رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

13 عاما من التمزق فـي العالم العربي

ترجمة/ د. جاسم الهاشمي
لم يسبق لـ "نيويوك تايمز" الامريكية، أن تنشر قصة كهذه: "إنها أطول ما نشرته مجلتنا"، كانت محصلة تقارير استغرقت 18 شهرا، تدور حول الكوارث التي حلت بالعالم العربي، منذ غزو العراق قبل 13 سنة، والذي قاد لظهور داعش ـ ISIS ـ وحتى الأزمة العالمية للاجئين في العام 2016. جغرافية تلك الكارثة واسعة، وأسبابها كثيرة، لكن نتائجها الحرب والحيرة التي تلف العالم.
سكوت اندرسن، مقدم القصة بأكملها من خلال شخصياته في مصر وليبيا وسورية والعراق و(كردستان العراق)، المصور باولو بيلجيرن وملفاته العشر التي جمعها في سفراته المتعددة في المنطقة، وخلال 14 سنة في تجربة عينية بارزة الملامح، عاشها المصور مع القوات العراقية لاستعادة الفلوجة. لم يسبق أن خصصنا عددا كاملا من المجله لقصة واحدة، ولم نكن نفعل ذلك لولا قناعتنا بأن ما نقدمه من القوة والواقعية لشرح ما جرى من أخطاء بشرية لم يسبق للقارئ أن يتعرف إليها.

جيك سلفرشتاين ـ رئيس التحرير

ليلى سويف من مصر

بينما كانت خلود تخطط لهروبها من العراق في نيسان 2005, كانت ليلى سويف تصعّد من معارضتها لديكتاتورية حسني مبارك.
لكن ليلى وزوجها احمد سيف اشتهرا بعد ذلك كمعارضين متمردين على الحكومة ولأكثر من عشر سنوات، ومشكلين مصدر إزعاج متواصل لحكومة مبارك. فما إن أطلق سراحه من السجن في 1989 تحول احمد إلى مثال المحامي المدافع عن حقوق الإنسان بنظر الشعب, وبطل مجموعة منتقاة من المحامين المدافعين عن القضايا السياسية تضم اليساريين من أساتذة الجامعة والإسلاميين السلفيين وحتى من المثليين في مجتمع يحرم قانونيا ذلك. عند مقابلتي له للمرة الأولى في القاهرة في ذلك الخريف, كان احمد منشغلا في قضية من أكثر الأمور تعقيدا: الدفاع عن مجموعة من الرجال  المشتركين في عملية إلقاء القنابل على فندق عام 2004 في شبه جزيرة سيناء، خلف 31 قتيلا.
ليلى من جانبها كانت، وهي الأستاذة في الرياضيات، واحدة من أنشط   قادة حركة الشارع والتي جيشت مسيرات لا تحصى ضد الحكومة. جانب من دوافعها للعمل, كما تقول, هو أنها بصفتها الجامعية كأستاذة في جامعة القاهرة، تتمتع بحرية الدفاع عن الفقراء ومقاومة كل ما يسيء إليهم، وإلى الطبقة العاملة. "تاريخيا" هي تقول "أنعم العمل الطويل علينا بفائدة وهي أن قوات الأمن لا تتخاشن معنا لأنهم لا يعرفون بمَن مِن قوى النفوذ يمكن أن نتصل، لكن ذلك لم يعفنا من المسؤولية, مسؤولية أن نكون صوتا لمن لا صوت له. وكوني امرأة  كان عاملا مساعدا. فالمرأة عندنا وفي هذا المجال لا تؤخذ على محمل جدي الأمر الذي يسمح بتنفيذ ما لا يقدر عليه الرجال".
لكنها كانت أيضا على وعي من نشاطها، والتحمل الغاضب للحكومة لها، وكيف أنها تلائم تماما سياسة "فرق تسد" التي يتبعها حسني مبارك منذ مجيئه للسلطة في 1981. الحكومات المصرية كانت تلعب على الوترين بازدواجية ولاء من خلال لعب العداء للغرب مثلا أو بلعب ورقة العدو الإسرائيلي, لكن أنور السادات أبعد  تلك الورقة عن اللعب من خلال إقامته للسلام مع إسرائيل واستمراره على جدول الدفع الأمريكي -payroll-. الإستراتيجية الجديدة قامت على أساس منح مجال أوسع للمعارضة والنقد السياسي في صفوف الطبقة المثقفة الصغيرة، بينما يتم التحول إلى الضرب, في حالة نمو التأثير, وعن طريق الفئة الكبيرة الخطرة من الإسلاميين.
وفق رأي ليلى, ما أدى إلى فشل تلك الإستراتيجية كان الانتفاضة الثانية للفلسطينيين, في أيلول سنة 2000. أغلب المصريين ومن جميع الاتجاهات يعتقدون أن حكومتهم قد باعت الفلسطينيين باتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979. حسني مبارك جُرد من إمكانية قمع المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، خشية أن يتهم بأنه أكثر خنوعا للأمريكان. "للمرة الأولى" توضح ليلى, ‘بدأنا ننظم علانية وفي وسط الناس دون أن نطلب إجازة من السلطات, ودون أن نغطي نشاطنا بواحد مما يسمى بالأحزاب السياسية المجازة. وتوفر النموذج الجديد: لن تنتظر أن تجاز, لن تبحث لك عن حزب علني تحتمي به, ما عليك إلا أن تنظم نفسك, وهذا ما اتبعناه مرات عديدة في ما بعد‘.
وفي الحال, الاحتجاجات العلنية في الشارع أصبحت سمة يومية للحياة المصرية. الأكثر أذى لموقف الحكومة هو الغضب، مما جرى للقضية الفلسطينية والذي ضاعف التوتر، وجعل القوى السياسية الأخرى تلتحق  بالمتظاهرين ويبدأ العمل سوية.
ميلاد الحراك الجديد, لم يكن حسني مبارك بحاجة إليه ليذكر الشعب بمقدار ولائه لأمريكا, وفوق ذلك جاء الغزو الأمريكي للعراق.
مع أنه كان من المكر أو الدهاء بحيث لم يعارض الغزو علانية, والانخراط في سلسلة من الدبلوماسية العالية لإيقافه, إلّا أن مبارك لم يكن  بمنأى من تأثيراته الجانبية.. ففي رأي الكثير من المصريين أن حسني مبارك بعد 23 سنة من قبض الأموال من أمريكا, لا يمكنه أن يتبجح بكونه مستقلا الآن فهو لا يتعدى كونه دمية بيد الأمريكان. وباستمرارية الحرب في العراق استمر الوضع السيئ بالتصلب خاصة مع تزايد عدد القتلى اليومي. من 2002 إلى 2005 حدثت اكبر مظاهرات العالم العربي المضادة للحرب في شوارع القاهرة وكانت ليلى سويف في الصفوف الأمامية وفي كل مظاهرة تقريبا. "بالطبع, المعلن كانت الاحتجاجات ضد حرب العراق"، ليلى تقول, "لكن هذا يعكس أيضا ضعف مبارك".
الديكتاتور من جانبه ارتكب أغلاطا أخرى زادت من التهاب الوضع؛ فلقد هيّأ ابنه جمال ليكون خلفا له. في شباط 2005 دبر مبارك إعادة كتابة الدستور, بحيث تبدو وكأنها ظاهريا السماح بالانتخابات المباشرة للرئاسة, لكنه في الحقيقة كان يتلاعب بالنظام بحيث تكون السيطرة لحزبه والى الأبد. في الانتخابات الرئاسية، في شهر أيلول ذاك حصل مبارك وللمرة الخامسة على رئاسة جديدة ولمدة ست سنوات وبمعدل 89% من الأصوات بعد أن اعتقل المرشح الأوحد ضده أيمن نور. وتحت ضغط داخلي وخارجي متصاعد قلل من تدخله في الانتخابات النيابة في نوفمبر 2005 ليرى الأخوان المسلمين يحصلون على 20% من المقاعد رغم أن حزبهم ليس مجازا.
في نهاية 2005 قمت بجولة في أنحاء مصر وتعرفت الى مقدار كره الشعب للحكومة. وللتأكد, ذلك الشعور المعادي ينطلق من حقيقة الركود الاقتصادي في البلاد الذي مكن حفنة من السياسيين والجنرالات أن يثروا بشكل خرافي, حصة أسرة مبارك منها تجاوزت المليارات, لكن هناك أيضا الشعور القوي المعادي للأمريكان, والذي يشكل شرخا كبيرا في المجتمع. ففي الوقت الذي ترى أمريكا في مصر أكثر حلفائها ثقة في المنطقة العربية, لعل جزءا كبيرا من هذه الثقة بسبب المعاهدة مع إسرائيل, لم أقابل أحدا في مصر من جميع الاتجاهات السياسية أو الدينية من وافق على  اتفاقية توطيد السلام مع إسرائيل, أو من لم يعتبر إعانات أمريكا لمبارك 2 بليون دولار سنويا، أمرا مخجلا للأمة. عصام العريان نائب رئيس الأخوان المسلمين قال لي ببرود حاد: السياسة الآن هي ما يقرره الشارع, وما على العاملين مع أمريكا إلا أن يكتبوا الحكم عليهم بالموت.
في أثناء ذلك الهيجان، أبدى ثلاثة من أبناء ليلى واحمد امتعاضهم من السياسة؛ لقد سبق أن اعترضوا على نشاطات والديهم. كان أولهم في ذلك التطور ابنهم علاء. علاء واحد من اوائل العاملين في الحاسوب والتواصل الاجتماعي –blogger- وحدث هذا أثناء مرافقته لليلى في مظاهرة احتجاجية في مايس 2005.
"أصبح مهتما جدا في الصحافة الشعبية"، تقول ليلى, "ولذلك كان يأتي إلى المظاهرة لا ليساهم بل لينقل ما يجري من تظاهر حول الدستور وعودة مبارك للسلطة".
لكن مظاهرة 25 مايس كانت أمرا آخر. فلقد كان بانتظار المظاهرة مجموعة من الأشقياء -البلطجية- استأجرتْهم الحكومة وبأيديهم العصي. هؤلاء نزلوا ضربا بالمتظاهرين بالأيدي والهراوات ووصل الضرب إلى ليلى. ربما لأنهم ميزوها كأحد قادة المظاهرة.
"كان هذا شيئا جديدا"، قالت ليلى "إن تضرب سيدة في منتصف العمر, وحينما رأى إبني ذلك هرع ليساعدني"،  فشمله الضرب "كسرت بعض أصابع قدمه. وذهبنا به إلى المستشفى, ولقد اكتشفنا فيما بعد أننا على جانب من الحظ. فبعد أن تركنا المكان هجم البلطجية على النساء واخذوا يجردوهن من الثياب ويضربوهن على ملابسهن الداخلية. وهذا السلوك تكرر في الآونة الأخير بقصد الإهانة, لكنه في ذلك اليوم كان قد بدا وكان علاء قد بدأ أول يوم اشتراكه في التظاهر. بناتي التحقن فيما بعد. منى التحقت بحركة القضاة للاستقلال, سناء اعتبرتها ثورة, لكن بالنسبة لعلاء فان تاريخ الشروع كان 2005".
ليلى سويف سيدة صلبة غير عاطفية. لم تأسف على اشتراك أولادها في النشاط السياسي. "لم أحاول أن أمنعهم، حتى ولو رغبت في ذلك؛ وقد رغبت فعلا لكني لم افعل. لا فائدة, لن يصغوا إليك على كل حال, ولن تثمر الجهود بأكثر من الخلاف والشجار".

 

مجدي المنكوش من ليبيا

مجدي المنكوش في الوقت ذاته كان في مصراطة ضمن حشد يتفرج على منظر لا يصدق.
على امتداد شارع طرابلس, وهو شارع رئيسي في المدينة, كان عمال البلدية يزيلون صور معمر القذافي المعلقة بأعمدة النور، مستخدمين الرافعات ذات المقاعد - cherry-pickers-.
كانت جزءا من محاولات الديكتاتور الليبي لإضفاء الرقة والرأفة على وجه حكومته. وبينما تبدو موجهة للشعب الليبي, فإن الحملة كانت موجهة, في الواقع, للاستهلاك الغربي.
في الأيام القادمة على غزو العراق, كان هناك كلام في أكثر الحلقات الحوارية خصوصية في زمن جورج دبليو بوش, أنه ما إن يتم التخلص من صدام حسين فإن معمر القذافي المزعج سيكون التالي. 
فما إن بدا الغزو على العراق, سارع القذافي إلى إقامة ترضيات مع الأمريكان. أبدى استعداده لتسوية دور بلاده في إسقاط طائرة بان أمريكان 103 في عام 1988 فوق لوكريي في اسكوتلاند، دون أن يعترف صراحة بالاقتراف. فلقد قررت الحكومة الليبية تخصيص 2.7 بليون دولار أمريكي لتعويض عوائل الضحايا وعددهم  207. وراح يفكك بهدوء برنامجه النووي  والبيولوجي والكيماوي، الذي لم ينبت ريشه بعد. وبهدوء أكثر تعاونت المخابرات الليبية والأمريكية في تبادل الملفات حول المشتبه بهم من القاعدة والسلفيين في المنطقة، وعلى الصعيد الوطني, كان الهدف, على الأقل, هو الإيهام بالتحرر السياسي, وكانت إزالة بعض الصور واللوحات والجداريات - عشرات الألوف منها - جزءا من المهمة, صور الزعيم الذي يحيط شعبه بجدار ورقي منها.
فكّر القذافي بعد ذلك بطريقة أفضل لتنفيذ تحولاته لتعديل ثوب المساواة الليبي. في عام 2006 أقامت الولايات المتحدة علاقات دبلوماسية كاملة مع حكومته؛ بُررت كاستجابة لتخلي حكومة ليبيا عن برنامجها للتسليح غير التقليدي. ساعد ذلك عامل آخر هو تعقد الأمور في المغامرة في العراق, ولا يبدو أن هناك حربا صليبية أخرى ضد الديكتاتورية العربية المتبقية, ويعني هذا إمكانية توقف القذافي عن سلوكه الإصلاحي. "لم تكن أكثر من قطعة مسرحية"، يقول مجدي "لم يتغير في الواقع شيء, وبعد بضعة أشهر, لا أعتقد أن أحدا يتذكر ذلك".
لكن يوم لاقطة الكرز الرافعة ذات المقعد لاستراحة عامل البلدية وهو يرفع صور القذافي عن أعمدة النور, ذلك اليوم لم يصل بعد في شارع طرابلس بمصراطة. لقد كان مجدي يراقب المنظر حين ظهر له من أحد الأزقة رجل متدلي الفك, قضى الرجل العجوز لحظة طويلة وهو يبحلق بالمنظر أمامه. ثم أنه هجم على صورة ملقاة, انتزع حذاءه وتلك حركة إهانة في العالم العربي، وأخذ يضرب وجه القذافي وسط تيار من الشتائم والسباب. عامل البلدية اقترب منه ليسأله عما يفعل. "لقد رحل ابن الزنا -bastard-  أخيرا, أليس كذلك؟" الرجل العجوز يسأل "هناك انقلاب؟".
وحينما عدّل العامل وقفته, تلعثم الرجل مبررا سلوكه لقد كان مريضا, ومرت به نوبات جنون، قبل أن يسرع فارا.
خلود الزيدي ـ الأردن, الولايات المتحدة, العراق

لم تهرب خلود من العراق وحدها. عبرت الحدود إلى الأردن مع أختها سحر. والتحق بهما بعد أشهر قليلة والدهما وأختها الكبرى, تأميم. اختار أخوتها الثلاثة البقاء في العراق مع والدتهم, عزيزة. وفي صيف 2007 اشتد قلق خلود على أخيها وسام, "فالحرب كانت في أسوأ حالاتها"، هي تقول "والشباب يختطفون من الشوارع وبقيت على اتصال هاتفي مستمر معه. قلت له أن لا مستقبل له في العراق, وعليه الخروج ليلتحق بنا. لكنه بقلبه الرقيق فضل ان يبقى للاهتمام بوالدتنا".
وفي مساء يوم من سبتمبر ذاك, وبينما كان وسام يمشي مع صديق له في احد شوارع الكوت, تصدى لهما مسلح ببندقية هجومية وارداهما بوابل من الرصاص وقتلهما معا. "لقد كان في عمر الخامسة والعشرين"، تقول بتأثر "بعض الناس يقولون إنه قتل بسبب الأعمال التي أقوم بها. أتمنى ألا يكون هذا صحيحا".
وبعد بضعة أشهر من مقتل وسام, واجهت خلود محنة أخرى, حينما كانت تعمل في منظمة غير حكومية, طلب احد رجال الأعمال الفاسدين, وهو أردني متنفذ, رشوة فردته خلود بشدة. ولقد كان من الخطأ التقاطع مع شخص مثله.. بعده بزمن قصير طلب منها مغادرة الأردن, ولما كانت واثقة من موتها لو عادت إلى العراق لجأت إلى الأمم المتحدة، ممثلية اللاجئين لترتيب سريع للجوئها إلى بلد ثالث.
لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية ضمن الإمكانيات غير المحتملة  للجوء. ففي 2008 ما زال الجنود الأمريكان متورطين في الحرب الأهلية في العراق. وقد شددت حكومة بوش على السماح للعراقيين باللجوء, فلو أنها سمحت لكل هذه الأعداد الفارّة؛ يوجد في الأردن فقط أكثر من نصف مليون نازح, لتناقض ذلك مع ما تدعيه من واقع الحرب؛ مع أنها اخففت ذلك أخيرا. وعلى ضوء المخاطر التي تواجهها خلود وضعتها هيئة اللاجئين، ضمن برنامجها الخاص المخصص للاجئين الأكثر تعرضا للخطر, ولهؤلاء بالذات هناك قبول أمريكي. في تموز 2008 أقلّتها الطائرة إلى سان فرانسيسكو.
من الصعب تصور حجم التغيير الذي حدث. من الشقة الضيقة المنهارة التي تشارك فيها والدها وأخواتها في عمان إلى شقة مريحة بسرير واحد في سان فرانسيسكو. وجدت خلود متعة بالغة في سكنها الجديد. "مجرد الشعور بحرية حركتي متى ما أريد ولا أفكر بمخاطر تقابلني. ولا اقصد الحرب بعينها, بل المخاطر التي تواجه المرأة لعراقية لو سافرت وحدها، ربما يحصل هذا في بغداد, لكنه لا يحدث في الكوت. هنا, في بعض الأيام  كنت أتجول لساعات طويلة في الباص أو المترو شيء لم أتخيله في السابق"، تقول خلود.
تطورت مرحلة عملها أيضا. في العراق درست خلود اللغة الإنجليزية لتصورها أنها تمنح المرأة فرصة أعظم لحرية المستقبل وخاصة للشابة. لكن الفرص في الولايات المتحدة الأمريكية بلا حدود. "بعد سنة, سوف احصل على البطاقة الخضراء -جرين كارد- وحينها سوف اطلب منحة دراسية -سكولارشب - لمواصلة دراستي. لقد تحولت إلى طموحة".
مصدر قلق واحد لديها, عائلتها المقسمة بين العراق والأردن. هي تعرف أن من في الكوت لن يتركوا الكوت, لكنها مستميتة لتخليص والدها وأختيها من النسيان والإهمال الذي هم فيه في عمان. ولقد باشرت ملء الأوراق اللازمة  لجلبهم معها حال وصولها إلى سان فرانسيسكو.
بعد 3 أشهر استلمت خلود أنباء جيدة وسيئة. تمت الموافقة على أختيها ولكن والدها رُفض. بقيت الأختان في الأردن انتظارا لنتيجة استئناف قضية والدهم. الرفض تكرر مرة أخرى لعلي الزيدي.
في شباط 2009, سبعة أشهر من وصول خلود إلى سان فرانسيسكو, لم تتوصل إلى أمل بالتحاق والدها بها. هنا قررت قرارا مصيريا: أن تذهب إلى الأردن وتثير قضيته مرة أخرى من هناك.
"أصدقائي في سان فرانسيسكو لم يفهموا ذلك". هي تتذكر "لماذا يجب أن تعودي وتتركي حياتك الجيدة هنا؟"، فكرت خلود لأول وهلة كما لو كانت تبحث عن إجابة "ولكن كيف أشرح لهم معتقداتي وتقاليدي؟ في العراق العائلة هي الأهم في كل شيء. لن تستطيع أبدا أن تدير وجهك عنها, كيف يمكن أن نتمتع بالحياة الجميلة هنا ونترك والدنا خلفنا؟ لن نستطيع أن نحيا مع عيب كهذا. وهكذا عدت".
في عمان طرقت خلود كل الأبواب التي تعتقد أن فيها أملا لوالدها, حتى لو لم يكن في أمريكا, في بلد أوروبي مثلا. لكن كل ذلك كان عبثا. والأسوأ  أنها قد سعت بقدميها إلى مشكلة قانونية. فلقد أُنذرت قبل مغادرتها سان فرانسيسكو من أن اللاجئين وفقا لقانون الهجرة الأمريكي الذين ينتظرون  الإقامة الدائمة والحصول على البطاقة الخضراء يجب ألا يغادروا البلاد لأطول من ستة أشهر.. وهي بعودتها والبقاء في الأردن خلود فقدت تصنيفها ضمن اللاجئين. والآن هي مع جزء من عائلتها أخرجته من العراق. اصبحتْ مقطوعة في البلد الأردن. لا تتمكن من العودة إلى بلادها, لا تتمكن من الذهاب إلى بلد ثالث, ضحية تحت رحمة السلطة في الأردن, وتلك راغبة في التخلص منها. 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي