رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 27 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1716

الثقافـي وإيديولوجيا القوة

صالح الرزوق
إن المشكلة الأساسية للمعرفي في اللغة هي التشكيلات اللغوية سواء كانت أشياء في العالم تقول ذاتها أو رموزا متداخلة في النص. وعلى ما يبدو إن التجاور هو التركيب الصرفي الوحيد الذي يحدد اقتراب المقولة من مركز القول  والتصور، أو ابتعاده عنها  في الجملة. وما بين المركز والأطراف تنشأ الكلمات وتتطور وتتغير معانيها أو تغيب.
وانتقال الكلمة من التصور، وهو تعبير غامض لا ينفصل عن المخيلة، إلى موقع لها في جملة مفيدة تامة، من اسم وفعل، هو في الوقت نفسه انفصال عن القاعدة اللغوية. فاللغة كل والجملة جزء أو توقيع بعبارات فوكو ودريدا. وهذا يلغي شمولية التعبير أو أنه يحول عموميته إلى خصوصية. تماما بالطريقة ذاتها التي يلغى فيها الخطاب عمومية البنية.
ويفترق الثقافي (و مثاله: إدوارد سعيد مؤلف الاستشراق ، 1978) عن المعرفي من هذه النقطة.
فاللغة في مرحلة التعبير أو الإنشاء هي خطاب لا يمكن تقييده بنظام بنائي لكل الحالات، وهي تصور ثقافي مبني وفق نظام من المفاهيم الأصلية  الثابتة والمتكررة (الترانسدنتالي) أو المختلفة والمتغيرة (الديالكتيكي). هذه العلاقة المفترضة بين الأسماء وما فوقها لا تقوم بذاتها. فالاسم نفسه ليس علاقة، بل هو قيمة موجبة واختلافية، أو سالبة ومتعالية. إن الاسم كقيمة لا يكون صورة بذاته ولا رمزا  لذاته. فالثقافة دال غير شفاف لأنه تصور يقف خارج اللغة. أما الثقافي فهو الوجود المعرف بعدما اكتسب الصيغة الظرفية أوما نسميه  صفة الموصوف بلغتنا. ولقد عرف المعجم الثقافة بالحذق. وثَقفُ الكلام: هو حذقه وفهمه بسرعة(1)   وكذا culture  وkulture  فهما على التوالي: التطور بالتعليم والتنشئة الحضارية(2).
بالمقابل كانت الإمبريالية تعني حتى نهاية القرن التاسع عشر الإمبراطورية (الدولة)، وأصبحت منذ منتصف القرن العشرين تدل على الاستعمار (الاحتلال والتوسع). لذلك وردت الكلمة بكثافة في أدبيات القرن الـ 19، ولكن تكاد أن تغيب من ذاكرة الخطاب الأمريكي الحديث(3 ).
إن الفارق بين التصور والقابل للترميز مثل التضاد بين السلطة  "كمفهوم معرفي محايد ـ لطيف ، أصلي، نقي بكلمات إدوارد سعيد، وتجدر الإشارة إلى أن هذه المفردات تعود أصلا إلى ماثيو أرنولد "، والقوة " كمفهوم سياسي انقلابي" أي عرضة للزوال والإلغاء ومجاله الدنيوي " والتأويل الطباقي بكلمات إدوارد سعيد أيضا (4 ).
***
يتألف النموذج الحضاري للكلمة في التاريخ من اشتقاقات أساسية هي: الحدس والديالوج والمونولوج.
يفترض الحدس فضاءات خطابية سابقة على الخطاب الذي يتشكل منه، وهي قبل ـ أنطولوجية، يعني غير مستمدة من العالم لا بالمحاكاة ولا بالتوليد. ويبدو أن الإطار الفكري لموضوعات من هذا النوع غامض إلى أبعد الحدود. لذلك أطلقنا عليه اسم الحقائق التاريخية. وإن الحقيقي في هذا السياق هو اللغز الذي لا نشك به، وكأنه التاريخ أو السرد الذي لا يحتاج إلى تأويل ومثاله مفهوم الأعراق. 
أما باقي عناصر النموذج فهي حواريات بين (نحن) و(هم) .. أو أنا وآخر. أو بين نفس وذات. وأمثلتها حوار الأمة والدولة، وكذلك حوار النص واللغة، أو العالم والأشياء. ويمكن إعادة تشكيل النموذج وفق االتسلسل التالي :
 -1المفاهيم / والتصور ( نظام الخطاب): وهو تشابهات القابل للاستعادة أو أنها الوعي المحايد.
-2 اللغوي / والتداول (جماعة الخطاب): وهو االجانب العملي أو الموجود المنفصل عن الذات (برأي هايدجر)، أو الروح التي أصبحت وعيا (برأي هيغل). 
 -3 اللساني / والكلام (البلاغة الداخلية): وهو الدال أو الذي لا  يتكرر، ولا يمكن تعميمه قبل تأويله.
وربما كان نظام  الرواية هو الشكل  النوعي الذي يشرح ذلك. 
إن الرواية كتابة تتطور في منطقة تقاطع الثقافة المتعالية فوق الواقع مع الإمبريالية كنظام للدولة. والسؤال الآن: أيهما الدال وأيهما المدلول؟.
هل الثقافة هي الأداة التي تعبر بها الإمبريالية عن نفسها فتصبح دالا، أم أن الإمبريالية هي حجر الشطرنج بالنسبة للثقافة؟.
وكأن السؤال أصبح على النحو التالي: هل الكلام من هذا العالم، أم أن العالم هو الكلام نفسه؟..
لقد توجب على الرواية حتى تحقق رسالتها أن يكون لها مؤلف (أو نتوءات بلاغية) من ضمن النص النوعي  الذي يدين أصلا بوجوده لجماعته (وهي جماعة الخطاب)، وقس على ذلك. كما لو أن المسألة هي سلسلة من الأفعال وأضدادها، أو سلسلة من المحرضات والأفعال، من قبيل أسلوب كونراد الكولونيالي وسرد إتشيبي المقاوم.
لكن على الرغم من هذا الفهم الدينامي، لم يكن من المقدر للرواية بالذات ـ كموجود أن تكون إلا رواية ـ عن تصور. والشكل الروائي شأنه شأن الفكر الذي يركب اللغات أو يتفق عليها هو مجرد ظرف مليء بالمفردات والتراكيب التي تخضع لتوزيع غير عادل بين النور والظلام على التوالي. فالظلام مصدره الأفراد والتجربة (و كأنه الخبر في الجملة الاسمية)، والإضاءة هيا علاقة مع التأويل (كما في حالة المتصوفة وتركيب العالم في القرآن الكريم) أو المقدرة بلغة شومسكي. وهذه الحالة هي تجاوز لواقع جامد. ويمكن أن نسميها بلغة السياسة المعاصرة: إنها ثورة ضد ظرف الركود وجفاف المعاني. إنها قيمة أنطولوجية مستمدة من أسماء غير معروفة لا الإمبريالية ولا النظام ولا الممارسة قادرة على تبديل معناها الأساسي. فمن غير الممكن للروائي (وهو عنصر الكلام في هذا السياق) أن يتحقق خارج الرواية (أو تصوراتها).
إنه من المستحيل للشكل الروائي أن يتكون من غير رواية. هذا على الرغم من أن المفاهيم والتصورات العامة تتحقق في الرموز التي تدل عليها. فالفعلي (والقول هنا لإدوارد سعيد) هو الفضاء الحيوي للتاريخ غير المنصوص عنه. ولقد ذكر في مكان آخر أنه ما من شيء اسمه التجربة المباشرة، أو الانعكاس للعالم في لغة النص. فقلب الظلام لكونراد (على سبيل المثال)  حصيلة انطباعات من نصوص أفريقانية تفاعل معها تفاعلا خلاقا، إلى جانب مقتضيات السرد(5 ). وإن روضة مانسفيلد Mansfield Park لجين أوستن علامة على إمبريالية، لم يكن يجوز لبريطانيا أن تتوسع لاحقا، من دونها، في الأرض والبحر(6 ). إن أية فكرة، إذا، تتشكل وفقا للغة يحتكم إليها الكاتب. ولا بد من أن نعزو أهمية إلى اللغة الشخصية في عرض المفاهيم العامة(7 )، وهذا مستمد بالأساس من مفهوم فوكو لخصوصية الخطاب.
هذا الميثاق المقصود بين المفهومات وإنجازاتها (في الخطاب بعد الكولونيالي) يفترق قليلا عن الميثاق الآخر للواقع المادي وحضوره مع الخطابات التي تستعمره (وهي اللغة والمؤلف)، الأمر الذي يكشف عن الطبيعة القلقة وغير الثابتة للأسماء وحدودها. وإن المرونة التي يتعامل بها النص مع المحو والإثبات، أو قضية الوجود والتعيين بما ليس هو أو بذاته، لا تعادلها في الأهمية إلا مقاربات حركية مثل علاقة الإمبريالية بالاستعمار، وأهمية المحددات المكانية في الحالة الثانية، وهي من صلب المفاهيم الأنطولوجية، فقد كان المكان هو الفضاء الوحيد الذي يبرر الوجود وينجذب الوجود إليه وهو الرموز في الحالة الأولى..
إن الدال الذي يتحكم بهذه اللغة يتبع مبدأين هما:
•المطابقة: حيث المفهومات تتماثل دون أن تكون قادرة على العودة بالشكل نفسه.
•والتكرار أو الشيء نفسه (بتعبير فوكو): وهو التعبير الواقعي عن النظام. ومنه يتفرع شكل الأنا (فوكو أيضا) ولكن بلا تكرار. فالأنا هو المعادل الموضوعي والمثالي للشكل والموضوع معا. إنه ليس الفضاء ذاته، بل فضاء الـ (ذاته) الذي تكون علة وجوده في ضرورة الوجود.
ولكن ليس بوسعنا أن نعزو دورا مهما لبلاغة النص الداخلية، لأننا نستمد اللغة من النظام أو من التكرار. 
wفالنص فضاء مفهومات، واللغة تتحدد برسالتها، وهي العنصر النوعي والحضاري، أو بمدلولاتها، أو بالأطروحة ونقيضها. لذلك توجب الانتباه إلى المدلولات، وطريقة اشتقاقها من صيغ ومفهومات سابقة محددة لها (وهو ما نسميه الأثر) أو متناقضة معها (كالإلغاء)(8 ). إن القيمة، وهي عنصر القوة، تتراكم في المعاني، والدال على المعنى يمكن أن يكون العرق ( كما لدى توني موريسون وأرنست همنغواي) أو الدين (في حالة ف .س.  نيبول وجون أبدايك) أو الأجناس (عند جوزيف كونراد)(9 )  . 
غير أن العرق فهو مثل الأسماء، وعلاقته بالمعرفة والفكر تشبه علاقة الكلمة بالشيء نفسه في الواقع. وهو مرسل أول تحمله الرسالة. فهمنغواي الجمهوري في إسبانيا والكوبي في أمريكا أبيض. ولكن موريسون سوداء على الرغم من أنها مشروع يحيل خطابه إلى فوكنر وريث التقاليد الإقطاعية.
أما الدال الديني فلا يستمد أهميته من الجوهر الروحي، لأنه سمة أو عنصر جزئي من (بنية – انظر الكلمات والأشياء لفوكو). وهو تجريدي تماما، تتقابل فيه وتتعارض  أنا تامة وآخر ليس له وجود محدد. وربما هذا هو أول الحوار الميتافيزيقي مع الأنطولوجي. فالبنية لا تتحدد بما ليس هي فقط، إنما بآخر دون سمة (و للتوضيح دون علامة مميزة).  
لكن الأجناس مفهوم حضاري تساهم المعرفة المكتسبة (أو الثقافة) والمنتجة في تحديده. ولم تفقد الكلمة فحواها لا في المرحلة الاستعمارية ولا في الطور بعد الكولونيالي للخطاب الحديث.
إنما المقلق بالنسبة لهذه الرموز هو وجودها في نصوص من القرنين الـ 19 والـ 20، وغيابها من المرحلة بعد الكولونيالية، مثل فكرة المخنث. فقد كانت تهمة أخلاقية وليس شيئا له علاقة بالقدر أو البيولوجيا والولادة. ثم تحولت لتدل على معنى الثورة الاجتماعية وضرورة تطهير الذهن من الموروث غير التاريخي. فالمخنث ليس صياغة لغوية لدال ولكنه وظيفة لبنية المعنى. وكل مرحلة هي مربع مغلق على نفسه يضع المفهوم في دائرة الضوء.
لقد أصبح المؤلف، وهو الحضور الفيزيقي خارج النص، أسطورة. ولم يعد بوسع المرسل ـ أصل الكلام ومصدره، أن يتصل بالدال الأساسي: وهو الواقع الخارجي، والدال الثانوي: الذي ينعكس فيه الواقع. لقد فقد القدرة على أن يكون صلة الوصل بين المادة والموضوع. وكان حريا باللغة أن لا تستسلم إلى أوهام ما هو غير ممكن، وأن تفهم حقيقتها المجازية أولا  والذهنية ثانيا. وهذا انقسام أساسي يعزل الحقيقة عن الحقيقي أو الواقع، أو ما يمكن لنا أن نسميه: انقساما بين التصور الممكن والواقعي. 
وبذلك تتألف الدوال طبقا لهذا النموذج، من مكونات تعمل عناصرها من خلف اللغة، ومكونات أخرى تنشط على المستوى اللغوي، ومن المكون اللغوي ذاته الذي نتعامل معه وتكون له قيمة أنطولوجية ترفع الذات إلى مستوى الموضوع ، وتجعل منها قيمة مفكرا بها.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي