رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

تحليل سيكولوجي: ثلث كبار الشيوعيين العراقيين.. أبناء رجال دين!

د.قاسم حسين صالح
 لن يجادل احد في ان الحزب الشيوعي العراقي هو الحزب الذي قدم اطول وانبل قائمة من الشهداء،وانه الحزب الأصدق في سعيه لبناء وطن مزدهر يعيش فيه الانسان بكرامة،وانه الأنزه يدا وان جادل بعضهم بأنه لم يستلم السلطة..لنحكم. ومع ذلك فانه لم يحصل في الانتخابات التشريعية على مقعد واحد،وكان السبب الرئيس هو تخويف الناس من (العلمانية)بوصفها كفرا والحادا..مع ان الحزب لا يشترط الكفر والالحاد فيمن ينتمي اليه.
  فلدى قراءتي الكتابين الثاني والثالث " العراق " لمؤلفهما حنا بطاطو،لفت انتباهي أن الكثير من قادة الشيوعيين هم أبناء رجال دين !.فحسين محمد الشبيبي عضو اللجنة المركزية للحزب الذي أعدم مع فهد عام 949، نجفي شيعي،والده رجل دين " معزّي". وسكرتير الحزب الشيوعي العراقي حسين أحمد الرضي " سلام عادل "،الذي مات تحت التعذيب عام 63، نجفي شيعي،والده "سيد " ورجل تقي.وعامر عبد الله،عضو المكتب السياسي للحزب،سنّي، أبوه مؤذن للصلاة في جامع بمدينة عنه.ووالد عزيز شريف وعبد الرحيم شريف خطيبا في الجامع نفسه،وكذلك كان والد شريف الشيخ.
 وجمال الحيدري،كردي من عائلة الحيدريين،عائلة أسياد. ومحمد حسين أبو العيس،مسؤول مكتب الفلاحين بالحزب، شيعي "كظماوي " من عائلة أسياد.ووالد بهاء الدين نوري، كردي، مدرس في جامع ساح رحيمين بالسليمانية.وجميع هؤلاء- لمن لا يعرفهم – احتلوا أعلى المواقع في قيادة الحزب الشيوعي العراقي.
 والمدهش أن حوالي " 32%" من أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي للمدة من( 1955-1963 ) هم من عائلات أسياد ! وأنهم متوزعون بين سنّة عرب وشيعة وكورد!.
فما هي أسباب أن يكون ثلث كبار الشيوعيين العراقيين،أبناء رجال دين ؟. سيما أن المفهوم العام للدين عند العراقيين هو الإيمان المطلق،وأن الشيوعية في مفهومهم العام تعني الكفر والإلحاد !.
واللافت "سيكولوجيا"أن معظم القياديين الشيوعيين من أبناء رجال الدين،كانوا الأقدر على تحمّل أقسى أنواع التعذيب بشجاعة نادرة في رفض الاعتراف على رفاقهم،والأكثر إخلاصا لمبادئهم،والتضحية بأرواحهم من أجل معتقداتهم..بل بينهم من فعل الأكثر من ذلك.فعبد الرحيم شريف..كوردي من عائلة أسياد ،وعضو اللجنة المركزية للحزب الذي قتل عام 63..عندما رأى رفيقه في المعتقل القيادي جورج حنا تلّو قد ضعف أمام معتقليه وصار على وشك الكشف عن أسرار الحزب..قام بقتله ! بمسدس كان قد نجح في إخفائه .
إن احد اهداف هذا الموضوع الذي يأتي في الذكرى الثالثة والثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي هو : تحليل سيكولوجي صرف للحالة التي يتحول فيها عقل الإنسان من منظور فكري معين الى منظور فكري مضاد ومناقض له،بغض النظر ما اذا كان مضمون هذا التحول إيجابيا أم سلبيا على وفق هذا المعيار أو ذاك.وان يناقش ازدواجية لماذا قلوب الناس مع الشيوعيين واصواتهم لغيرهم في الانتخابات التشريعية،مع ان الحزب قدم اطول وانبل قائمة من الشهداء،وتخرج في مدرسته كبار المثقفين العراقيين.وأرى أنه يصلح لمشروع انتخابي وثقافي ممتع( لطريق الشعب والمدى)،يسهم فيه:
• شيوعيون قدامى يستبطنون الحالة ويتحدثون عن خبريهم في هذه المسألة تحديدا.
• باحثون نفسيون واجتماعيون من المهتمين بعلم النفس والاجتماع السياسي.
• مثقفون ماركسيون ومثقفون متدينون.
على أن تتسم المساهمة بالموضوعية والأسلوب المهذّب الذي يتعامل باحترام مع الفكرين الديني والماركسي،بعيدا عن المدح والقدح،وأن يكون التركيز فقط بالحالة التي يتحول فيها ابن رجل الدين أو ابن عائلة أسياد..الى شيوعي أو ماركسي.
 لقد عزا الكاتب القدير حنا بطاطو سبب ذلك الى أن " نسبة التعليم بين هؤلاء – يقصد أبناء رجال الدين – أكبر منها بين شرائح الشعب المتواضعة والمستاءة. ويضيف بأنه : لا يستغرب على الإطلاق أن يكونوا هم في المقدمة " (ص،313،الكتاب الثالث ). وأعتقد أنكم تتفقون معي بأن تفسير بطاطو هذا غير مقنع بمفرده وغير منطقي. ذلك أن المنطق يقضي بأن ينخرط هؤلاء في حركات دينية أو قومية أو وطنية، لا أن "يفرملوا " عقولهم وينعطفون بها 360 درجة !.
انقسام الشيوعيين.. نفسيا
أودت الكارثة المرعبة التي استهدفت الشيوعيين وانصارهم عام (963) الى أن يزج بأكثر من عشرة آلاف شيوعي في السجون العراقية.وفي تقديرات الشيوعيين،كان عدد القتلى في( 8 الى 10 شباط عام 963) لا يقل عن خمسة آلاف،فيما قدّر العدد مراقب دبلوماسي حسن الاطلاع بألف وخمسمائة. ويشير حنا بطاطو الى أن العدد المعلن رسميا بإعدام( 149 )من الشيوعيين ليس صحيحا.ويذكر ما يسميها " طرفة!" رواها العقيد محمد عمران،العضو السوري في القيادة القومية للبعث أثناء المؤتمر القطري السوري الاستثنائي للحزب عام ( 964) أنه قال :"بعد المؤامرة الشيوعية ، طلب من أحد ضباط الجيش العراقي إعدام أثني عشر ولكنه أعلن أمام عدد كبير من الحاضرين أنه لن يتحرك إلا لإعدام خمسمائة شيوعيا،ولن يزعج نفسه من أجل أثني عشر فقط "( ص: 304 ، الكتاب الثالث ).
وكان أن نجم عن الانكسار النفسي هذا أن أنقسم الشيوعيون،الذين صاروا الآن قدامى،على النحو الآتي :
• قسم رجعوا الى ما كان عليه آباؤهم،فأطلقوا اللحى وأكثروا من السجود،ربما للتكفير عن خطيئة وطلب الغفران،معتبرين انتماءهم للحزب ذنبا عظيما هم مسؤولون عنه وعليهم محوه بالإكثار من الصلاة وطلب الاستغفار..ومن يدري،فقد يكون بينهم من انتمى الآن الى أحزاب الأسلام السياسي.
• قسم عدّ الحزب مسؤولا عن خطيئة تحولهم الفكري من الإيمان الى الإلحاد،فأكثروا من اللعنة عليه "الحزب " كآلية نفسية في ترحيل الخطيئة على الحزب و تبرئة النفس وضمان الحصول على المغفرة،مع ان في الحزب من يصلّي ويصوم ويحتل مواقع متقدمة فيه.
• والقسم الأكبر في حينه ترك الحزب لهذا السبب أو ذاك،معتبرا هذه القضية مسألة شخصية.ومعظم أفراد هذا القسم ظلوا يحملون للحزب عتبا جميلا،أو لوما قاسيا على فرص اضاعها او اخطاء ارتكبها ،أو ودّا مكتوما في القلب شبيها بودّ لحبيبة نقية صادقة!.
• وقسم غادر الحزب وصار معاديا له اثر محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم،متهمينه بانه اذعن لطلب الحزب الشيوعي السوفييتي واضاع فرصة سهلة لاستلام السلطة عام (59) حيث كان مرافقو الزعيم وقيادة القوى الجوية والانضباط العسكري..من كوادر الحزب.
وكان من بين الذين غادروه ابن رجل دين ايضا هو الصديق (عزيز السيد جاسم)..الذي كنت وسيطا بينه ومحلية الحزب في الناصرية..وما عاد،فاستثمره صدام حسين في جريدة الثورة اولا ثم في مجلة (وعي العمال).وحين زرته في السبعينيات رايت على مكتبه ادوية متنوعة..ولما شعر انني سأساله عن احواله..اشار لي بعينيه الى حذر..وافاض بما كان يكبته ويخشاه في سهرة بشارع ابي نؤاس..وانه قد سلك الطريق الذي حدده له الطاغية بعد ان منحه الفرصة لأن يكون مشهورا..واخفاه بعد ان صار عزيز مفكرا كبيرا.
خبرة شخصية
   كانت "الشطرة " تسمى في خمسينيات وستينيات القرن الماضي " موسكو الثانية " لكثرة ما فيها من شيوعيين ومثقفين تقدميين. وكنا ونحن صغارا، يحذرنا كبارنا من الاقتراب من بيت " التميمي " لأنه مراقب من الشرطة والأمن، الذين كانت لهم أيامها رهبة مرعبة. ولقد عرفنا فيما بعد أن أحد أفراد هذه العائلة المحترمة كان شيوعيا،وقيل لنا انه كان أصغر سجين مع " فهد " . وكان هذا السجين الصغير آنذاك هو الذي ترأس فيما بعد  نقابة الصحفيين .." شهاب التميمي " الذي أكرمه نضاله بأن وضعه على رأس السلطة الرابعة !..وغادر الحياة من غير ان تكريم له من الحزب الذي ضحى من اجله احلى سنوات عمره..وفي هذا عتب على الحزب ان ينسى رواده.
وكنا في ستينيات القرن الماضي عصبة من الشباب تضم ابن أكبر تاجر في الشطرة،وابن رجل دين بارز فيها،وابن فلاّح يجيد قراءة " الأبوذيه" وشاب اسمر صار فيما بعد شاعرا مشهورا..(زامل سعيد فتاح)،وأنا. والغريب أن صديقنا ابن رجل الدين كان أثقفنا في غير الدين ويدهشنا بعقله الذي كنا نعدّه آنذاك موسوعيا. وكانت له نباهة خبيثة!..منها انه قال لنا بمناسبة عودة والده من الحج،أن موسم الحج الى مكّة في زمن الجاهلية مأخوذ من طقوس عبادة آله الخمر " ديونيسيوس". فسأله صديقنا أبن الفلاّح وهو يحتسي " حليب السباع " : " صدقه للحجي ..ما تكلي منو دنسوس هذا ؟". فأجابه ساخرا : "من عشيرة الخلفوك ،تبقى غبي.. آني ما أعرف اشلون لينين اتبناهم للفلاحين المتخلفين ".
وحقا، كنت أنا أيضا لا أعرف من هو " ديونيسيوس " ..فقصدت صباح اليوم الثاني مكتبة " نعيم العصفوري " ليسعفني بأصل ديونيسيوس وفصله . ( بالمناسبة : مكتبة نعيم العصفوري كانت أشهر مكتبة تقدمية في الشطرة،انتقل بعدها الى شارع المتنبي،ومات عصاميا).
وكان ابن رجل الدين هذا يصدمنا في حالة إبهار،ويضع عقولنا في حالة تحدّ وتساؤل عن أمور ليست في برامج عقولنا " الفريش" والعطشى للمعرفة..منها مثلا أننا كنا نتحدث عن الزواج فقال لنا: إن النبي سليمان كان مغرما بالنساء الجميلات، وأنه ورث حب النساء هذا عن أبيه داود الذي كانت له 99 زوجة،فزاده سليمان بخمسمائة وواحدة " يعني 600 زوجة !".
كنت أنا ابن رجل دين أيضا ، فوالدي أسمه " الشيخ حسين ، وليس حسين حاف " .وتعني الشيخ في ريف الجنوب العراقي الرجل المؤمن لمن هو ليس " سركالا " أو إقطاعيا . وكنت في بدايات شبابي اكثر العصبة ورعا على قلتّه! فلاطفت ابن رجل الدين قائلا :
- أنت ما تكلي اشلون ابن فلان ..وكيل المرجع الفلاني !؟.
نظر أليّ وقال :
+أكيد حضرتك تعرفه لفرويد ..تدري شيكول : نحن من خلقنا الإله بأنفسنا ثم أخذنا نعبده.
فرددت عليه :
- اللعنه عليك وعلى فرويد .
ولما شعر صديقنا ابن الفلاّح أن " الكعده " ستتحول الى ما يتعب الرأس،صدح ببيت من الأبوذيه: " حبيبي لا تشد راسك سلامات ". وختمه " اليوم أريد أحباب كلبي " . واغرورقت عيناه بالدموع ، فعلّق عليه ابن رجل الدين ساخرا : " هي ابن الكح...هسه أنت ما الكيت وحده تحبها إلا بنت الشيخ !". وكان صديقنا ابن الفلاّح هذا قد عشق ابنة شيخ عشيرته الذي كان إقطاعيا متنفذا وصديقا لمدير أمن الشطرة!.
 كان "تحرشنا" في الدين مزاحا..ما كانت فيه اساءة له.وتدور الأيام ليأتي زمن يثبت فيه بالمطلق ان الذين اساءوا للدين هم من استلم السلطة من قادة احزاب الأسلام السياسي،الذين كرّهوا الناس في الدين،والذين بسببهم تنامت ظاهرة الالحاد بين الشباب العراقيين بعد ان ثبت لهم ان احزاب الاسلام السياسي تحولت الى شركات فتحت خزائنها لنهب ثروة الشعب في حال تنطبق عليه مقولة جهنم..يسألونها هل امتلأت تقول هل من مزيد.وان الكفر الحقيقي هو ان يخون رجل الدين ما اؤتمن عليه وتخرج عليهم الناس تهزج بأعلى الأصوات (باسم الدين باكونه الحراميه).
   ان السياسة في العراق، بكوارثها، بمطباتها، بتدخلات مخابرات اجنبية وقوى اقليمية.. توقع اي حزب في اخطاء، ونحن على يقين ان الحزب الشيوعي العراقي قد استوعب اخطاءه، وصار الآن يمتلك ارادته الحرة، ويعي اكثر ان نشاطه يكون اوسع وانفع حين تأخذ العناصر الشابة دورها في قياداته، وان قوته تكمن في سعيه لتوحيد قوى اليسار لتحقيق هدف العراقيين في (وطن حر وشعب سعيد).

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي