رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 27 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1716

بغداد ومائة عام من الاحتلال

مرت بهدوء وسط ضجيج السياسة وجبن السياسيين ووسائل الاعلام، يبدو انهم يتبعون الاوامر، ممنوع ان تذكروا الناس باننا محتلون مخضرمون بدليل انهم حين جاؤوا مع الاحتلال الامريكي اول ما فعلوه هو انهم رفعوا تمثال حسين ارخيص الذي جثم على الجندي البريطاني طاعنا، ومن ثم بعد مدة خلصوا تمثال جنديهم المقتول من بين يديه، وتركوا ارخيص بلا جثة بريطاني يتفاخر بها! فبعد بدعة المحررين التي اطلقها الجنرال مود بعد أسبوع من سقوط المدينة في (بيان بغداد)، والذي احتوى على العبارة الشهيرة "لم تأت جيوشنا إلى مدينتكم وأرضكم كغزاة أو أعداء ولكن كمحررين"، جاءت بدعة المندوب السامي لتحل بعدها بدعة (الصداقة) في العصر الحالي والمحررين الامريكان. الليبراليون مثل اعدائهم الاسلاميين أغفلوا الامر ايضا فهم شركاء طاولة مؤتمر لندن لذلك الهوا الناس بعيد المرأة وجدليات المينفست ودراجة مارينا جابر، وعيد الشجرة حتى، فهم يدينون لبريطانيا كثيرا وليس لهم تاريخ مقاوم، وهو الامر الذي يدعوهم لمهاجمة ثورة العشرين كلما سنح لهم الوقت، او كلما افتخر عليهم الاسلامويون بذلك، بل لا يفثأون يرددوا مديونتهم للمس بيل، حتى ان احدهم الذي يتبوأ منصبا اعلاميا في احدى الدوائر المهمة اعرب في احدى الندوات عن رغبته في ان يمرغ وجهه في ثرى قبرها في مقبرة الارمن الارثذوكس في ساحة الطيران! فهل نحن مدينون لبريطانيا وامريكا فعلا؟ تشير نظرية التطور الحديثة الى ان الحروب هي من اهم عوامل التطور البيولوجي والثقافي؛ فامراض وجينات الجيوش الغازية وعاداتها وسلوكها ولغتها، تنعكس على الدول المحتلة بشكل او بآخر، ومن ثم فان الدول المحتلة تفعل ما تجيده، وما تعتقده وما تعودت ممارسته في بلدانها، لكنها لم تأت من اجل الرقي بالدول التي تحتلها؛ فاغلب الحروب هي اقتصادية واستراتيجية، فوجود استعمار عثماني متخلف كان يعد لدى البعض انقاذا؛ فالعثمانيون ايضا انشأوا المطابع وبعض المشاريع الخدمية ضمن حدود معرفتهم وتطورهم، وزالوا عبر اليات الانتخاب الطبيعي ليأتي بعدهم البريطانيون الذين صمموا قاعدة بياناتهم على اساس طائفي وعرقي. واحدة من تلك المفارقات ان نبية الليبراليين المخابراتية مس بيل تَصفُ حفلات دينية بين السنة والشيعة بقولِها "إنَّ المتطرفينَ اتخذوا خطةً من الصعبِ مقاومتَها، وهي الاتحادُ بينَ الشيعةِ والسُنّةِ أي وحدةُ الإسلام"، وتقولُ أيضاً "إنَّها زاخرةٌ بإلقاءِ القصائدِ والخُطَبِ التي تَمزِجُ بينَ الدينِ والسياسةِ، وكلُها تدورُ حولَ فكرةِ العداءِ للكفّار". فلم يذكر الليبراليون الاثار التي سرقتها المس بيل، لكنهم يذكرون انها انشأت المتحف الوطني بعد ان اعتقدت بان بريطانيا باقية، فما الجدوى من عناء نقل الاثار؛ فالعراق هو اصلا ارض بريطانية وربما جعلت منه محطة لتكنيز الاثار، ريثما يتم نقلها الى بريطانيا، فهي ثروة بحاجة الى ان تبقى بظروف مناخية وبيئية معينة. اما المشاريع الاخرى كدائرة البريد وغيرها فكلها مشاريع كانت تسهل عمل الدولة الاستعمارية وليس شفقة على العراقيين حتى المدارس انشئت لحاجتهم الى كادر وسطي، يخدمهم، يمتلك مؤهلات معينة يحتاجونها، تغنيهم عن استيراد عمالة مناسبة. واكثر ما كانوا يعانونه عدم التواصل اللغوي، فالامريكان مثلا لو لم يجدوا من يجيد الانكليزية ليعمل مترجما معهم او دليلا على عناصر المقاومة لأنشأوا مدارس خاصة لتعليم اللغة ولكان هناك ايضا من يدين لهم بتلك المدارس المفترضة لا سيما جماعة (مو حررونة من صدام) الذين نسوا انهم جاؤوا الينا بالف نسخة منه، وربما اسوأ بكثير. فان كان هناك من يجدر شكره فهو نظرية التطور وحتميته بالبريطانيين او من دونهم اما انه (لولا لما) فهي فرضية مريضة قائمة على الاستلاب الذاتي أو متلازمة ستوكهولم (عشق الضحية للجلاد).

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي