رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 27 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1716

قراءة في كتاب من العنف الى التراحم

عبد الجبار خضير عباس
يعد هذا الكتاب الصادر عن دار الروسم للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد ب(464) صفحة حجم كبير، من أهم المطبوعات التي تعالج حالات العنف الطائفي والعرقي، والديني، إذ ان الكتاب لا يعتمد على سرد قصص العنف والاغتصاب والتهجير…فحسب، بل يدرس حالات العنف المتنوعة عرقياً، وطائفياً…بمختلف تنوعاتها الجغرافية فضلاً عن دراستها نظرياً وتحليلها وتفكيكها عبر المتابعة والمعاينة الميدانية، فمثلاً وبالرغم من أهمية كتاب (مراقبة الريح) لسوزان كولن ماركس الذي يتحدث عن حل النزاعات في جنوب افريقيا في مرحلة الانتقال نحو الديمقراطية، وتجربته الغنية في نقل حكايات عن حالات التعذيب، والتنكيل، والتهميش، والامتهان الذي تعرض له السود، ثم دور نلسون مانديلا، والقوى المحبة للسلام بانتشال جنوب افريقيا من التدمير إلى حالة من السلام والوئام، وازالة التفرقة العنصرية التي مرت عبر مخاضات عسيرة، والأجواء الملبدة بالعدائية ، والكره المزمن، والوراثي…إلا أن الكتاب افتقر للقراءة النظرية والتحليل مثلما طُرح من معالجات في كتاب (من العنف إلى التراحم). إذ ان ثمة إجابات بشأن الكم الهائل من خزين العدائية الذي نحمله للآخرين وكيف نعدهم “جحيماً على الأرض” في الكتاب إجابات لتساؤلاتنا “لماذا تتكون لدينا هذه المشاعر؟ وما المطلوب منا فعله حيال ذلك؟” يظهر لنا الكتاب “أننا بينما نحاكي رغبات الآخرين فنحن نحاكي مفاهيمنا عن داخليتهم” يتحدث الكاتب بصوتين صوت المنظر للصراع والمصالحة والثاني، صوت الإنسان العادي الذي يغرق في أجواء الصراعات والعنف ومصالحات الواقع اليومي، ويعتقد أن عرض الصوت الثاني، ضروري لان أغلب الصراع العميق الجذور هو عما يحدث داخل الإنسان. ويفكك الكاتب المفاهيم التي تؤثر في تشكل الصراع عميق الجذور مثل المعنى، والترابط، والأمن، والفعل، والاعتراف. ثم يبين أولويات هذه المفاهيم واختلافها في المجتمعات لكنها مشتركة في كل حالة من حالات الصراع، ويضعنا في تجارب ميدانية مختلفة من كندا، والبوسنة والهرسك، وجنوب إفريقيا، وفلسطين وغيرها عبر قراءات ميدانية…وأرى من الضروري تدريسه في الثانويات، والجامعات، والمؤسسات الأمنية، إذ سيكسب المتلقي حصانة ضد عدائية الآخر المختلف. وأنه لا توجد أية مشكلة في الصراعات العميقة مهما بدت معقدة جداً ومركبة وشائكة إلا ولها الحل حتى لو بدا مستحيلاً، فمن رحم المستحيل هذا تحققت المصالحات إذا أمنا بها. اختم هذه المقدمة بما كتبه لي المترجم سهيل نجم في إهدائه “ترى متى يدرك العراقيون أنه لا سبيل لهم إلا بالتراحم والمصالحة؟”.
كتاب (من العنف إلى التراحم) يفكك مفاهيم العنف، والروح العدائية التي سببها الصراع العميق الجذور، ويبحث في الميكانزمات المحركة لها عبر الدراسة النظرية والقراءة الميدانية، فمثلاً عند الحديث عن حاجات الهوية الإنسانية يقول:” قدمت مداخلة عن الصراع العميق الجذور إلى مجموعة من طلاب الجامعة في موستار والبوسنة والهرسك، كنت قد وصلت قبل يوم من تقديم المداخلة، وقد أفزعني جداً أن أرى صفاً بعد صف من المباني المدمرة، فكرت بآلاف الناس الذين عانوا من سنوات القتال، وعمليات الإزاحة التي رافقتها، استعملت في المداخلة المعايير المطلوبة للمعنى، والفعل، والترابط، والأمن، والاعتراف. وحين انتهيت، عملت استطلاعاً لأقرر أي هذه الحاجات له الأولوية، وعندما وصلت إلى (الأمن) كان 95% من الطلاب قد رفعوا أيديهم، عندئذ نظرت إلى وجوه هؤلاء الطلاب، وهم في العشرينات، أدركت أن أغلبهم كانوا في عمر المراهقة حين حدث القتال، والتطهير العرقي، قدمت هذه الحاجات إلى المئات من الطلبة في مختلف الأماكن من العالم، لكنني لم أواجه مثل هذا التحديد الساحق للأمن في ذلك السياق، يبدو أن تلك الاستجابة يقف وراءها ألم لا يصدق وخوف وحرمان.”
ثم ينتهي إلى ضرورة الخروج من العنف إلى التراحم، ويورد عديدا من التجارب التي نرى من المستحيل أنها ستفضي إلى المصالحة، لكنه يؤكد عبر الوقائع على قدرة منظمات المجتمع المدني، والإرادة السياسية على حل تلك المشاكل، وينتهي الصراع بصيغة من التراحم بين الأطراف المتصارعة، ويبعث رسائل مفادها انه ليس هناك من مشكلة صراع بين أطراف متناحرة ليس لها حل، إن توافرت القناعة بعد تفكيك أسباب هذا الصراع. وإن جميع عمليات التطهير العرقي، والصراعات إذا كانت في رواندا، أو كندا، أو جنوب افريقيا، فإن أسبابها متشابهة، وكذلك آليات حلها.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي