة في توزيع المغانم واطعام الرعية. كما تجدر الاشارة إلى انتشار ثقافة الفساد في معظم الاجهزة الحكومية ومفاصل المجتمع، فضلاً عن المحاصصة الحزبية وانعدام الرقابة والمحاسبة. 
والغريب في الموضوع هو ان بعض المسؤولون الحكوميين يتكلمون عن هذه المشكلة منذ أكثر من عقد من الزمان مضى وتم اجراء دراسات وابحاث عديدة من قبل خبراء دوليين من البنك الدولي ومن الامم المتحدة وشارك فيها بعض الخبراء العراقيين كما تم تشكيل لجان فنية عديدة وتم تنظيم العديد من ورشات العمل ولكن كلها من دون جدوى، مما يعني ان كل الجهود التي بذلت لحد الان تعكس عملاً لا يمكن وصفه بأنه يصبُّ نحو التنمية المستدامة. كما ينبغي الاشارة إلى النقص الشديد للكفاءات والتكنوقراط في معظم مفاصل الدولة ولأسباب معروفة اهمها الاستمرار في تطبيق قاعدة الولاء قبل الكفاءة التي ورثها العراق من النظام البائد. وعملت الطبقة السياسية المتنفذة ومن دون وازع اخلاقي على ترسيخ وتقنين هذا المبدأ القبلي والذي لا يمت بأي صلة إلى مبادئ دولة المواطن المدنية التي تدعي هذه الطبقة بالسعي إلى تحقيقها.
تحليل لأسباب فشل سياسات التنمية المستدامة
يوجد شبه اجماع بين الاقتصاديين العراقيين على ان العراق خسر ما يقارب اربعة عقود من التنمية، وتظهر هذه الخسارة واضحة للعيان من خلال مقارنة الأوضاع الاقتصادية الحالية في العراق مع جميع دول الجوار، بما في ذلك سوريا قبل بدء الحرب الاهلية والعديد من دول العالم مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية وكيف تطور اقتصاد هذه الدول خلال العقود الماضية على عكس الاقتصاد العراقي والذي تراجع إلى الوراء.  تعددت الاسباب واختلف المراقبون والباحثون على تشخيصها الدقيق وتحليلها العلمي مع مراعاة الفرق بين الموضوعية والذاتية منها ومن دون الخلط بين السبب والنتيجة. من وجهة نظري، تمثل العوامل الداخلية السبب الرئيسي لفشل السياسات التنموية بشكل عام وسياسة التنمية المستدامة بشكل خاص. 
1. ظهور تجليات الدولة الريعية في منتصف ستينيات القرن الماضي ومعها رأسمالية الدولة تحت شعارت ايديولوجية واهية من قبيل "تحقيق العدالة الاجتماعية" عن طريق "الاشتراكية العربية" ومن خلال بث الأوهام في المجتمع بأن القطاع العام أكثر كفاءة من القطاع الخاص في تحقيق التنمية، وتجسدت هذه المواقف الايديولوجية في سياسات محاربة القطاع الخاص والبرجوازية الوطنية المنتجة وتهجيرها إلى الخارج في اعقاب قرارات تأميم الصناعات الوطنية الفتية والمصارف وشركات الخدمات والتأمين الخاصة.  ونجم عن ظهور الدولة الريعية انتشار الثقافة الريعية بين معظم شرائح المجتمع العراقي وخصوصا تلك التي هاجرت من الريف إلى المدينة بحثاً عن لقمة العيش مما ادى إلى حدوث تغيرات ديموغرافية وثقافية عميقة في التركيبة المجتمعية للمدن، اهمها هجرة السكان الاصليين للمدينة من ابناء الطبقة الوسطى المنتجة إلى خارج العراق وهيمنة المهاجرين الجدد على معظم مفاصل المدينة الحياتية وانتشار الميل نحو البحث عن الريع بدلاً من ثقافة الانجاز عن طريق العمل المنتج والذي يتسم بها سكان المدينة الاصليين من الحضر. وانعكست هذه التغييرات الهيكلية في المجتمع العراقي على المشهد السياسي خلال العقود الاربعة الماضية وصعود المهاجرين من الريف إلى السلطة السياسية، ان كان ذلك عن طريق القوّة بالسلاح قبل عام 2003 أو عن طريق الانتخابات بعد ذلك. 
2. الحروب العبثية التي شنها النظام السابق على إيران خلال الفترة 1980-1988 ومن بعدها غزو الكويت في عام 1990 ومن ثم الحرب التي شنها الحلفاء على العراق من اجل طرد المحتلين منها والتي انتهت بهزيمة عسكرية وسياسية كارثية، كادت تنهي سلطة النظام الديكتاتوري لولا تدخل المملكة العربية السعودية وطلبها من الولايات المتحدة بالتوقف عن دعم الانتفاضة الشعبية التي شملت 14 محافظة من أصل 18 ضد النظام المستبد. لقد تكبد الاقتصاد العراقي خسائر مالية ومادية وبشرية كبيرة تقدر بمئات المليارات من الدولارات على حساب عملية التنمية الاقتصادية. واستمرت هذه الخسائر بسبب الحصار الدولي الجائر والذي استمر 13 عاماً، وتسبب في انهيار البنية التحتية وتسارع وتيرة التدهور الاقتصادي الذي بدأ مع الحرب على إيران في عام 1980. ومما زاد الاعباء على الاقتصاد وعلى المواطن العراقي تحميلهم نتائج السياسات الرعناء للنظام السابق من خلال العقوبات الدولية وفرض التعويضات للكويت ولكل المتضريرين من حرب النظام السابق عليها. لقد بلغت التعويضات التي صادقت عليها لجنة الأمم المتحدة للتعويضات حوالي 52.4 مليار دولار. وفي نهاية 2011 بلغ ما سدد منها 35.1 مليار دولار وما تبقى 17.3 مليار. ( أنظر د. علي مرزا، 24/1/2012). واستمر دفع التعويضات عن طريق خصم نسبة 5% من عائدات تصدير النفط العراقي وسجل حتى شهر نيسان/ابريل من عام 2014 مامقداره 45.5 مليار دولار وفق بيان اللجنة المذكورة اعلاه.  وذكرت اللجنة الأممية، في بيانها، أنه يتبقى فقط مبلغ يصل إلى 6.9 مليار دولار سيتم دفعها إلى مطالبات متبقية وهي تلك الخاصة بحكومة الكويت نيابة عن مؤسسة البترول الكويتية والتي قدرت لجنة التعويضات لها 14.7 مليار دولار في عام 2000 وذلك تعويضاً عن الخسائر التي لحقت بإنتاج ومبيعات النفط نتيجة الأضرار التي لحقت بحقول النفط الكويتية جراء الغزو العراقي لأراضيها (المعلومة منشورة على موقع الشروق بتاريخ 24/4/2014)  
3.    منذ اسقاط النظام السابق في نيسان 2003 وبدء العملية السياسية يتعرض العراق إلى عمليات ارهابية واسعة وممنهجة مدعومة من بعض الدول الاقليمية كبدت وما تزال تكبد الاقتصاد العراقي خسائر جمة من دمار للبنى التحتية والممتلكات الخاصة من دور سكن ومصانع ومزارع فضلاً عن تهجير واسع للسكان وللقوى العاملة تسبب في ايقاف عملية الإنتاج الصناعي والزراعي في المناطق التي سيطرت عليها التنظيمات الارهابية. قدرت وزارة التخطيط العراقية حجم الأضرار التي أصابت العراق من العمليات الارهابية خلال الفترة 2004 – 2014 بحوالي 30 مليار دولار (انظر موقع الغد برس، في 8 ايار 2016) ولا تشمل الأضرار الكبيرة التي أصابت البنى التحتية والممتلكات الخاصة في محافظات الانبار وصلاح الدين ونينوى منذ هجمة داعش الارهابية في عام 2014 ولحد الان، حيث تقدر اللجنة المالية النيابية احتياج العراق إلى مبلغ 120 مليار دولار لإعادة إعمار المناطق المتضررة (موقع الغد برس في 6 ايلول 2016)
4. فشل الحكومات المتعاقبة في تحقيق الاستقرار السياسي بشكل عام منذ تأسيس الدولة العراقية بسبب وجود الشرخ المجتمعي والذي استمر بعد عام 2003 بشكل خاص حتى يومنا هذا (انظر د. علي مرزا، 13/4/2013). فالبرغم من انهاء نظام البعث/صدام حسين الاستبدادي والتوجه نحو نظام الديمقراطية النسبية فشلت الطبقة السياسية التقليدية في تحقيق التوافق والوئام المجتمعي وما تزال مستمرّة في الصراع على النفوذ والمال وفق عقليتها التقليدية والتي تؤمن بلعبة المعادلة الصفرية وتجد صعوبات جمة في الاعتراف بقواعد اللعبة الديمقراطية. ولا يخفي على أحد أن الاستقرار السياسي يمثل شرطاً اساسياً ومطلقاً لدفع عجلة الاقتصاد وللتنمية الاقتصادية في جميع بلدان العالم. 
5. كما فشلت الحكومات المتعاقبة منذ عام 1963 في توفير شرط اساسي اخر للتنمية الاقتصادية المستدامة، الا وهو وضع الشخص الصحيح في المكان الصحيح واستبدلت هذا المبدأ بمدأ "الولاء فوق الكفاءة" منذ عام 1963 ولحد يومنا هذا يتم وبشكل ممنهج تهميش وتهجير العقول والكفاءات العراقية، لأنها ترفض الانضمام تحت راية الاحزاب المهيمنة على السلطة. وللاسف استمرت سياسات التهميش بعد اسقاط النظام الدكتاتوري في 2003 عدا استثناءات قليلة جداً. والمثال الصارخ على عدم وضع الشخص الصحيح في المكان الصحيح هو ان جميع المؤسسات الاقتصادية في الدولة تدار من اشخاص غير اقتصاديين يفتقدون إلى الخلفية العلمية وإلى التجارب المهنية.  

الخلاصة والاستنتاجات
لقد حاولت تبيان ان نجاح وفشل سياسات التنمية المستدامة على ارتباط وثيق بتوفر شروط موضوعية وذاتية في آن واحد. في أوروبا واليابان استغرقت عملية تلاقح الظروف الموضوعية مع الذاتية منها قرون عديدة. هذا لا يعني ان العراق يتوجب عليه الانتظار كل هذه المدّة لكي يبدأ بعملية التنمية المستدامة. في الحقيقة برزت فلسفة التنمية المستدامة بعد مراحل عديدة من سياسات التنمية الاقتصادية في ما يسمى بالعالم الأول، اي الدول الصناعية الرأسمالية وعلى مدى قرون منذ الثورة الصناعية وحتى اواخر القرن العشرين بعد ان تبينت الأخطاء الجسمية لهذه السياسات والتي ارتكبت بحق البيئة والطبيعة وصحة الانسان.  وهذا يعني ان فلسفة التنمية المستدامة تمثل عملية تصحيحية للتنمية الاقتصادية الكلاسيكية والتي لا تأخذ في الاعتبار التكاليف الخارجية (External Costs) والتكاليف الاجتماعية (Social Costs). 
المطلوب من صاحب القرار الاقتصادي في العراق هو عدم تكرار أخطاء الدول التي سبقتنا في عملية التنمية وضروة الاستفادة من تجاربها في تصحيح هذه العملية. في قناعتي إن الشروط الموضوعية، بمعنى الحاجة والضرورة الموضوعية القصوى للتنمية المستدامة في العراق، متوفرة منذ عقود، ولكن الشروط الذاتية وفق ما تم تبيانه أعلاه من غياب في الوعي والثقافة البيئية والإرادة السياسية والإدارة المهنية الكفوءة ماتزال غير متوفرة. السؤال الذي يجب ان نطرحه على أنفسنا هو ما العمل وكيف يمكن توفير الظروف الذاتية المطلوبة.  في الحقيقة انا لا املك وصفة جاهزة لحل هذه الاشكالية، ولكني أستطيع طرح بعض الافكار والمقترحات للنقاش والتي تركز على المبادرات من المجتمع المدني. خلال زيارتي الاخيرة إلى بغداد التقيت بالسيد مهدي الهاشمي، صاحب امتياز جريدة العالم البغدادية، وطرح عليَّ فكرة تنظيم مؤتمر أو ورشة عمل حول موضوع التنمية المستدامة والثقافة البيئية في العراق. لقد رحبت بهذه الفكرة لاني اعتقد بأن مثل هذه الورشة، مهما كانت صغيرة، سوف توفر فرصة جيدة للقاء المهتمين بهذا الموضوع الحياتي ولتبادل الافكار والخبرات ومن ثم الاتفاق على تأسيس كيان تنيسقي مدني من قبيل "الشبكة العراقية لحماية البيئة والتنمية المستدامة".  المحاور التالية تمثل اقتراح أولي للنقاش يمكن تطويره لاحقاً:
1. مراجعة وتقييم نشاط منظمات المجتمع المدني في مجال حماية البيئة والتنمية المستدامة.
2. مطالبة الجامعات ومراكز الدراسات والابحاث بإجراء المزيد من الدراسات الميدانية حول تلوث الهواء من قطاع النقل ومن الصناعات النفطية وصناعات الاسمنت والطابوق وعم مصادر تلوث المياه واثارها على الصحة العامة للمواطنين والترويج للنتائج في الاعلام بهدف توعية المواطنين، وهذا يتطلب ايضاً تحفيز الاعلاميين على الاهتمام بقضايا البيئة.
3. التركيز على تحريك المجتمع المدني وخصوصاً شريحة الشباب وطلبة الجامعات بمشاركة الأكاديميين واساتذة الجامعات وتشجيعهم على البدء بمبادرات لحماية البيئة شبيهة بمبادرة الفتيات البغداديات في ركوب الدراجات الهوائية في كانون الأول/ديسمبر من عام 2016. 
4. اعداد برنامج عمل للفترة القادمة وتوزيع المسؤوليات. 
وعلى من يرغب بالمشاركة في مثل هذه الورشة التفضل بالاتصال بشبكة الاقتصاديين العراقيين وبجريدة العالم البغدادية على العنوان البريد الالكتروني التالي:
info@iraqieocnomists.net
ALAALEM NEWS editor.alaalem@gmail.com
(*) خبير اقتصادي دولي، المؤسس والمنسق العام لشبكة الاقتصاديين العراقيين
المصادر
د. باسم سيفي حول استراتيجية الطاقة الوطنية المنشورة في مجلة قضايا استراتيجية عدد 5/2016
تقرير مراسل الحرة في البصرة سعد قصي – تسجيل فيديو
ويكيميديا بالغة الالمانية، 15/12/2016 
https://de.wikipedia.org/wiki/Nachhaltigkeit_(Forstwirtschaft)#Geschichte_in_Mitteleuropa
د. كريم وحيد*: لماذا تم التوجه باعتماد محطات انتاج الطاقة الغازية؟ شبكة الاقتصاديين العراقيين، في 7/3/2017 
د. علي مرزا: موازنة 2012 : قضايا مالية / اقتصادية ومؤسساتية في العراق. شبكة الاقتصاديين العراقيين 24/12/2012
د. علي مرزا: د. علي ميرزا *: العراق: الواقع والآفاق الاقتصادية – الفرص الضائعة وتخمينات المستقبل  شبكة الاقتصاديين العراقيين 13/4/2013 
موقع الشروق، 24/4/2014 
موقع الغد برس في 8 ايار 2016 
موقع الغد برس في 6 ايلول 2016 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي