رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

مطابع تونسية وأخرى عراقية!

قاسم حول

يسحرني شكل الكتاب الذي يصدر في الغرب. حجم الكتاب، حرف الكتاب، ورق الكتاب، وعلاقة عنوان الكتب بحجمه ونوعية ورقة. دخلت مطابع أوربية وشاهدت أسباب دقة الطباعة ولون الحرف. وكنت دائماً أتمنى أن تطبع مؤلفاتي بذات مواصفات كتاب الغرب. أتمتع بقراءتها أنيقة، وعندما أهديها لصديق لا أشعر بالخجل ولا أهدي الكتاب مضافاً إليه ولكن، الحرف واللون والورق وما شابه ذلك، وعليك أن تقبل هديتي!
خبرني صديقي عبد الكريم قابوس عن وجود دار نشر تونسية تطبع الكتاب بالمواصفات الفرنسية. وذهبنا صوب الدار. وجدت الدار مزدانة برفوف أنيقة في مخزنها والكتب مرتبة بطريقة تخلو من فوضى المخازن العربية. وتصفحت الكتب، فوجدتها بذات الأناقة الغربية، وعزمت أن أطبع مؤلفاتي الكاملة في تونس، الروايات، القصص، المسرحيات، المذكرات والدراسات السينمائية.
ما هي قيمة هذه المطبعة التي بدأت تطبع الكتب التونسية والعربية والتراجم بمواصفات مطابع الغرب؟! خطر في بالي أن أسأل الإدارة هذا السؤال!؟ أجابني أحدهم في الدار، بأنهم اشتروا هذه المطبعة بما يقرب من ربع مليون دولار. وهي مطبعة ليست كبيرة، مطبعة تعتمد المنهج الرقمي التقني، ولا تحتاج إلى العمال ولا تحتاج للجهد المبالغ فيه. ما عليك سوى أن تغذيها بمادة الكتاب والورق الذي تختار وتغذيها بتصميم الكتاب وتصميم غلاف الكتاب. ثم تطلب منها عدد النسخ التي تريد، فيخرج لك الكتاب مطبوعا أنيقا مغلفا وجاهزاً للقراءة!
وقفت متأملا وسرحت مخيلتي بعيداً. ربت عبد الكريم قابوس على كتفي ونبهني أن علينا المغادرة للتوجه نحو الجنوب التونسي، وكمن أيقظني من رحلة خيال، سألني أين ذهبت؟
إلى بغداد.. قلت له.
سرحت مخيلتي، ولست معنيا بمن يكون، البائع أو المشتري، أنهم اشتروا المطبعة وكما نشر بخمسة وعشرين مليون دولار. وهي مطبعة ألمانية، تم شراؤها من تركيا! ما يعني أنها مستعملة ومزفتة. أرسلت إلى بغداد بدون خبراء طباعة، يقومون كما هو متعارف عليه، بتدريب الكفاءات العراقية على الطباعة. فجلبوا خبراء من أفريقيا!
سيدي النزيه.. سيدتي النزاهة.. سادتي اللجنة.. هذا وطن عريق لا يجوز حتى أن تتأسس فيه لجنة للنزاهة، يمكن الإستفادة من طاقات منتسبيها، لشأن غير النزاهة. فالنزاهة عندما تستيقظ في أول الصباح، ستصل متأخرة لمقرها بسبب زحمة السير في الشوارع، وبسبب الحواجز في الطرقات، وهذا وحده يحتاج إلى التفكير بالنزاهة، لماذا هذه الزحمة في الطرقات وما هي أسبابها؟ ولماذا الحواجز في شوارعنا مدججة بالسلاح، فيما التفجيرات تميت الأبرياء، وهذا وحده يحتاج إلى نزاهة، ويحتاج إلى سؤال نزيه؟ لا بد من وجود خلل في الوزارات وفي الداخلية وفي الأمن والجيش. فإذا ما وصلت النزاهة إلى مقر عملها متأخرة بسبب زحمة الشوارع وأصوات المنبهات، فسوف يجلس النزيه دائخاً، لا يدري أية ملفات تسبق بعضها، وما هي الملفات المؤجلة أو المطلوب إنجازها. لا يستطيع النزيه أن يغلق سماعة الهاتف، وليس بحاجة إلى وضع آية قرآنية في هاتفه الجوال "قل أعوذ برفق الفلق من شر ما خلق" لأنه إن لم يرد على الهاتف فسوف يسمع صراخ منبهات سيارات الحماية تتوقف عند باب النزاهة كي يلتقيه رئيس المكون أو رئيس المليشيا أو رئيس العشيرة. وبالتالي في كل هذه الأجواء لن يستطع النزيه أن ينجز ملفاً واحداً من الملفات التي تكدست في مخزن الوثائق ومخازن ملفات الفساد، ملفات مثل ملفات "قضية كافكا وأورسون ويلز".
سيدي النزيه.. سيدتي النزاهة.. سادتي اللجنة.. الواقع يقول من الصعب عليكم أن تعملوا.. من الصعب عليكم أن تنجزوا حتى ملف واحد من الملفات الملقاة على عاتقكم. أصحاب "قضية كافكا وأورسون ويلز" يعرفون هذه الحقيقة أن ليس بإمكانكم إنجاز الملفات لأسباب تتعلق بحجم النهب الذي لم يحصل في التاريخ ولأسباب تتعلق بحجم الفوضى التي لم تحصل في التاريخ. الفوضى والنهب مؤسستان قويتان صنعتهما مؤسسات عملاقة ومن الصعب أن تتحرش النزاهة بهما، بل هما خط أحمر قان تسري في عروقهما دماء أبناء الوطن.. فالمسألة ليست مسألة مطبعة واحدة، وإلا فهو شأن يسير أن تفتح النزاهة الملف ويشار إلى المتهم حتى تثبت إدانته. أنها مسألة مطابع وأحبار وورق وأغلفة لا تتعلق بطباعة الكتب بل تتعلق بطباع الناس الغرباء الذين صنعتهم مؤسسات خارجية وحفرت وبنت أساسها بالكونكريت المسلح. أنها قضية مطبعة عاطلة عن العمل ومزفتة وموجودة داخل توابيت خشبية ومصدرة إلى العراق، مثلها مثل الأغذية الفاسدة والدجاج الفاسد وأجهزة الكشف البلاستيكية. مثلها مثل كل شيء في العراق. تذكرت وأنا أكتب هذا العمود "عبد المحسن بيك السعدون" عندما رفض توقيعه معاهدة مع بريطانيا عام 1925، فإتهم بالخيانة، فيما كان بريئا فأطلق على رأسه طلقتين، حين صعبت عليه مواجهة أهله وشعبه، فقرر الرحيل عن هذا الوطن!
* سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا  

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي