رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

13 عاما من التمزق فـي العالم العربي

ترجمة/ د. جاسم الهاشمي
لم يسبق لـ "نيويوك تايمز" الامريكية، أن تنشر قصة كهذه: "إنها أطول ما نشرته مجلتنا"، كانت محصلة تقارير استغرقت 18 شهرا، تدور حول الكوارث التي حلت بالعالم العربي، منذ غزو العراق قبل 13 سنة، والذي قاد لظهور داعش ـ ISIS ـ وحتى الأزمة العالمية للاجئين في العام 2016. جغرافية تلك الكارثة واسعة، وأسبابها كثيرة، لكن نتائجها الحرب والحيرة التي تلف العالم.
سكوت اندرسن، مقدم القصة بأكملها من خلال شخصياته في مصر وليبيا وسورية والعراق و(كردستان العراق)، المصور باولو بيلجيرن وملفاته العشر التي جمعها في سفراته المتعددة في المنطقة، وخلال 14 سنة في تجربة عينية بارزة الملامح، عاشها المصور مع القوات العراقية لاستعادة الفلوجة. لم يسبق أن خصصنا عددا كاملا من المجله لقصة واحدة، ولم نكن نفعل ذلك لولا قناعتنا بأن ما نقدمه من القوة والواقعية لشرح ما جرى من أخطاء بشرية لم يسبق للقارئ أن يتعرف إليها.

جيك سلفرشتاين ـ رئيس التحرير

                                                                                                                      
ليلى سويف من مصر

مصادر المشكلة

1972 - 2003 

شاركتْ في التجمعات الجماهيرية في عمر السادسة عشر. في 1972 وكانت مطالب الطلبة اعتيادية, طالما نادوا بها عالم مساواة, حرية تعبير. لكنهم أيضا لهم طلب آخر يخص العالم العربي: أن الرئيس المصري أنور السادات يجب أن يعلن الحرب لاستعادة شبه جزيرة سيناء, التي استولت عليها إسرائيل في حرب الأيام الستة 1967. ومنذ تلك التجربة تعلمت ليلى تأثير قوة التمرد الشعبي: السادات شن حربا على إسرائيل في السنة التالية. والذي لم تضعه ليلى في الحساب هو غضب والديها. بعد ساعتين من التحاقها بمظاهرة ساحة التحرير أسرع والداها بالمجيء إلى الساحة وسحب ابنتهما المراهقة معهما إلى البيت. تعلمت وقتها "ان تحدي الحكومة أسهل من تحدي والديها". هكذا تقول.
ولدت ليلى لتعيش حرة ومثقفة. والداها أستاذا جامعة. أختها أهداف سويف روائية معروفة. انجذبت نحو اليسار السياسي في عمر مبكر. التقت زوجها وهي في صف الرياضيات سنة 1970. احمد سيف كان شيوعيا يدير خلية طلبة سرية تنادي بالثورة، وقتها كانت مصر تعتبر العاصمة السياسية للشرق الأوسط, ومنطلق الحركات والأفكار الثورية. وفي الوقت الحاضر  ترتبط تلك السمعة بالتراث الذي خلفه رجل واحد: جمال عبد الناصر.
حسنا, في الأربعينات لم تكن مصر محط اهتمام عالمي, لا هي ولا الشرق الأوسط, والتي كانت تابعة للقوى الأوروبية والتي فرضت نفسها من عقود من السنين. بدأ التغيير في نهاية الحرب العالمية الثانية اثر اكتشاف اكبر حقول للنفط في المنطقة واثر انهيار الإمبراطورية الاستعمارية لفرنسا وبريطانيا. تسارعت عملية التغيير بظهور عبد الناصر ومجموعة الضباط الأحرار الذي اسقطوا النظام الملكي المنضوي تحت وصاية الغرب في 1952.
المدافع عن الاشتراكية العربية, والوحدة العربية, تحول بعد ذلك البطل الأسطوري  في العالم العربي, الناطق بلسان الشعب المستعبد من قبل الأجانب والنخبة التي تعلمت في الغرب. شعبيته استندت إلى عدائه للاستعمار وصنيعته في المنطقة إسرائيل.
شجع نجاح عبد الناصر العديد من قادة المستقبل العربي في الدول التي صنعتها القوى الأوروبية. في 1968 سيطرت مجموعات عسكرية تتبنى  الفكر البعثي - نمط من الفكر العروبي الاشتراكي - على السلطة في العراق وسوريا. التحق بهم في السنة التالية العقيد معمر القذافي ونظريته  المربكة (نظرية العالم الثالث) والتي ترفض الديمقراطية التقليدية وتنادي بالحكم عن طريق "اللجان الشعبية". وفي تلك البلدان وفي مصر أزيحت الملكية وحيدت البرلمانية.
لكن ناصر يمتلك ميزة  يفتقدها زملاؤه الأوتوقراطيون في المنطقة. فبلاده  قدمها يمتد إلى آلاف السنين ولم تتعرض إلى مخاطر التقسيم؛ لا توجد فيها التجاذبات القبلية أو الطائفية كما في سوريا والعراق. كما أن التحرر التقليدي مكن الفكر الشيوعي الدنيوي أن يتعايش مع السلفية الدينية ضمن مسيرة سياسية عنيدة.
جزء من عبقرية ناصر يكمن في قدرته على إقامة الجسور بين هذه المفارقات, يحقق ذلك من خلال التذكير بالكبرياء المصرية الوطنية, والاشتراك في معاداة الغرب, بعد إرث تجاوز السبعين عاما  من السيطرة البريطانية الثقيلة. وبالرغم من أن المحافظين الإسلاميين يرون مقدار دنيوية ناصر ألا أنهم يكبرون فيه تأميمه لمصالح الغرب، وانتصاره على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في 1956 أزمة السويس. المتحررون المدنيون –مثل أسرة سويف - وهي تدين الحكم الناصري المتسلط فلقد كان, على أية حال, حكما عسكريا, كانت ترحب وتهلل لموقفه في قيادة حركة دول عدم الانحياز وازدرائه بالولايات المتحدة ومحاولاتها إرغام مصر على السير في فلكها في الحرب الباردة. وتلك مكنت ناصر وسلفه السادات من إحكام قبضتهما في الحكم: التلاعب باليمين واليسار بإبعادهما تارة وتقريبهما تارة  حسب مقتضيات المسيرة وتركيز الانتباه على العدو الخارجي. تلك المناورات أدت إلى ردود سياسية عدة, ومنها أول مسيرة اشتركت بها ليلى سويف.
بعد عملهم بالحركة اليسارية, تزوجا ليلى وأحمد, في 1978. شهدت السنة نفسها نكسة في المستوى السياسي. فلقد وقع السادات اتفاقيات كامب دافيد، التي قادت إلى معاهدة سلام مع إسرائيل بوساطة أمريكية. شكل ذلك التغيير المفاجئ الكلي صدمة مدوخة ألحقت مصر بمعية أمريكا وعزلتها عن بقية المنطقة العربية. أكثر شؤما للسادات ان ما اعتبر شجاعا في العالم الغربي اعتبر خيانة وخزيا قوميا من أغلب المصريين. وهذا بالتأكيد كان رأي ليلى وأحمد. في أعقاب تلك المعاهدة 1979 عاد بعض الرجال إلى العمل السري واشتروا الأسلحة من السوق السوداء وكرسوا أنفسهم  للمقاومة المسلحة ضد الحكومة. تلك الخطط لم تخرج على الهواء, بدلا منها تمكنت عصبة من الإسلاميين من الوصول إلى السادات, أطلقت عليه النار وقتلته أثناء استعراض عسكري في القاهرة في اكتوبر 1981.
بعد شهر, أنجبت ليلى ولدا سمياه علاء. اتجهت حياتهما الآن وجهة غير سياسية, بل منزلية. في 1983 وكانت ليلى في الثامنة والعشرين توازن طلبات ولدها وعملها كأستاذة رياضيات في جامعة القاهرة. كل هذه العودة للحياة العادية تمزقت عندما شن وريث السادات حسني مبارك حملة أمنية تطهيرية. ومن الذين أوقع بهم في الشرك كان أحمد وخليته السرية. عذب عذابا شديدا حتى وقع اعترافا. ثم أطلق سراحه بانتظار الحكم. وجاء الحكم في 1984: لقد وجد احمد مذنبا لحيازته سلاحا غير قانوني وحكم عليه بالسجن خمس سنوات.
كانت ليلى وقتها في فرنسا, في بعثة لإكمال دراستها في الرياضيات, لكنها أسرعت بعودتها إلى القاهرة ومعها علاء بعد إنزال العقوبة بأحمد. ولحسن الحظ كانت هناك فرجة في القانون المصري تنص على وجوب موافقة رئيس الجمهورية على العقوبات السياسية أو الأمنية وهذه تستغرق عدة شهور يكون فيها احمد طليقا بكفالة.
ليلى التي في عمر الستين الآن تقول "كان يجب أن نقرر, هل يستسلم احمد ويذهب للسجن خمس سنوات, هل نبحث عن طريقة لإخراجه من البلاد, أم هل نعود للاختفاء؟ رفعت كتفيها بعزم وقالت: قررنا الاختفاء.
عاشا لشهور عدة كهاربين مطاردين ومعهما ابنهما ذو الثلاث سنوات. وفي النهاية عرفا أنها محاولة بلا جدوى: "هو لم يرغب بمغادرة البلاد"، تقول ليلى". ولم يكن راغبا بالبقاء متخفيا. رأى أن الأسهل قضاء السنوات  الخمس, وهكذا سلم نفسه. لم يكن ذلك سهلا على ليلى؛ فلقد أصبحت حاملا مرة أخرى, وكانت لها مولودة ثانية سمتها منى، بينما كان احمد في سجنه.
لقد كان في السجن حينما تلقى أحمد شيئا أشبه بالأعجوبة. بمواصلة الخضوع لإسرائيل والولايات المتحدة بموجب اتفاقية السلام التي وقعها السادات يكون من الطبيعي أن يتوارث مبارك وصمة التخاذل في نظر المصريين. بفقدان القدرة على توحيد الناس خلفه بالرجوع إلى حكاية العدو الخارجي، فهو الآن في نفس السرير مع العدو المفترض. لجأ مبارك إلى سياسة جديدة محبوكة بنقل المعارضة الدنيوية بين اليسار والإسلاميين المليشياويين. وجد احمد نفسه مع سجناء الفريقين في نفس السجن. وقد نجحت الخطة إلى حد الحقوق الإنسانية؛ قال اليساريون "لا يهمّنا أن يعذب الإسلاميون"، وقال الإسلاميون "لماذا لا يعذب الشيوعيون؟".
صمم احمد على العمل من اجل إصلاح القضاء فانصرف إلى دراسة القانون وهو في السجن. وبعد شهر من إطلاق سراحه في 1989 انتمى إلى مهنة المحاماة المصرية.
هذا جعل السجين السياسي السابق وزوجته على مفترق الطرق. ليلى أستاذة جامعية مهمة وهو محامي, توفرت لهما الفرصة لحياة نخبوية ضمن مجتمع القاهرة, لكنهما بدلا من ذلك, وبثمن باهظ, غاصا في أعماق  المعترك المصري الكبير, في محاولة لاجتياز الانقسامات السياسية والتي كانت الحكومة تعتبرها حيوية جدا لبقائها.
 
وقاص حسن من العراق

في بداية الحرب سيطر متمردو داعش على الشوارع الرئيسية لمدينة الفلوجة التابعة لمحافظة الأنبار العراقية. ثم امتد تأثيرهم واستولوا على عدد من المدن القريبة. في ذلك الوقت لم يكن وقاص يعرف أكثر من أن هذه المنظمة تسعى لنشر الخلافة الإسلامية في العراق وسوريا.
في الأشهر التالية شاهد وقاص, مثل بقية شباب تكريت, الفيديوهات التي وزعتها داعش  بين الناس.. الفيديوهات تتضمن مشاهد لمقاتليها وتصفهم بالفرسان. وهم في زيهم الخاص الملفت للنظر, بأقنعتهم السود السماوية, يتجولون في سياراتهم التويوتا كروزر في شوارع المدينة ترفرف على رؤوسهم راياتهم.
 
مجدي المنكوش من ليبيا
     
كانت مصراطة في القدم ملتقى القوافل القادمة من الصحراء تتاجر بالذهب والعبيد من أوسط أفريقيا لتصدر تجارتها عبر الأبيض المتوسط, والآن هي ميناء مزدهر، يبعد 120 ميلا عن العاصمة طرابلس. ومنذ ذلك الحين وهي تمثل لليبيا الصرة التجارية. سكانها يعتبرون صناعيين، وبذهنية رأسمالية. قبيلة منكوش متميزة من بين سكان المدينة لدرجة تسمية احد الأحياء المهمة باسمها. في ذلك الحي وفي 4 تموز 1986 استقبل عمر وزوجته فتحية المنكوش, الموظفيْن في حكومة المدينة, مولودهما السادس  مجدي.
في أيام مولد مجدي كانت ليبيا تحكم من قبل معمر القذافي ولمدة 17 عاما. الغرب كان يعتبره ولدا شقيا ـ rakish ـ قاد هو ومجموعة عسكرية من تابعيه الانقلابيين حركة أطاحوا فيها بالملك في سنة 1969. معمر القذافي آنذاك 27 عاما, برتبة ملازم أول, وكان بارزا وأنيقا ثم أصبح مشهورا بين أبناء شعبه بعد الانقلاب. مفتاح شهرته كان ميله ومحاكاته لجمال عبد الناصر في مصر المجاورة. مثل عبد الناصر, أثار القذافي الكبرياء العربية بتأميمه مصالح الغرب وبضمنها قسم الصناعة البترولية  واتخذ موقفا شديد العداء لإسرائيل. وبتوزيعه للثروة مكن عوائل كالمنكوش من العيش في مستوى مريح ضمن الطبقة المتوسطة.
مع الوقت, على كل حال, تقلص تشابه نظام القذافي بمثيله في مصر الديكتاتورية اللينة, وأصبح أكثر شبها بالاثنين من الانظمة المتأثرة بنموذج ناصر: نظامي البعث لصدام حسين في العراق وحافظ الأسد في سوريا. النظيران كانا في حالة صراع. في البلدان الثلاثة تمكن الأقوياء الثلاثة من إرساء إعجاب بشخوصهم يقرب من العبادة. فوجوههم تزين الجدران والبوسترات وطوابع البريد. واصطفوا مع شعوب المنطقة المعادية للاستعمار, وكانت تلك المواقف مدعاة لتعميق العلاقات مع الاتحاد السوفيتي. اشتراكية البعث ونظرية العالم الثالث القذافية قادته حقا إلى تحقيق مشاريع شعبية لا تصدق, بناء مستشفيات, مدارس, كليات, على امتداد الأوطان وتمويل تلك المشاريع مصرفيا من البترول في ليبيا والعراق، أو بالشراكة مع الاتحاد السوفيتي في حالة سوريا. في نفس الوقت, أسرفت  تلك الدول الثلاثة في تأسيس حكومات ضخمة بحيث أصبحت الوزارات والوكالات هي الهيكل الرئيس لاقتصاد البلدان؛ أكثر من نصف أفراد المجتمع ومن بينهم عائلة المنكوش تعتمد على رواتب الدولة وكذلك في العراق "أصبح كل فرد مرتبطا بالحكومة بطريقة ما"،  ويفسر مجدي "لبناء بيوتهم, لأعمالهم. من المستحيل العيش خارجها".
يعلم الثلاثة ان ولاء شعوبهم برغم ثوريته ينتمي في الواقع إلى القبيلة  والطائفة أولا وليس للدولة. ولغرض المحافظة على ولائهم اتبع الثلاثة نظام  الجزرة والعصا. دخل الزعماء الثلاثة في متاهة من الارتباطات مع التجمعات القبلية والعشائرية. حافظ على وقفتك مع الديكتاتور, وقد تحصل قبيلتك على وزارة من الوزارات أو امتياز تجاري مربح؛ اسقط في الجانب الرديء تجد نفسك في البرد.
كذلك وجد الرجال الأقوياء الثلاثة طريقا لهم عبر الانقسامات الدينية والعرقية؛ في العراق, رغم أن أغلبية المسؤولين الكبار في حزب البعث هم مثل صدام؛ من الأقلية السنّية, حرص على ان يرقش نظامه ببعض الشيعة والكرد ليسبغ عليه بريقا مقبولا عالميا.. 
في سوريا ذات الأغلبية السنية, الحكومة من الأقلية العلوية وسعت السلطة  جبهتها بالتحالف مع المسيحيين، مانحة أقلية أخرى حصة في سدنة الحكم.
بناء التحالف في ليبيا له أبعاد جغرافية واسعة وخاصة. فإلى جانب الخصومات التاريخية بين طرابلس وبرقة ـTripolitania and Cyrenaica ـ فإن الاستقرار البشري كان دائما يلوح حيث السواحل البحرية, والذي حدث عبر التاريخ ان ممالك شبه مستقلة تكونت هناك  ترفض الانصياع للحكم المركزي. وهكذا فإن القذافي الذي لا توجد لديه المشكلة الطائفية - كل الليبيين, في الواقع, سنّة - كان راغبا بتزيين حكمه  بموالين من مصراطة وبنغازي.
فإذا لم تنفع الإغراءات ولا مصافحة الأيدي فهناك العصا. الأنظمة الثلاث في سوريا وليبيا والعراق أقامت أجهزة أمنيّة فريدة من نوعها في العالم من حيث الشدة والانتشار. تعمل بحصانة مطلقة وتجمع المعارضين بالطراد, حقيقيين كانوا أو مفترضين, كما يشاؤون, ويزجون بهم في السجون والزنزانات بعد محاكمة صورية أو بكل بساطة يتم إعدامهم في مكان الاعتقال. هذا القمع لا يحصر في الأفراد بل قد يمتد إلى القبيلة أو المجموعة العرقية. ومن المؤكد ان أنفال صدام حسين, في 1988 ضد  الكرد دائمي التململ, هي الأسوأ سمعة والأكثر شهرة حيث تم قتل 50000 إلى  100000 كردي. وتم خلال سنتين من ذلك التاريخ ترحيل مئات الألوف من قراهم المدمرة وإسكانهم قسريا في مناطق أخرى.
للسلطة ذاكرة قوية أيضا, اكتشف مجدي المنكوش ذلك وهو يشب في مصراطة: في 1970 اشتراك اثنان من أقارب أمه, وهما ضابطان عسكريان صغار, في محاولة فاشلة ضد القذافي. الاثنان أعدِما, لكن ذلك لم يكف لإزالة الوصمة عن اسم العائلة. (دليل على طبيعة ليبيا القبلية, والدة مجدي كانت من عشيرة المنكوش ايضا).
"لم يعن ذلك أننا كنا مضطهدين مباشرة للسبب نفسه"، يقول مجدي وهو في عمر الثلاثين الآن، "وإنما كان الموظفون يرددون على مسامعك: ’آه, أنت منكوش إذن‘. وكان ذلك يعني أن الحكومة تراقبك عن كثب.. وانك لم تكن أبدا مصدر ثقة". 
في البلدان الثلاثة, كانت هناك فئة أو مجموعة من الناس تعتبر غير جديرة بالثقة, المجموعة التي تواجه دائما بالعصا: الإسلاميون السلفيون –fundamentalist. في سوريا والعراق, حتى لو سموا أنفسهم سنّة أو شيعة, يبقون دائما محط اشتباه الحكومة. مخابرات البلدان الثلاثة لديهم تعليمات خاصة بمراقبة رجال الدين المحافظين ومثيري الفتنة. وليست السريّة هي العلامة الوحيدة للحملات. ففي شباط 1982 سيطر الأخوان المسلمون على أجزاء من – حماه -. طوق حافظ الأسد المكان بالجنود والدبابات والمدافع وفي 3 أسابيع قدر عدد القتلى بعشرة آلاف إلى أربعين ألفا.
تعتري الرجال الأقوياء الديكتاتوريين فعالية نشاط حركي خاص، والثلاثة؛ الأسد، القذافي وصدام يتشابهون كثيرا في هذا المجال. جانب منه يكمن في ما يمكن أن نسميه متلازمة الإمبراطور العاري -naked emperor syndrome.
والحكاية لكاتب دنيماركي اسمه كريستيان أندرسن كتبها للأطفال: فلقد وعد حائكان الإمبراطور العاتي بحلّة جديدة قالا عنها إنها لا تُرى من قبل المعادين والأغبياء. وعندما استعرض الإمبراطور أمام رعاياه بحلته الجديدة  لم يجرؤ احد على القول إنه لا يلبس شيئا ولا توجد حلة ولا ثياب على جسده, خوفا من ان يقال إنه معادي أو غبي. وأخيرا هتف احد الأطفال ’ولكنه لا يلبس شيئا على الإطلاق‘. الحكاية صارت بعد ذلك قولا مأثورا  عن شيء مقبول لعدم رغبة الناس بنقده أو التعرض إليه كمضاد للرأي العام, أو قد ترمز الى جهل الجمهور, حيث أن كل فرد يجهل وجود الحلة أو عدم وجودها لكنه يعتقد من جهة أخرى أن الناس ليست جاهلة. ملازمة هؤلاء الديكتاتوريين للمجموعات المنافقة المتذللة يبعدهم باستمرار عن الحقيقة. الآخر يجد نفسه متجذرا وسط سلطة بوليسية. وكلما ازداد الاضطهاد البوليسي كلما أوغل المخالفون في الرأي في التخفي، مضيفين صعوبة أخرى على الديكتاتور في معرفة أعدائه الحقيقيين؛ فيلجأ إلى المزيد  من أساليب جنون الاضطهاد ـ بارانويا ـ, والتي لا يمكن إرواؤها إلا بالمزيد من الاضطهاد.  في 1990 أنتجت هذه الدورة السلوكية مفارقة غريبة في العراق, وسوريا وليبيا. فكلما بالغ القادة الثلاثة في اتّباع سياسة عبادة الشخصية البطل ونشروا صورهم وجدارياتهم في كل مكان، كلما  ازدادت عزلتهم عن الناس. في حالة مجدي المنكوش, بالرغم من أنه يعيش في بلد لا يصل عدد سكانه إلى خمسة من مدن نيويورك, لم تسنح له الفرصة طيلة 35 سنة, ولا مرة واحدة, لرؤية القذافي. وبالمقابل كم من مرة ذكر اسم الديكتاتور أمام الجمهور بطريقة تحط من قيمته. والجمهور هنا هم المعارف والأصدقاء, مع الأغراب يتحول إلى "صديق".
هناك جانب آخر للملصقات الجدارية وموزائيك الديكتاتوريين والمنتشرة في كل مكان في ليبيا والعراق وسوريا. تؤطَّر أغلبُ  تلك الصور بما يشبه حدود البلاد لنقل الرسالة التالية: "أنا قائد الوطن". وربما كانت الرسالة في تلك البلاد – المصطنعة - أكثر طموحا واشد إنذارا: "أنا الوطن؛ وإذا ذهبتُ ذهبَ الوطن". وبالطبع هذا ما يتمناه المنكوش وعشيرته دائمة التنكيد  وعلانية.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي