رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 29 اذار( مارس ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1693

التحليل السياسي

توصيف صار أكثر من شائع في الكثير من وسائل الإعلام العراقية يمتزج فيه أو يلتبس  اكثر من مجال في آن واحد وهما الإعلام (Informing ) وهو أداة مساهمة في صنع السياسة الخارجية وتأثيرها على صناع القرار والرأي العام  مهمتها نشر الأخبار ونقل المعلومات،أما السياسة Policy فهي فن حكم الدولة والنشاط الأعلى الذي يشمل النشاطات الاُخرى وتهدف الى التنظيم الأعلى للحياة في المجتمع.. ليكون الناتج من تفاعل هذين المضمارين كمحصلة معرفية التحليل السياسي (Degenerating    Politician  ) ويكون المتمرس في هذا المجال  محللا سياسيا وهو مصطلح طالما شاهدناه وسمعنا به مترادفا مع أسماء كثيرة خاصة في بعض الفضائيات توصف معظمها بالمحلل السياسي وفي أحايين كثيرة يأتي هذا التوصيف متلازما مع ألقاب أكاديمية او إعلامية قد تنطبق على الشخص المعني انطباقا حقيقيا أو تنطبق عليه بدرجة معينة وقد يكون الموصوف مستحقا لها عن اقتدار وجدارة أو لا يكون مستحقا لها على الاطلاق من مثل؛  الكاتب والمحلل السياسي/ والباحث والمحلل السياسي/ الإعلامي والمحلل السياسي/ الأكاديمي والإعلامي والمحلل السياسي ناهيك عن بقية الألقاب والمسميات!
إن السبب في استسهال اطلاق هذه الالقاب على من يستحق أو من لا يستحق مرده استسهال العمل الاعلامي والصحفي نفسه وعدم اعتماد المعايير المهنية وذلك بإستسهال اطلاق التوصيفات العشوائية على كل من يدلي برأيه او يقدم افكارا أو يمارس التنظير حول قضية معينة قد لا ترتقي الى مستوى التحليل السياسي؛ اذ ليس بالضرورة ان يكون الادلاء بالرأي تحليلا سياسيا وليست كل الأفكار تحمل في طياتها ذلك التحليل وليس كل من يدلي برأيه هو "محللا" سياسيا.
فالمضطلعون بالسياسة والاعلام يعرفون الفرق ما بين الرأي المجرد مهما بلغ مستواه ومهنيته وما بين التحليل السياسي، وهو ذات الفرق ما بين المدلي برأيه وما بين المحلل السياسي الذي يحلل ثيمات قضية جديرة بالتحليل قد تكون حديث الساعة او محورا مهما من المحاور الستراتيجية او مسألة ذات أهمية بالغة أو ذات طبيعة ساخنة فيقوم بتشريح ملابساتها وإعادة تفكيكها واستقراء أسبابها ونتائجها وتداعياتها والبحث عن منطلقاتها السياسية والاجتماعية والتاريخية والديموغرافية والانثروبولوجية وغير ذلك ودراسة أبعادها الإستراتيجية والتكتيكية وجذورها الفلسفية والابستمولوجية والانطولوجية استقراء نقديا فاحصا وباحثا مستنتجا ومحللا ومعللا وغائرا في أعماق القضية ومتاهاتها بعيدا عن السطحية والطرح الشكلاني المبتسر أو غير الوافي أو السطحي أو الرأي العابر... فضلا عن كونه من المتعاطين في الشؤون السياسية وله باع في الممارسة الإعلامية أو الصحفية وإلا لتحول جميع الناس الى محللين سياسيين واستحالت جميع الآراء والافكار الى تحليلات سياسية.
الكثير من وسائل الإعلام ومنها بعض القنوات الفضائية على سبيل المثال تقدم بعض الأكاديميين أو المختصين في العلوم السياسية أو بعض الإعلاميين أو كتاب الرأي على كونهم محللين سياسيين، لكن ليس كل ما يقدم أو يطرح هو من باب التحليل السياسي حتى في حالة كون هؤلاء من المتمرسين في تلك الميادين لان مما يحتاج اليه من يوسم بالمحلل السياسي هو المتابعة المستمرة والإلمام بالثوابت والمتغيرات التي تعتمل بالمشهد العام سياسيا واقتصاديا وسوسيولوجيا ومعرفيا وثقافيا وعلاقة كل ذلك بالصيرورة التاريخية والمنعطفات المفصلية والتحولات الهيكلية لذلك المشهد ومتابعة تجاذباته الاقليمية والعالمية وعوامل التأثر والتأثير المتبادل ما بين دواخل المشهد ومابين فضاءاته الجيو سياسية.      
إن الانقطاع المعرفي والنكوص الحضاري للمجتمع العراقي خلال العقود المظلمة  التي رزح فيها تحت نير الديكتاتوريات المتعاقبة جعلته يتقبل أي رأي في الشؤون السياسية على انه تحليل سياسي ساعد على ذلك عدم وجود قانون مشرع ضابط لأصول العمل الإعلامي أو آليات تنفيذية تقوم على عاتقها تنظيم ديناميكيات العمل الإعلامي وفق الدستور وهذا ما ينطبق على جميع مفردات ومفاصل  السلطة الرابعة. في المقابل نجد انتلجنسيا عراقية متميزة سواء على مستوى كتاب الرأي (المقال والعمود) أو على صعيد التنظيرات التي تحمل الطابع الإستراتيجي أو على صعيد التحليل السياسي بمقارباته المهنية والاحترافية رغم العشوائية التي ما يزال المشهد الاعلامي العراقي متصفا بها وهشاشة البنى التحتية الإعلامية التي يجب ان ترتكز عليها السلطة الرابعة نحو إعلام مهني وعقلاني ومنضبط. 

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي