رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 27 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1716

سيكولوجية شعب وأفراد ..!

على الرغم من جمال مؤلفات الباحث الإجتماعي الدكتور "علي الوردي" وغوصه في بحار المجتمع العراقي والتوغل عميقاً في سلوك الفرد، موضحاً العلاقة بين مجتمعات البداوة والريف والمدينة. بالرغم من كل هذه الموهبة وهذا التألق الذهني والتأمل الموضوعي، إلا أنني وبعد أن أعدت قراءة المؤلفات الكاملة وجدت أنها دراسات لمجتمع بسيط لم تتعقد بعد شخصيته. وحين حاولت إسقاطها على مجتمعنا المعاصر بات صعباً علي فهمها، ليس انتقاصا من قيمتها الفكرية والفنية الجمالية بقدر ما حصل من تطور سلبي على المجتمع العراقي وعلى سيكولوجية الفرد العراقي في الحقبة الدكتاتورية التي جثمت على أرض العراق، بسبب "تدفق الثروات الطبيعية والاستحواذ عليها من قبل أرذال مجتمع  البداوة. سيادة النزعة الماسوشية والسادية بكل أشكالها المتمثلة في العلاقات الاجتماعية والجنسية. امتهان شخصية المرأة العراقية، وغياب التوازن النفسي بين السلوك الهمجي وحكمة العقل وتدني الحس العاطفي والجمالي"، وبعد انهيار هذه المرحلة المحملة بكل أشكال الأمراض الإجتماعية، ولدت من رحمها، النزعة الدينية السلفية المتأخرة عن العصر، وسحبت معها كل أمراض التاريخ وتحول المجتمع الزراعي الريفي، إلى مجتمع المقاولات القائم على النهب والنصب والاحتيال، تزامن ذلك مع مناهج تعليمية ملتبسة سادت كل مراحل الدراسة من الابتدائية حتى المرحلة الجامعية، مناهج الغت من حسابها التاريخ والمعرفة العلمية، ودخلت أروقة الجامعات مليشيات الدين، وأجبرت هي والعشائر أساتذة الجامعات في كثير من الأحيان، على توقيع شهادات التخرج لأبنائها الذين يعاد امتحانهم لمرات عديدة دون أن يفلحوا في تحقيق درجة الحد الأدنى التي تؤهلهم لتسلم شهادة التخرج، ناهيك عن هجرة الطاقات العلمية والإبداعية المتطورة وفي شتى المجالات ما يجعل من الصعوبة بمكان أن ينهض جيل جديد تترسخ في وجدانه القيم الإنسانية والوطنية من خلال تنامي الوعي واستلهام مفردات القيم الجمالية لبناء شخصية عراقية متماسكة ومتوازنة تساهم في بناء مجتمع سليم. ولقد زرع النظامان الدكتاتوري والديني بذور الخوف التي نمت عبر سنوات العمر، وانعكس هذا الخوف بالضرورة على سلوك المجتمع والفرد على حد سواء، فالخوف من السلطة في المرحلة الدكتاتورية، قاد المجتمع والفرد للمسكنة والشعور بالدونية إزاء شرطي الأمن وشرطي الحزب. والخوف في المرحلة الدينية، من الغد المجهول وعدم توفر الضمانة الاقتصادية والاجتماعية دفع الفرد العراقي، للاستحواذ على المال العام والرشوة، وكل إنعكاساتها السيكولوجية. وقد لعبت التربية الإعلامية التي تبثها القنوات الفضائية في المرحلتين، دوراً خطيراً في سيكولوجية المجتمع والفرد في العراق. وإن وجود تسع وأربعين فضائية تبث من العراق، إضافة إلى مئات الفضائيات العربية المتنوعة الاتجاهات والبرامج المحكمة التوجه، تؤثر ليس فقط على سيكولوجية الفرد، بل أن مخاطرها الفيزيائية تشكل أخطر مؤثرات استقبال الصورة. وقد أوضحت ملفات الجريمة في مؤسسات الأمن والشرطة الجنائية في المنطقة العربية والعالم بأن أغلب السلوك الجريمي لأعمار متباينة من الناس بدءاً من الطفل وإنتهاء بالشيخ الكبير، إنما حصل بسبب التأثير الفيزيائي أولا والسيكولوجي ثانيا للصورة على ذات المتلقي. في هذا الواقع الاجتماعي المتدهور والذي ينعكس على سيكولوجية الفرد، فإن البطالة المتزايدة تلعب دورها في ضياع الفرد العراقي واختلال التوازن في شخصيته، وحين تصبح الحبوب المخدرة وحبوب الهلوسة متوفرة في الأسواق، فإنها تحيل الشباب وهم الفئة الفاعلة في المجتمع إلى جيل من المخبولين والمنهكين والذين يتوقع منهم كل فعل متدن دون التفكير بالنتائج على كافة الصعد!
من هنا القول بأن ما كتبه الباحث المبدع الدكتور على الوردي في دراساته، لا تشكل سوى أساس المزرعة السيكولوجية التي حين سمدت الأرض وسقيت بكل تلك الأفكار البدوية والريفية ممثلة بأرذال المجتمع الدكتاتوري والديني، كل ذلك جعل بذور المزرعة السيكولوجية تنبت أشكالا من النباتات البشرية المركبة والمعقدة من كافة الأعمار وكافة فئات المجتمع العراقي!
لقد ساد الخوف المجتمع والفرد، وسادت البطالة والتسكع المجتمع والفرد، وسادت الجريمة المجتمع والفرد، وساد الاحتيال المجتمع والفرد، وتجسدت الرغبات غير السوية المجتمع والفرد، فانوجد جيل لا يدعو إلى الإطمئنان، في خدره ويقظته وإتخذت العلاقة بين الرجل والمرأة شكلا حيوانيا، بسبب تدني الوعي وتدني القيمة الجمالية!
لست باحثا اجتماعيا ولست محللا سيكولوجيا، بقدر ما تعلمته في دروس السينما والمسرح في بناء الشخصية وسبر أغوارها السيكولوجية ضمن بناء السيناريو. لقد وجدت في زيارتي للعراق مجتمعا مخيفا، ووجدت سلوكا غير سوي وغير جميل وغير متوازن لشخصيات كانت تشكل المثل والرمز النموذجي في الحياة، وجدتهم شخصيات مركبة معقدة وحتى سيئة، شكلت في وجداني مخاوف للتعامل معها. وقد انعكست حالاتهم النفسية على ملامحهم فيزيائيا. هذا المجتمع العراقي المركب، وهذه الشخصية العراقية التي تعقدت أكثر من عقدة، باتت بحاجة إلى دراسة جديدة، قائمة على العلم والبحث الدقيق، أحيلها لعلماء النفس والأساتذة المتخصصين وطلبتهم لدراسة سيكولوجية المجتمع والفرد العراقي، في مرحلة من أكثر المراحل تعقيدا في تاريخ العراق!
* سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي