رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

13 عاما من التمزق فـي العالم العربي

ترجمة/ د. جاسم الهاشمي
لم يسبق لـ "نيويوك تايمز" الامريكية، أن تنشر قصة كهذه: "إنها أطول ما نشرته مجلتنا"، كانت محصلة تقارير استغرقت 18 شهرا، تدور حول الكوارث التي حلت بالعالم العربي، منذ غزو العراق قبل 13 سنة، والذي قاد لظهور داعش ـ ISIS ـ وحتى الأزمة العالمية للاجئين في العام 2016. جغرافية تلك الكارثة واسعة، وأسبابها كثيرة، لكن نتائجها الحرب والحيرة التي تلف العالم.
سكوت اندرسن، مقدم القصة بأكملها من خلال شخصياته في مصر وليبيا وسورية والعراق و(كردستان العراق)، المصور باولو بيلجيرن وملفاته العشر التي جمعها في سفراته المتعددة في المنطقة، وخلال 14 سنة في تجربة عينية بارزة الملامح، عاشها المصور مع القوات العراقية لاستعادة الفلوجة. لم يسبق أن خصصنا عددا كاملا من المجله لقصة واحدة، ولم نكن نفعل ذلك لولا قناعتنا بأن ما نقدمه من القوة والواقعية لشرح ما جرى من أخطاء بشرية لم يسبق للقارئ أن يتعرف إليها.

جيك سلفرشتاين ـ رئيس التحرير

حرب العراق

2003 - 2011

خلود الزيدي من العراق

هي البنت الأصغر الثانية ضمن ستة ابناء 3 أولاد و3 بنات، والدها  اختصاصي أشعة يعمل في أحد المستشفيات وأمها ملازمة للبيت. قضت خلود الزيدي طفولة مريحة لبنت في الطبقة المتوسطة التي كانوا فيها. لكنها كبقية بنات الكوت عاشت حياة التوحد والصرامة في مدينة تبعد 100 ميل جنوب بغداد، ويقطنها حوالي 400000. من البيت إلى المدرسة ومن المدرسة إلى البيت لتساهم في أعمال المنزل, لتنصرف إلى دراستها بعد ذلك. باستثناء ذهابها إلى المدرسة, لم تكن خلود لتغامر بالخروج إلا لمساعدة أخواتها وأمها في التسوق والشؤون البيتية الأخرى. في عمر 23 غادرت مدينتها مرة واحدة، بسفرة ليوم واحد برفقة والدها.
وكما يحدث للطموحات التي تولد في بيئة غير مضيافة, كانت خلود قد قررت وبشكل دائم التخلص من قيودها في الكوت. ولهذا الغرض ركزت على مواصلة دراستها الجامعية. وفي ذلك كان لديها حليف وهو والدها. فالأب, علي الزيدي, كان مصرا على أن يحصل أولاده وبناته على درجة البكالوريوس, برغم أن الغرض النهائي للدراسة يقع في المجهول.
"كان أبي تقدميا جدا في كثير من الحالات". تتحدث خلود, "ولكن حتى من وجهة نظره فهو لا يرى الشهادة الجامعية طريقا لمرحلة عمل في الحياة. بدلا من ذلك كانت فكرته، ادرسي جيدا, احصلي على الشهادة, ولكن بعد ذلك اعثري لك على زوج". هزت كتفيها غير مبالية: "هذا هو النظام العراقي". تابعت خلود دراستها في الأدب الانجليزي بجامعة محلية وكانت التوقعات أنها بعد حصولها على الدرجة تدرس اللغة الانجليزية في مدرسة قريبة لبضع سنوات ثم تتزوج وتكون عائلة. خلود لها خطط أخرى بالمقابل: أن تذهب إلى بغداد بكفاءتها اللغوية وتعمل مترجمة في إحدى الشركات الأجنبية القليلة العاملة في العراق.
كان ذلك خطا جانبيا في تفكيرها عندما غزا الأمريكان العراق 3 أشهر قبل تخرجها. وفي صباح مبكر من 3 نيسان 2003, وصلت المعارك إلى الكوت. طوقت المدينة وحدات من الحملة الأولى للقوة البحرية - وللساعات المقبلة ظلت الحواجز والمتاريس العراقية تتهاوى واحدا بعد الآخر. انتشرت الدبابات والمدافع في الأرض والطائرات المقاتلة في الجو. كان عمرها 23, وقد سمعت الكثير عن المعركة لكنها لم تر شيئا, والتفسير واضح كما تقول: "فالنساء لا يسمح لهن بالخروج".
قبل الغزو قال نائب الرئيس ديك شيني، أنهم سيُستقبلون كمحررين.. ولقد ثبت توقعه في الكوت في 4 نيسان. فالبحارة عندما سيطروا تماما على المدينة احتشد لاستقبالهم الكثير من الشباب والأطفال، مقدمين لهم الحلوى والشاي الساخن. وأخيرا سمح لها أن تترك بيتها وشاهدتْ ما يجري من مكان أمين. "كان الأمريكيون مستريحين, وفي حالة استرخاء كاملة, ودودين, لكني فوجئت بضخامتهم، وكل ذلك السلاح والعربات, كل شيء كان خارج المقاس, كما لو أنهم أتوا من كوكب آخر".
بينما استمرت هنا وهناك بعض المواقع القتالية من قبل ما تبقى من حكومة صدام حسين، والتي أطلق عليها بوش اللقب الأوروبي القوى المضادة للعراق، ظلت وحدات الحلفاء المتبقية في الكوت، كل الربيع وبعض الصيف من ذلك العام, وكانوا في حالة أمان تام؛ يختلطون مع الناس بدون درع ويتجولون في الشوارع بسياراتهم غير المحمية. أولئك الجنود أعادوا المدينة إلى حياتها شبه العادية بسرعة. فتحت الجامعة أبوابها بعد توقف لم يتعد الشهرين, الأمر الذي مكن خلود من الحصول على البكالوريوس في ذلك الشهر من آب.. الجهد الآن انصب على بناء الاقتصاد المنهار  وإعادة تأليف الحكومة, ولأجل هذا نزل جيش صغير من المهندسين الأجانب, والمحاسبين, والمستشارين برعاية السلطة الموقتة للحلفاء. CPA Coalition Provisional Authority؛ وتلك إدارة تقودها الولايات المتحدة تنسحب إثر تكوين حكومة عراقية جديدة.
ومن بين الذين أتوا كان فيرن هولاند, وهي محامية من أوكلوهاما بعمر 33 وبصفة مستشار للسلطة الموقتة في حقوق الإنسان. كانت لدى هولاند في ذلك الصيف من 2003 تعليمات خاصة بتنمية مشاريع، من شأنها رفع ودعم مستوى المرأة في قلب الجنوب الشيعي. وفي أيلول 2003 وصلت بها مهمتها إلى الكوت والتقت لأول مرة بخلود.
"لن أنسى أبدا لقائي الأول بفيرن"، تقول خلود، "جمعتنا نحن النسوة في لقاء  لتتحدث عن مشروعها للعمل في العراق. كانت شابة مدهشة، لكن ذلك سرعان ما ينسى، لأنها كانت شخصية صلبة, بشعر أشقر وبانفتاح شخصي لا يضاهى. لم التق بسيدة مثلها ولا اعتقد أن غيري في الغرفة قد فعل ذلك".
الذي قالته هولاند للنسوة في لقاء الكوت ذاك، لم يكن اقل إثارة من منظرها نفسه.. بسقوط صدام حسين, قالت: ولد عراق جديد, عراق فيه من الديمقراطية وحقوق الإنسان ما يفوق كل شيء. والأكثر من هذا دور كل فرد في البناء ونسوة الكوت ليست استثناء.
من جانب خلود كان ذلك الخطاب ضاربا بقوة الحلم والإيحاء. كانت هي اللحظة التي انتظرتها طيلة حياتها. تطوعت على الفور للعمل في مشروع حقوق المرأة لهولاند، ’لقد فكرت كثيرا في السابق بنفس القضايا, لكنها في زمن صدام كانت أشبه بالجنون‘، تقول خلود، "والآن أرى مستقبلي فيها".
ربما كانت هولاند أقل ثقة بالمستقبل. من تجربتها السابقة في إفريقيا حيث البيئة متحفظة وتحت سيطرة الرجل, وهي تعتقد أن المسألة مسألة وقت، وربما وقت قصير، قبل أن تتجمع قوى التقاليد وتقف ضد عملها, ولهذا عليها أن تغير من نمط حركتها وبسرعة. وهي تعرف أيضا أنها أجنبية, ودورها يجب أن يكون محدودا؛ المطلوب هو تحريك النساء في المنطقة  نفسها لقيادة الجهود, نسوة مثل خلود الزيدي.
في الشهر التالي وقع اختيار هولاند على خلود الزيدي، لتكون ممثلة في مؤتمر وطني للنساء, عقد تحت مظلة سلطة حكومة الائتلاف الدولي - سي بي ا -. وفي ذلك المؤتمر استلمت خلود أنباء تطورات جديدة: فلقد اختيرت لتذهب إلى واشنطن مع وفد نسوي للمساعدة في وضع مسودة لدستور عراقي جديد. وعندما انتشرت المعلومة أثارت موجة من السخط. ’الكثير من النسوة اعترضن بسبب عمري الصغير‘، تقول خلود. حتى خلود نفسها رأت أن ذلك كثير عليها. لكن فيرن أصرت, قالت للنسوة: "خلود تمثل الشبيبة وهي ذاهبة. لقد كانت اكبر عون لي". 
في نوفمبر من 2003 تحققت الرحلة. الفتاة ذات الثلاثة والعشرين عاما التقت بأكابر الشخصيات ومن بينهم الرئيس بوش. في عودتها, عينت رسميا في سلطة الائتلاف كمساعدة مدير لشؤون الكوت الإعلامية. كان ذلك كثيرا, هي التي كانت ترجو أن تجد لها عمل مترجم في إحدى الشركات. ’لقد كان العمل مثيرا جدا‘، تقول خلود ‘ذلك لأنك تشعر أن كل شيء يتغير بسرعة‘.

وقاص حسن من العراق

يمتاز وقاص حسن عن المألوف بعينيه. عدا ذلك فهو شخص عادي عمره 22, طويل القامة, أعيط, مجرد وجه آخر في الجموع، غير ان المرء يقف عند عينيه، فقد تتصور أنه قد صبغ أهدابه وحواجبه. في نظراته غموض ثاكل يلوّح بالزمن الصعب الذي رآه.
بعمر 8 سنوات في 2003 كان يعيش حياة عادية, ابنا لموظف في البنك, وهو أصغر أخوته الخمسة. أنهى طفولته وسط مجتمع فلاحي في منطقة الدور 15 كيلومتر عن تكريت، المدينة التي ولد فيها صدام "كل شيء كان جيدا جدا, وكل شيء سهل"، هكذا يتذكر.
تغير ذلك مع الغزو الأمريكي. كانت تكريت وضواحيها في مقدمة الأهداف للأمريكان باعتبارها معقل البعث، كونها المدينة التي ولد بها صدام, فأمطرت المدينة نفسها بوابل من قنابل الطائرات. في منتصف نيسان  2003 احتلت قوى الحلفاء سلسلة القصور الرئاسية المبهرجة التي شيدها صدام على حافة النهر، وشرعت بتنظيم حملات للبحث عن كبار البعثيين في المدن المحيطة بتكريت. في 15 مايس قبضت قوات الحلفاء على 30 مشتبها داخل الدور, وهذا الرقم كان مجفلا نظرا لصغر المدينة. لكن المدينة بعد ذلك وفي منتصف كانون الأول أثمرت جائزة أخرى، فلقد أخرج من حفرة في شمال المدينة صدام نفسه.
الصغير وقاص لا يحتفظ بالكثير في ذاكرته. وتبعا لما يقول: إن عائلته سنية كأغلب الناس هناك, لكنهم لم يكونوا متدينين بالمعنى الحقيقي ولا سياسيين. يتذكر كلاما سمعه عن سوء معاملة السجناء من قبل الأمريكان يشير ذلك بوضوح إلى فضيحة سجن أبو غريب. وجاء وقت فتش فيه الجنود الأمريكان بيتهم, وكانوا جنودا مؤدبين, ومرت الفترة بلا أحداث.
"أعرف آخرين كانت لهم مشاكل مع الأمريكان لكن عائلتي لم يلحقها أي أذى"، يقول قاص.
تلوم عائلة وقاص الغزاة على النكسة التي حلت بالاقتصاد العراقي, نكسة أدت إلى فقدان أبيه لوظيفته في بنك الرافدين. ولإطعام عائلته اضطر الأب إلى أن يبيع الحلوى في دكان صغير بشارع الدور الرئيسي. "نعم, كانت حياتنا أفضل قبل مجيء الأمريكان"، يعترف وقاص "لكن الأمور ساءت أكثر ولم يكن لهم ذنب في ذلك".

خلود الزيدي من العراق

في العالم الجديد الذي فتحته لها فيرن هولاند ظلت خلود غير واعية، لبذور الكوارث المنتظرة للغزو الأمريكي. فالبنتاجون في مخططاته الحربية وضع بعض المؤسسات الإستراتيجية والوزارات الحكومية تحت الحراسات المشددة. لكن العساكر الأمريكية لم تنتبه جيدا, كما يبدو, إلى حقيقة وجود عنابر ومخازن السلاح التي وزعت في كل أنحاء البلاد. في مدينة واحدة, وبلدة بعد أخرى تم نهب السلاح تحت نظر الجنود دون أي تدخل.
السلطات المحتلة سرعان ما زادت الأمر سوءا. ففي خطوة اعتبرت فاجعة  حل بول بريمر الحاكم العسكري الجيش. هكذا, بضربة واحدة سرح مئات الألوف من الرجال المدربين والقادرين على حمل السلاح وذلك في صيف 2003. فقد مئات الألوف وظائفهم.
ربما جاءت أوامر عليا بإصدار مرسوم الحل, مهما يكن, كان قرارا ضارا جدا بالنتيجة. بموجب بنود الأوامر الصادرة من حكومة الائتلاف رقم 1 يضم فصل كوادر حزب البعث المتقدمة من الوظائف حالا وحظر تشغيلهم مدى الحياة. والمستخدمون الآخرون في الدرجات العليا يفحصون لمعرفة مدى انخراطهم في البعث. والذي حدث بعد ذلك أن عشرات الألوف من أصحاب الاختصاصات غير السياسيين حرموا من امتيازاتهم وأعمالهم, وتضم تلك المجاميع والد خلود علي الزيدي اختصاصي الأشعة. لقد أكرهوا على الانتماء في 1990 بموجب قرار من صدام، لتسيير العمل في الوظائف. وهاهم اليوم, أولئك المدرسون والأطباء والمهندسون, مهددون بالفصل.
امتدت تأثيرات القرار رقم واحد إلى أكثر من طرد البعثيين. ففي العراق, كما في الكثير من بلدان الشرق الأوسط, دوائر الدولة تقوم على أساس الشراكة, وفي هذا النظام يدين المستخدمون في العمل, من أعلى درجة وحتى موزع الشاي, إلى رئيس الدائرة. هذا الرجل بعثي بلا نقاش في زمن صدام. أو أن الوظائف تكون حصرا بالعوائل والأقارب والعشيرة. وهكذا فان طرد أكثر من 85000 بعثي يعني  إفقار عدد لا حصر له من الناس  والعشائر والقبائل.
تحت ثقل تلك الأخطاء الفادحة، نعجب كيف ان سلطة التحالف لم تنفجر فورا. النذر بدأت في آب 2003 عندما حطمت سيارة ملغومة موقع الأمم المتحدة في بغداد, مسببة موت 22 من بينهم الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق سيرجيو فييرا دي ميلو. تبع ذلك تصاعد ثابت في الهجوم على قوات الحلفاء. وبقدوم عام 2004. استشعر المسؤولون الرسميون تزايد العداء لمشاريعهم ومبادراتهم. فيرن هولاند نفسها احتواها القلق؛ كتبت رسالة الكترونية إلى صديق في نهاية كانون ثاني: "نحن نعمل بكل طاقتنا ولما تبقى لنا من الوقت. إنه سباق متعب. تمنّ لنا الحظ. تمنّ الحظ للعراقيين".
في مارس 2004 تم التوقيع على الدستور الموقت الجديد للعراق. الفقرة التي تنص على نسبة 25% من مقاعد البرلمان القادم للنساء كانت نتيجة لنشاط قامت به فيرن هولاند خلف الكواليس.
في مساء اليوم التالي كانت سيارة دايو, تضم 3 من موظفي الحكومة الانتقالية المدنيين, تسير في طريق خارجي عندما اعترضتها سيارة شرطة بيك اب واقفة طولا. وبزخة من رصاص رشاش آلي جعل السيارة تسرع في عرض الشارع لتنقلب بعد ذلك على جانبها؛ الرجال الرماة ترجلوا بعد ذلك من سيارتهم ليجهزوا على ضحاياهم ببنادقهم الهجومية. ركاب الدايو الثلاثة قتلوا جميعا رميا بالرصاص, ما جعلهم أول قتلى الحكومة الانتقالية من المدنيين في العراق. شمل ذلك السائق والهدف من الهجوم, فيرن هولاند.
تسبب مقتل هولاند بموجة من الذعر دبت بين مدنيي الحكومة الانتقالية المنتشرين في أنحاء العراق.. "نحن جميعا نعيش صدمة, بالطبع"، تقول خلود الزيدي، "لكننا أيضا كنا ننتظر أن نفهم ماذا كانت تعني, هل كانت فيرن مقصودة بالذات, أم أنها كانت جزءا من أمر أعظم". وجاء الجواب بسرعة؛ ترادفيا مع العصيان السني في وسط العراق, خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2004, طلب رجل دين شيعي راديكالي, مقتدى الصدر, انسحاب كل قوات التحالف من الوطن. وفي مقتبل نيسان أطلق الصدر مليشيات جيش المهدي, لتنفيذ ضربات منسقة ضد الجنود والمؤسسات التابعة لحكومة الائتلاف. جاء دور الكوت في 5 نيسان  عندما شرع حوالي 200 من جيش المهدي بمهاجمة مؤسسات الـcpa.
أمضت خلود ساعات محصورة في موقع الحكومة الائتلافية ـ سي بي أي ـ. الموقع استلم الأوامر بالرد على النيران. أحد المسؤولين يقول لخلود "إن لم  تكوني خائفة فاذهبي".
واستطاعت خلود أن تشق طريقها مع اثنين من العاملين في ممرات فرعية, هاربة من المعسكر. والموقع بعد ذلك افرغ وسيطر جيش المهدي على الكوت وواصل البحث عن المتعاونين مع الحكومة الائتلافية من السكان المحليين. ظلت خلود مرتعبة ومختفية في بيت أهلها حتى بعد أن استعادت القوات الأمريكية الكوت.
الظهور البارز لجيش المهدي غيّر مجرى الأحداث في العراق تغييرا جذريا؛ فلقد ضاعفت المليشيات الشيعية والسنية من ضرباتها للقوات الأمريكية مؤشرة إلى بدء الحرب الحقيقية في العراق. ورغم ذلك استمرت سلطة التحالف بإجراءات التخلي عن السلطة لحكومة مركزية جديدة.
في مايس قام المدنيون العاملون في موقع السلطة الائتلافية في الكوت بترك مواقعهم وسلم الموقع للحكومة الجديدة في بغداد.
بدا لبعض الوقت وكأن تلك الإجراءات قد أخمدت جيشان العواطف في مدينة خلود لدرجة أنها تمنت أن تعاود عملها, كمدافعة عن حقوق المرأة, والتي زرعتها في دماغها معلمتها الأولى فيرن هولاند القتيلة. في ذلك الخريف وجدت منظمة صغيرة لا حكومية تسمى البتول أو العذراء. كانت أهدافها متواضعة. "في الكوت المسيحيون قلة" تشرح خلود، "وكانت فكرتي ان نجمع المسلمات مع المسيحيات في مشاريع مفيدة للمجتمع. وكان المهم ان نعلمهن حقوقهن وانه ليس عليهن ان يخضعن باستمرار لولاء الرجال".
ولكن بانتشار الطائفية في العراق وبعمق, اجتمع السنة والشيعة على اعتبار المسيحيين غير مخلصين, وهؤلاء وقد ملأهم الخوف شرعوا بالهجرة الجماعية, الأمر الذي قلص عددهم في العراق إلى أكثر من الثلثين. أكثر من ذلك, تمويل العمل في منظمة البتول لا يمكن تدبيره إلا من المحتلين الأجانب. وهذا مدعاة لاتهام المليشيات لها بكونها عميلة للعدو. 
وفعلا, توالت على خلود التهديدات مجهولة المصدر لاستمرارها العمل في "قضايا أمريكية". تهديدات ازدادت حدتها إلى درجة ذكر اسمها الصريح في جريدة محلية مع الشجب.
ذكريات تلك المرحلة تثير كآبة وسرحان خلود، وهي الآن في عمر 36. "لقد أدركتُ الآن أني كنت ساذجة, واني لم اقدر الموقف بالجدية التي يجب أن تكون. كنت احسب أني أمارس عملا من شأنه تحسين حياة المرأة, فكيف تحول ذلك إلى تهديد؟".
في تشرين أول 2004 أطلقت النار على مكتب البتول في الكوت، لم ترتدع خلود واستأجرت موقعا آخر؛ ليُنهب بعد ذلك. وبينما كانت في مؤتمر لحقوق الإنسان في كانون الثاني عقد في عمان عاصمة الأردن المجاورة, تلقت مكالمة هاتفية تنذرها: إذا ما عاودت عملها في الكوت فسوف تُقتل, لم تترك الأردن لثلاثة أشهر, وفي نيسان 2005, بعد عام من مقتل فيرن هولاند, وبتحول المعارك في العراق الآن إلى حرب طائفية انسلت خلود عائدة إلى مدينتها.
أدركت الآن أن القرار أصبح مجازفة. "لكنني كنت أجد صعوبة جمة في التخلي عن حلمي في خدمة العراق", قالت خلود إنها تتذكر جيدا ما سبق أن كانت هولاند تردد: ’لكي تغير تحتاج إلى شجاعة, وفي بعض الأحيان قد يبالغ الإنسان في الجهد’، "حسنا وأنا لم أكن أريد الموت, لكن فيرن ماتت, ولهذا أتمسك بالأمل في تكرار المحاولة, فلربما ننجح"، أبدت خلود تفاؤلا. ما إن وصلت خلود الكوت, توجهت إلى مركز الشرطة لتقدم شكوى عن نهب منظمتها, لكنها استقبلت بمنتهى صرف النظر. تلقت بعدها ملاحظة منذرة بالسوء من واحدة من زميلاتها في البتول القديمة. "ما ذا جئت تفعلين, لماذا عدتِ؟ الكل يعرف انك تشتغلين للسفارة الأمريكية". جاءت اتهامات زميلتها في أعقاب استدعاء لها للحضور في مقر إحدى المليشيات، "فهمت حينها أن لا فرصة لي في العراق, ولو تماديت في المحاولة فسوف يقتلونني".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي