رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

أوطان تتمزق.. العالم العربي كيف تفكك

ترجمة/ د. جاسم الهاشمي
لم يسبق لـ "نيويوك تايمز" الامريكية، أن تنشر قصة كهذه: "إنها أطول ما نشرته مجلتنا"، كانت محصلة تقارير استغرقت 18 شهرا، تدور حول الكوارث التي حلت بالعالم العربي، منذ غزو العراق قبل 13 سنة، والذي قاد لظهور داعش ـ ISIS ـ وحتى الأزمة العالمية للاجئين في العام 2016. جغرافية تلك الكارثة واسعة، وأسبابها كثيرة، لكن نتائجها الحرب والحيرة التي تلف العالم.
سكوت اندرسن، مقدم القصة بأكملها من خلال شخصياته في مصر وليبيا وسورية والعراق و(كردستان العراق)، المصور باولو بيلجيرن وملفاته العشر التي جمعها في سفراته المتعددة في المنطقة، وخلال 14 سنة في تجربة عينية بارزة الملامح، عاشها المصور مع القوات العراقية لاستعادة الفلوجة. لم يسبق أن خصصنا عددا كاملا من المجله لقصة واحدة، ولم نكن نفعل ذلك لولا قناعتنا بأن ما نقدمه من القوة والواقعية لشرح ما جرى من أخطاء بشرية لم يسبق للقارئ أن يتعرف إليها.

جيك سلفرشتاين ـ رئيس التحرير

تقديم:
قبل التقدم برحلتنا نحو الشمال، شمال العراق, خلع الدكتور آزار ميرخان ملابسه الغربية ودخل في زيه التقليدي كمحارب في البيشمركه: سترة  صوفية قصيرة تشد الصدر فوق القميص، بنطلون فضفاض وحزام خصر عريض. لم ينس ان يجلب معه مكملاته الضرورية الأخرى: خنجر قتال يندس بوضوح في حزام الوسط، ناظور قناص وبندقية نصف آلية معبأة، وفي المقعد الخلفي وبمتناول اليد M4 البندقية الهجومية مع ملحقاتها, الدكتور يبتسم (هذه للجيران السيئين).
هدفنا في  ذلك اليوم من مايس 2015 موقع مؤلم جدا لآزار. لما تزل ذكراه تطارده. في السنة السابقة شق مسلحو داعش طريقهم الدموي في شمال العراق مكتسحين جيشا عراقيا أعظم بكثير من حجمهم، ومن ثم غيروا الاتجاه نحو الكرد. وحدد ازار بالضبط المناطق التي أوشك فيها قتلة داعش أن ينفذوا ضربتهم. فهو يعرف أن هناك آلافا من المدنيين العزل في طريقهم، لكن أحدا لم يستمع إليه وفي لحظة من لحظات اليأس شحن سيارته بالبنادق والمسدسات وتوجه إلى الموقع لكنه، كان قد تخلف عدة ساعات. "كان من الواضح" يقول ازار، "كان واضحا. لكن أحدا لم يصغ". في ذلك اليوم كنا عائدين إلى المكان حيث يوجد المقاتلون الأكراد الذين انهوا مناوراتهم القتالية وهم الذين فشل ازار ميرخان في تجنيبهم مأساة فادحة - والذي جعله لأشهر كثيرة قادمة يواصل حربه ضد داعش.                                                                       
آزار يمارس الطب باختصاص المجاري البولية، وبغض النظر عن القوة النارية ويقظة المقاتل فأن ذلك الرجل بعمر الـ41 كان لا يبدو عليه مجرد صياد. كان يمشي بخطى محسوبة لا تخلف صوتا. وفي حديثه كان يميل إلى وضع ذقنه إلى الأسفل مرسلا أنظاره إلى الأمام منطلقة من عينين شاخصتين، كما لو انه كان يرى بندقية موجهة نحوه. وبأنفه البارز وتسريحة شعره كان أشبه بجوني كاش.
الأسلحة والتسلح تكمل فلسفة الدكتور: حين يجب ان تطلق النار, أطلق النار, لا تتكلم. "هؤلاء نحن الكرد الآن: لا مجال للكلام بل لإطلاق النار".
آزار، واحد من ستة تجدونهم في هذه الصفحات. والستة من مواطن مختلفة, مدن مختلفة, قبائل مختلفة, أسر مختلفة, لكنهم يشتركون في فجيعة واحدة. لقد انقلبت حياتهم والى الأبد بعد الأحداث الكبيرة في 2003 من غزو أمريكا للعراق, متبوعا بسلسلة الثورات والانقلابات والتي يعرفها الغرب باسم (الربيع العربي) انتهاء بالدمار الذي جلبته داعش – Isis - بهجماتها الإرهابية واحتلالها المدن.
تتبلور كارثة التغييرات في حدث واحد نوعي من وجهة نظر كل واحد منهم. ازار ميرخان رآها في الطريق إلى سنجار, واجه أسوا مخاوفه.
ليلى سيوف من مصر رأت ذلك حينما انفلت احد المتظاهرين المنفضين ركضا واحتضنها وكانت تتصور أن الثورة نجحتْ.
مجدي المنكوش من ليبيا حينما رأى نفسه يمشي في أرض حرام وقد استولى عليه فرح غريب, وشعور بالحرية لم يسبق أن مر به.
خلود الزيدي من العراق, استلمت كلمات تهديد قليلة من صديقة قديمة وفهمت أن كل ما عملت من اجله قد راح أدراج الرياح.
مجد إبراهيم من سوريا شاهد المحقق معه يبحث في جهازه الخلوي لمعرفة المسؤول عنه, بعدها ظل ينتظر لحظة إعدامه.
وقاص حسن, شاب ليست لديه ميول سياسية أو دينية, ورأى اليوم الذي دخلت فيه داعش قريته وطرحوا أمامه الاختيار.
لحظات لا تشبه بعضها بعضا, لكنها كانت تعني بالنسبة لهؤلاء الأفراد الستة, عبورا إلى ما لا عودة منه. وبالطبع تضرب هذه الحالات بملايين, ملايين غيروا أوطانهم, وشرق أوسطهم, والكون كله.
التاريخ لا يجري أبدا كما نتوقع. هو وقع أحداث وتيارات عشوائية, يدرك مقدار أهميتها أو الاختلاف عليها, بعد وقوعها. ومع ذلك, ورغم طبيعة التاريخ المتقلبة فالحدث الذي أطلق عليه (الربيع العربي) لم يكن بعيدا عن الاحتمال: الانتحار حرقا لبائع الخضار والفاكهة طارق بوعزيزي، في مدينة سيدي بو زيد في تونس, احتجاجا على مضايقة الحكومة له في يوم الجمعة 17 - 12-2010 وحتى وفاته في 4 - 1-2011. المتظاهرون الذين كانوا يرفعون شعار المطالبة بالإصلاح شرعوا بالمطالبة باستقالة زين العابدين بن علي, رجل البلاد القوي ورئيس الجمهورية لثلاثة وعشرين عاما. المظاهرات ازدادت حجما وشدة, وبعدها قفزتْ الحدود التونسية؛ ففي نهاية كانون الثاني اندلعت في الجزائر, ومصر, وعمان والأردن. وتلك كانت مجرد البداية. في نوفمبر؛ بعد عشرة أشهر من موت بوعزيزي انهارت أربع ديكتاتوريات قديمة, واسقط في يد نصف دزينة من الحكومات ووقعت في ورطة أو أنها وعدت بالإصلاح, بعد أن شكلت المظاهرات السلمية أو العنيفة قوسا عبر العالم العربي من موريتانيا إلى البحرين.

ككاتب بتجربة طويلة في الشرق الأوسط, كنت في البدء من المرحبين بالربيع العربي, بل كنت أعتقد أنه قد تأخر. في أوائل السبعينات سافرت مع والدي, وأنا طفل, في المنطقة, رحلة ألهبت حماسي للإسلام وحبي للصحراء. الشرق الأوسط كان أيضا أول غزواتي الصحفية, عندما قفزت في طائرتي إلى بيروت في صيف 1983, وهي في محنتها لأبحث لي عن فرصة معتبرة. وفي السنوات التالية, وجدت نفسي متورطا مع فصيل من الجند الإسرائيليين (الكوماندوز) وهم يشنون غاراتهم في الضفة الغربية؛ أو في عشاء بدارفور مع مهاجمي (جنجاويد)؛ أو في حوار مع عوائل الانتحاريين. وفي النهاية أجد لي فجوة زمنية تعدل خمس سنوات في عالم الصحافة, لأكتب عن تاريخ الشرق الأوسط الحديث كتابا كاملا.
في رحلاتي تلك عبر عشرات السنين, لم أجد من ينافس العالم العربي في ركوده. فبينما يسجل معمر القذافي ديمومة تجاوزت الاثنين والأربعين عاما من الدكتاتورية, لم يكن الأمر مختلفا في أي مكان آخر؛ في عام 2011 لم ير البالغون من العمر 41 سنة في مصر, أي 75% من السكان أكثر من رئيسين, بينما في سوريا عاشت نفس المجموعة العمرية حياتها كلها تحت نظام الأب والابن الواحد. 
مع الركود السياسي تجد موازين القوى الاقتصادية بيد أقلية حاكمة أو بيد الأسر الأرستقراطية؛ ومن يرغب من الآخرين بتأمين حياته الاقتصادية عليه أن يتزاحم مع الآخرين في الحصول على وظيفة مكتبية في دوائر مختنقة أصلا بمن فيها, أو في وكالة رسمية محصورة أصلا للأقارب والفاسدين. بينما الكميات المحضة من الأموال التي يدرها النفط في البلدان قليلة السكان (عادة) مثل ليبيا والكويت قد تسمح بقسط قليل من الرفاهية (المقاسة بالقطارة) والحال ليس كذلك في البلدان المكتظة بالسكان ذات الموارد الواطئة كمصر وسورية، حيث الفقر والبطالة على أشدها، بينما يستمر النمو السكاني بالاطراد مضاعفا سوء الحال. أثارت عجبي في الأيام الأولى للربيع العربي المساحة التي احتلها الغضب الشعبي. واحدة من ملامح العالم العربي الموهنة هي ثقافة التظلم أو الشكوى التي لا تحدد ما يريده الناس بقدر ما تعبر عن المعارضة فحسب. فهم ضد الصهيونية ((anti-Zionist، ضد الغرب (anti-West) ضد الاستعمار ((anti-Imperialist. ولأجيال متعددة كان الحكام المتسلطون يوجهون سخط جماهيرهم نحو (العدو الخارجي)، بعيدا عنهم وعن سوء حكمهم. لكن الربيع العربي اثبت فجأة عدم جدوى تلك اللعبة القديمة. بدلا من ذلك، ولأول مرة على هذا المستوى الجماهيري دخلت شعوب الشرق الأوسط في دائرة توجيه غضبها باستقامة نحو الحكام أنفسهم.
بعدها سارت الأمور باتجاه خاطئ. في صيف 2012 انزلقت ليبيا واليمن – اثنان من البلدان المحررة - نحو الفوضى والصراع الحزبي بينما انحرفت الحركة المضادة لبشار الأسد نحو الحرب الأهلية سيئة الصيت. في مصر وفي الصيف التالي أطيح بالحكومة المنتخبة ديمقراطيا بانقلاب عسكري حصل على تأييد نفس الجماهير التي كانت تطلب الديمقراطية قبل سنتين. 

المنطقة الوحيدة التي حافظت على الربيع العربي كانت تونس رغم ان الإرهاب والمناورات السياسية كانت تهدد الحكومة السياسية الهشة. ووسط الفوضى استطاعت بقايا أسامة بن لادن (القاعدة) الحصول على فرص حياة جديدة, بعد ان استفحلت في العراق وفرخت عن منظمة أشد قسوة وأكثر إجراما وهي داعش ـ Isis ـ. لماذا وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه؟ لماذا تنقلب الحركات الواعدة إلى مثل هذا الانحراف؟ الربيع المبعثر يجعل من الصعوبة الحصول على جواب واحد للسؤال. بعض الشعوب تغيرت, تحولت جذريا مع بقاء جارها الملاصق كما هو على حالته الأولى ولم يمس شعوب أخرى دخلت الأزمة وهي ثرية نسبيا (ليبيا)، وأخرى مسحوقة فقيرة (اليمن).  بعض الأقطار توجد بها دكتاتورية (حميدة) كتونس تفجرت بها الأوضاع وبقسوة اشد (في سوريا). ونفس معدل المفارقة السياسية والاقتصادية شوهد في الشعوب التي بقيت مستقرة.
نلاحظ دخول تماثل نموذج ضارب. فبينما تأثرت اغلب بلدان العالم العربي الـ(22) بأمواج التغيير بهذه الدرجة أو تلك لكن البلدان الـ(6) الأكثر تأثرا كانت: مصر، العراق، ليبيا، تونس، سوريا، اليمن. وكلها أنظمة جمهورية وليست ملكية ومن تلك البلدان الستة تمزقت ثلاث منها لدرجة الشك بأنها قد تستعيد نشاطها الأول كالعراق، سوريا وليبيا وهي أقطار ضمن القائمة الصغيرة للبلدان العربية التي كونتها القوة الاستعمارية الغربية في بدايات القرن الـ20. وفي كل من هذه البلدان لم يؤخذ بالاعتبار التقسيم القبلي أو الطائفي. وبالتأكيد فان هذا التقسيم موجود في هذه الجمهوريات والملكيات ويكون من غير المعقول إنكار أنها لا تعمل في الإيقاع ذاته. وان نقص الشعور الوطني الداخلي مضافا إلى نوع مفروض من الحكومات زاد من هشاشة الوضع في سوريا والعراق وليبيا لدى انحسار شدة العاصفة السياسية ـ الربيع ـ.
والواقع ان القصص التي سنعرضها تمثل واحدة لكل بلد من هذه البلدان غير الطبيعية، منطلقة من أعماق تاريخ هذه البلدان، وكيف تأسست. بدأت العملية بعد الحرب العالمية الأولى حين تقاسمت انجلترا وفرنسا ارض الإمبراطورية العثمانية كغنائم حرب بعد انكسار الأخيرة. في الميزوبوتاميا جمع البريطانيون ثلاث مناطق واسعة كانت تتمتع بالحكم الذاتي زمن العثمانيون ومع دمجها شكلت العراق. الجنوبية منها تسكنها الشيعة العرب والوسطى للسنة والشمالية لغير العرب من الكرد. في سوريا غرب العراق بالغ الأوروبيون بالتقسيم ليجعلوا من سوريا الكبرى أجزاء سهلة الافتراس. تحت الحكم الفرنسي وقع الجزء الأصغر – المسمى سوريا اليوم - والأرض الساحلية - لبنان -, بينما أخذ البريطانيون فلسطين وشرق الأردن, ولسوف تشكل رقعة من سوريا بالنهاية الأردن وإسرائيل. نتقدم باللعبة قليلا إلى الأمام لنجد إيطاليا توحد المناطق الثلاث الشمال افريقية لتكون مستعمرة - ليبيا -. ولأجل ضمان السيطرة على الأراضي المجزأة اعتمدت القوى الأوروبية مبدأ "فرق تسد" ـ divide and conquer strategy ـ والتي أسدتْ لها خدمة كبيرة جنوب الصحراء الأفريقية. ويتمثل هذا العمل في تنصيب أقلية دينية أو عرقية وجعلهم حكاما محليين, واثقين من ان الأقلية لن تنقلب عليهم وخشية أن تلتهمها الأغلبية الممنوعة من التصويت. ذلك كان المستوى المنظور من سياسة "فرق تسد", ولكن كانت هناك تحت مظلة الطوائف والانقسامات المناطقية, كانت هناك مديات تجزئة أخرى من مسميات القبيلة والعشيرة والفخذ... مخلفات النظام القديم التي ظلت مصدرا لميل وهوية الأفراد, وكما فعل الجيش الأمريكي والمستوطنون البيض بالقبائل الهندية في غرب أمريكا, والنتيجة أن المستوطنين بقوا والقبائل اختفت. في العالم العربي رحل الأوروبيون في النهاية, لكن النظام الطائفي والقبلي بقي. على ضوء ما تقدم, يمكننا اعتبار انتحار محمد بوعزيزي، عاملا مساعدا في الربيع العربي، أقل أهمية من التفاعلات والتوترات والتناقضات الكامنة تحت السطح في المجتمع العربي ولأزمنة سابقة طويلة وقد وصلت ذروتها. والواقع إن الكثيرين من السكان العرب يشيرون إلى حادث يختلف وقع من ثمان سنوات قبل انتحار بوعزيزي, كاللحظة التي بدأ فيها التفكك: غزو الأمريكان للعراق. والكثير منهم يشيرون إلى صورة واحدة تمثل ذلك الثوران. حدث في ساحة الفردوس داخل بغداد وفي 9 نيسان 2003 أطاحت رافعة وعربة مدرعة أمريكية بتمثال قائم للديكتاتور صدام وسحبته على الأرض. بينما لا تزال تلك الذكرى اليوم عالقة في الأذهان بامتعاض - ما يرمز إليه التدخل الغربي الأخير في منطقتهم كان أمرا لا مفر منه – فإنها بنفس الوقت تهمز أمورا أكثر إيلاما. فلأول مرة في حياتهم يرون أن صنما راسخا كصدام حسين يمكن الإطاحة به, وان الشلل السياسي الذي ضرب منطقتهم يمكن أن يكسر. ولم يكن واضحا لهم كيف ان هؤلاء الحكام قد بذلوا جهودا كبيرة في تقييد شعوبهم. انطلقت بعد رحيلهم قوى القبلية والطائفية تجذب وتنبذ أمريكا, مسببة لقوتها واعتباراتها ثلما لن تشفى منه.
هناك على الأقل رجل واحد تبيّن الأمر بوضوح. طيلة عام 2002 كانت إدارة بوش تضع الحجر الأساس لغزو العراق باتهام صدام كونه يواصل برنامج للأسلحة ذات الدمار الشامل، وعلى اتصال مائل بأحداث 11 سبتمبر. 

في تشرين الأول 2002, ستة أشهر قبل حادثة ساحة الفردوس, كان لي حوار طويل مع معمر القذافي, وسألته من ينتفع إذا ما تم غزو العراق حقا. الديكتاتور الليبي يجيب عادة بعد فسحة من الوقت يبدو عليه فيها – ولو مسرحيا - أنه يفكر مليا, لكنه هذه المرة لم يتوان في الإجابة حالا: "ابن لادن, بلا أدنى شك, ولسوف يتحول العراق إلى قاعدة للقاعدة, لأن حكومة صدام لو سقطت, ستعمّ الفوضى العراق. فإذا حدث ذلك فستعتبر العمليات المضادة للأمريكان جهادا".
وفي نيسان 2015 بدأت رحلاتنا، أنا والمصور باولو بيلجرن, إلى الشرق الأوسط. معا أو منفصلين. كنا قد غطينا عددا من النزاعات في المنطقة ولعشرين سنة خلت, وكنا نأمل في مهمتنا الجديدة ان نسلط الضوء على ما يسمى الربيع العربي وآثاره الكارثية العامة. وبما ان الأمور قد ساءت في 2015 و2016 فقد توسعنا في تغطيتنا لتشمل تلك الجزر في اليونان حيث الوطأة العظمى للهجرة الجماعية - exodus - القادمة من العراق وسوريا؛ وخطوط الجبهة الأمامية في شمال العراق حيث المعركة مع داعش على أشدها.
قدمنا جهودنا تلك على شكل بحوث ستة سردية منفصلة, منسوجة مع جديلة تاريخية بهدف إنتاج سجادة مزدانة من المعلومات عن عالم عربي ثائر.
تقريرنا يتألف من خمسة أجزاء مرتبة زمنيا مع الشخوص الرئيسية. ومع تقديمنا لتلك الشخوص يركز الجزء الأول على ثلاثة عوامل تاريخية، لا بد منها لفهم ما يجري من أحداث: الأوضاع المتقلبة المتوارثة للكيانات المصطنعة؛ الوضع الهش لحلفاء أمريكا الذين وجدوا أنفسهم مكرهين على إتباع سياسات تعارضها بمرارة شعوبهم نفسها؛ تورط أمريكا ومنذ 25 عاما في التجزئة القائمة في العراق, قضية لم تحظ باهتمام كاف، مثيرة التساؤل حول شرعية الكيانات العربية الشعبية. الجزء الثاني يتحدث كليا عن غزو أمريكا للعراق وكيف أنها وضعت الأسس للربيع العربي وثوراته.
الجزء الثالث يتابع بسرعة, نتائج الثورات في مصر وليبيا وسوريا. الجزء الرابع يؤرخ ظهور داعش ـ isis ـ, والخامس يلاحق الهجرة الجماعية  من المنطقة, ونحن تماما في قلب الحدث, في قلب الكارثة.  لقد حاولت أن أروي قصة إنسانية, قصة لها حصتها من الأبطال, وحتى بعض ومضات الأمل. لكن ما جرى بعد ذلك كان أشبه بالتحذير المظلم الداكن. لقد سفحت المأساة وصعدت إلى الضفاف وسالت منها, بما يقارب المليون هارب من الحرب في العراق وسوريا باتجاه أوروبا أو بالضربات الإرهابية في دكا وباريس وما تبعها. بجرائم القتل الجماعي التي نفذتها -ايسس- في بيرناردينو وأورلاندو في أمريكا. لقد ارتبطت في عقول الكثير من الأمريكيين مسألة الإرهاب والمهجرين بحيث أنها ستؤثر على مسير الانتخابات القادمة. بشكل ما تشبه أزمة العالم العربي الحرب العالمية الأولى فهي أزمة منطقة أتت بسرعة وغطت مساحات واسعة – ولأسباب صغيرة وغير منطقية.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي