رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 29 اذار( مارس ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1693

حين تسدل الأقنعة

سحر شبّر
   كانت في الحيِّ امرأةٌ. من السلامِ وُهِبَتْ ظلاً، فإذا هي " سَلْمَى". عادت إلى بيتها القديم بعد يومِ عملٍ رَخِي. لكنها ساهمةٌ في سؤالٍ، سؤالٌ كَطيرٍ ضَخْمٍ حَصِرٍ على صبحِ قريةٍ لا يضمّه وكرُ تناسيه ليلاً حتّى يشيعَ الاعتامَ في كلّ شيء 
ـ سلمى. ما سؤالُك الذي أَسْرى الخوفَ إلى نفسي؟
ـ السؤالُ يقضُّ الاطمئنان إذاً.
ـ سلمى أَلْقِهِ إلى حُوت التجاهل.
ـ ما الحياة؟ أيبتلعُ حوت.. هذا السؤال؟
   ثُمّ صَدَعتْ أَجوبةٌ عاصفةٌ بسلوك سلمى الحياتي، بيد أن القَدَر يمحو ما شاءتْ، ويثَبّتُ غير ما أَرَادتْ؛ والليلَ إذ يهبطُ بريحٍ باردةٍ أَنأتْهُ أيامُ هجير وهجيرٍ، أقرَّ تلك المسكينة على: أَنّكِ ستُرخي وشاح الفراء الأسود على متنِ صباحاتك المُقبِلة!
ـ أ ما زلتِ تحتفظين بهذا الوشاح...؟
ـ أهدانِيه أبي في أول عيد ميلاد لي بعد سِن البلوغ.
    أَجل! يا سلمى كلّ غطاءٍ مهما كان نوعُهُ نافعٌ، وكلّ قناعٍ إن قصداً وُضِعَ، وإن عبطاً أُغشي دافعٌ. كلاهما يُسلِمُ ذاتَ ابن آدم من حقيقة ما، ويدعَهُ عند شقيقتها الأخرى ـ أي شقيقة الحقيقةـ . وحسبُكِ بالشقيقتين أن تتحابا ولو كانَ ما بينهما عناناً من سَهلٍ ونهرٍ، وأن تتباغضا ولو كانَ ما بينهما كالذي مزجَ الكروم بعصيرها. والتباغضُ أدعى إذا ألمَّ بالنفسِ، والتحابُ أنأى إذا استُطلِبَ. وهيهات أن تقومَ غير الشقيقة مقامَ التباغض في شِعاب نفوسٍ مَرَحَ سحابُ الخداعِ فيها حتّى أهطَلَ على تربتها ماءً أَحْيا من كلّ زيفٍ لوناً بهيجاً منظره، قبيحاً مخبره 
ـ نفوسُ مَنْ تلك؟ أ للعربِ صحبتها أم للعجمِ خِلتها؟
    النفسُ واحدةٌ إن خِلتَها في معرِض الشَّر. لكن للعربِ طاعةً على نهوض الشر، وجثومه فوق صدرها الأبيض! وللعجمِ سآمةً لصوره ومواضيه. فهم قد طَرَدوه بعد عرفانهم آثاره، وشرّدوهُ عَقْب نَهزانهم لقلوب أحبارِه، ونحن أعداءُ لما لم نحقّقه. والنفوس مثائلٌ في لَبُوسِ الأقنعةِ، واتزارِ المحاشِئ. والحقيقةُ الشقيقة الكبرى كذلك يتقلبُ غيابها ليالي الشتاء على فراش العجم، ويميسُ نفيها ضُحيات الهجير عند العرب!
ـ ما دامَت الحقيقةُ الشقيقة الكبرى ثاكلةً مصداقها بيننا، والنفسُ أرملةً فطرتها لدينا، فما مُعِينات الشقيقة الصغرى التي أَبْهَأتُ جبينَ صباحاتي بِها؟
   طمعٌ سنكرعُه بعد نضوب الكفاف في هذه الحياة، وظُلمٌ زَرَعْناه في فيافي الحضارة .. وها قد حَصَدْنا حباته بمِنْجَلِ "العولمة" حتّى أكيلُنا خبزٌ إيذاء مُدافٌ بدم أبرياء! 
ـ هناكَ مَنْ يردُّ _ لا قدّرَ الله_ هذين الجائحين عنّا.
ـ أتقصدينَ أن الفلسفة والعلم والفن والدين والسياسة مَنْ تردعُ وحوشاً بُرِئَت في أرحام الخلاص تلك أنفسِها؟
ـ أجل! وكيف بُرِئت؟
    أبوكِ يا سلمى تدرَّعَ بغِطاء الرجولةِ السميك. فهو من دون رحمة، والقانون يرعى قسوته، وعشيرتُه إذا أفحشَ تُؤويه، والنساءُ إذا جُعْنَ تنتهي أياديهن إليه، ومجتمعُهُ يزيدُ الغشاوة على عينيه، ومدرسته وجامعتُه لا تعافنَّه إلا براسبٍ يطميه.
ـ مدرستُهُ وجامعتُهُ يا صاحبي تطميانه بـ ...؟
ـ بل تعميانه. المعلّمُ المنغلق على فكره، والأستاذُ المعصوبُ برأيه ينتجانَ أجيالاً منسوخةً عنهما. 
   أما أُمُكِ  فمسكينةٌ تحسَبُ كلّ وليدٍ لإرادتها راعٍ وبرغبتها بارٌ ، وما تدري أن الذي تعلِّمه الرماية اليومَ إذا اشتدّ ساعدُه غداً سيرميها بأعتى سَهْمٍ. ذاك سَهْمُ التنصّل من الفطرة السليمةِ والجبلة القُح. سَهْمٌ يردينا إلى أرض الجماعةِ!
   إيهٍ وأرحامُ الخلاص تلك قد صودِفت بما أَمْلَتْها نفوسُها من مطالب ومآرب. رُبَّ عجبٍ يلبّي نداء مَن تبزّ أخلاقهم هذه الحال. لكن الطمعَ أُدير نحو ألفيتنا الثالثة وأطلقَ على كلّ شيء في وجودنا. فما تَرَينَ إلا فناً مختلفاً ألوانه (لوحة وتمثال وقصة ورواية وقصيدة ومسرحية وفيلم ومسلسل...) مُريداً به صاحبه كفَّ مغبةً سياسية أو اجتماعية أو فكرية انحدرت من سفحِ الشّر، فاستقرت في وَهْدَةِ المجتمع، وإذا بآثار تلك الألوان خطراتٌ تَعرضُ لنفسِ راسِمِها حيناً، وتجافيه أحايين مديدة. وهكذا حال متلقيه. سمِّها _ أي الآثار_ أخلافَ الفنون التي نظنُّها (عالم وجاهل، مثقف و...) تأتينا بخيرٍ وتروحُ بقبحٍ بينا أنا مُحِسٌّ لدبيب القبحِ في رحم الفن! 
  أولئك النجوم (شعراء وفنانون وممثلون و...) يخوضون في غمرةِ أغطيةٍ غاطيةٍ أثقلها على كواهلهم غطاء التهافت على المالِ. فهذا الممثل الأمريكي "براد بيت" أُجِرَ عن فيلمه "العائد من الموت" بكذا مليون دولار، وتلك المُغنّية السمراء الفاتنة "بيونسيه" ظهرتَ في إحدى حفلاتها بثوبٍ قيمته ثلاثة عشر مليونا... وغيرهما أزادهم الله، وبَسَطَ من جَهدِ الاعلام والإذاعة لتحسرَ أطماع أولئك عن عيون الناس. الناسُ الفقراء الذين خَطَفَت رسالةُ الفنان حنطتَهم، حيث اصطف الفنان في جيوشُ الرأسمال. الناس ذوي القضية التي مَحَقَتها غاية الفنون. وأَمْسى سوى الفن كالفنِ. هذا الدين بمذاهب شتى وعقائد جمّة ينتحبُ برجلٍ غاطٍ بإزار الورعِ، ومُلتحِفٍ بمشوذِ التَّقى، ناهيكِ عن ليلٍ يتهجد فيه، ونهار يسعى بثوانيه. ينتحبُ الدين حالين: حالُ شَطْبِ خطايا رعاته من قديسين وقساوسة وأساقفة ورهبان ومعمّمين؛ وكَتْبِ رزايا أتباع هؤلاء من العبيد والرعاع. وحالُ شَكِّ خمار التعاليم والمواعظ بمُدية الانتهازية ومِشْفَر الدَّجَل. لا شكَّ أن الدين لم يُرد مواراة هدفه الأسمى (تهذيب الضمير الأخلاقي) بجلابيب هؤلاء. لكنه وُرِي بما قُنِّع به، فكادَ المُلْحِدُ أن يقول: رُبَّ نتنٍ دفناهُ خيرٌ من عبقٍ نشرناه! 
   ومن لا يزالُ فنُهُ ومُحتَدُهُ لَقِيا طاعةً لدعوة التحجِّب بالزور، فلا بد من كساءٍ لتأريخه. كساءٌ تخرِّقُ الذحولُ نسيجَهُ، وتُخلِقُ الوقائعُ جِدَته. والسيوف والأبصار تخشى ذلك التاريخ إذا ما رامتا طلباً لحقٍّ أو نظراً لنقدٍ.
ـ ليتَ تأريخَكِ في أُمةٍ أخرى، وليتَ شكاتَكِ في جسدِ مجدِنا!
   وباقي الأرحامِ تنتظرُ، عسى أن تستريحَ سَلْمى من هنٍ وهنٍ، والجهلُ قد اعتَّرَ لمن لا يُسْكِنُهُ في ذهنه وقلبهِ درءً بذلك لضعف الجماهير، ورَعف الجماعة، وسوقهما إلى خبطِ المصير.
ـ السياسة والفكر يصوغانَ لنا المصير المُبكي؟
   تفوقُ السياسة كلّ شيءٍ إذا ما عاونَها جهلُ الجاهلين في إخفاء النوايا الملعونة، وإبداءِ الأخلاد الصقيلة. تلك داعش وأخواتُها كلٌّ في حربٍ ضدّها، وكلٌّ في سِلْمٍ معها وإلا لِمَ ترفلُ سورية العزيزةُ بقميصٍ أحمر منذ خمسٍ و.. خلونَ؟
   كما يوشِكُ العالمِ أو المفكِّر أن يُغريَه ظلُ الوطنِ الذي نَشَرَ على علمه ومؤلفاته وطروحاته، وظلُ ما قد صَنَعَ. وما أَشَفَّهُ من ظلٍ يكشفُ خيلاء مصدره، ويفضحُ إثرةَ مستظِلِهِ! حتى إذا عُدِمَ أي ظلٍ من أشعة الشمس/ أشعة الحقيقة سَقَطَ العالِمُ في أجّمة الموت ودقَّت عليه يد الأرضِ، فهل يغفرُ لنفسه شموخَهُ بوطنه وعزتَهُ بإثم ما صنَعَ ساعتئذٍ؟ وهل يدَّخِرُ جواباً لسؤال القبرِ: أترابُ الشامِ وتراب اليمن يفوقُ ترابَ الحجاز أم أهل نجد أعزُّ على الخالق من أهل شامٍ و...؟
ـ العِلمُ يبدِّلُ الحقائق إذاً؟
   العلمُ يبدِّل بحقائقه قِبلة الحياة الإنسانية من يبسٍ إلى ندًى. والندى مهما ذلّت له الحياة ستنالُ منه وتستحيله حائطاً شَجَبَتْهُ كوةً نَفَذَ منها بصيص مشاعر وعواطف أرادَ العلم في كلّ زمنٍ أن يُفحِمها بفوائده! 
   هكذا تنشدُّ الأغطية في أرحام الخلاص بعضها مع بعضٍ لِتُشْعِرَ قلبَ الإنسان المعاصِر همَّ متانتها، وتدلَّهُ على عجزه عن تنحيتها عن حياته. وهي فوق كلِّ هذا لَزِقَتْ به كلزوقِ الشِّعار من الثياب بالجسدِ، لمّا يمزّقُها تهتُكُه سوءاتُه؛ وطالتْ أطرافها حتّى على ما بعد وجوده بحيث يغطي العدم عَبَث الحياة بنا؛ كما تطولُ أغصانُ الشجرِ فتنبسطُ على الأرضِ، لمّا يُقصِّرها تُعيبه أمازرُها! 
 ـ رأيتُكَ محضَ قُدرةٍ على نكرانها فقط.
ـ أجل! أَتقي حقيقة الحياة بتأويلٍ دائم لغيابها عنّا، وأنتِ مثلي ماضيةٌ في ذلك. تلك قُدرة الأَقنعة يا سلمى تجعلنُا قانعينَ وراضين بوجودنا على شواكلها. قالَها الحكيمُ من قبلٍ: "فليس المهمُ أن تكافحَ من أجل الوضوح والمعرفة، إنما المهم أن تتلَّفعَ بالظلمة، وأن تنسى أيضاً ." 

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي