رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

علي آل تاجر.. النساء الجميلات هن النساء الوحيدات

سعد القصاب
كانت مشاركاته الفنية الأولى مقتصدة تماما في بدايات العقد التاسع من القرن الماضي. حضور يشخص في بعض معارض فنية جماعية تقام في بغداد. لوحاته تلك غلبت عليها موضوعات ذات اهتمامات ميثولوجية استمدت توصيفاتها من حكايات أو أساطير رافدينية تنحو إلى تمثيل تصويري طغت عليه انشغالات تعبيرية دأب على تشذيبها بتمهل وبات يعاينها بكونها نتاج محترفه الخاص.
كان الفنان علي آل تاجر "بغداد 1963"، مختلفا قليلا عن تجارب جيله الفني الذي ذهب إلى الحرب بعد أن أتم دراسته الأكاديمية وقدم منها ليجد عبارات مربكة في تفسيراتها مثل “القطيعة” و”التجريب” والتي حاول التغلب عليها بدافعية فهم ذاتي مغاير للعمل الفني.
ما تبقّى من هذا الإرث الشخصي بمنحاه التعبيري سوف يتعزز لاحقا بانشغال آل تاجر بفن الصورة الشخصية "البورتريه". تحديدا صورة المرأة الوحيدة المترفة القادمة من اللامكان والمتجملة بحداثتها المفعمة تماما بحسية الأنثى.
ثمة حنين تخلّفه لوحاته تلك لصورة المثال الجمالي الذي تستدعيه المرأة في حضورها الواقعي والمتخيل مرة بكونها شاهدا على هذا النموذج المرتجى ومرة ثانية بوصفها ربة الجمال والحياة. لوحات تمثلت أشكال نساء يتحلين بالحيرة والتساؤل والغموض وحاضرات بوجود شكلي تصويري خاص وفريد.
تجربة ابتكرت نموذجها في شكل ذات مكتملة ومستقلة تتأمل عالمها بألفة، وفي صورة أثر جميل مصحوب بالثناء لكونه مثالا حاملا لدلالة جمالية تسعى لتأكيد مبدأها العاطفي الذي يضاهي بدوره خبرة فنان يتطلع إلى لحظة انتماء خالصة في الفن بمقدورها أن تتمثل صور هانئة عن العالم.
منذ ثمانينيات القرن الماضي تخلّى المحترف الفني العراقي عن الاهتمام بفن الصورة الشخصية "البورتريه" لجهة الاهتمام بتوجهات فنية وأسلوبية كان شاغلها التجريب حينا بمناصرتها لفكرة الحداثة في العمل الفني واعتبارها مسعى يتوسم اللحاق بفكرة أن تكون اللوحة طليعية كي تكون فنانا جديدا، وحينا آخر لتكريس الاختلاف في المشهد التشكيلي العراقي الحافل بالتنوع. وكان ذلك يعني لفناني تلك المرحلة تضمين السطح التصويري للوحاتهم حسا مضافا من الخبرة الذاتية يستبعد المماثلة والتقليد.
لقد كان إرث فن الصورة الشخصية "البورتريه" قد تحدّر من قبل الفنانين الرواد، تحديدا، في خمسينات القرن العشرين، الذين تمكنوا من مهارات تشخيصية وجعل ما هو واقعي موضوعا فنيا أثيرا.
كانت اللوحات التي تنشد تمثيل المكان ووجوه أشخاصه سمة جمالية لمثل هذا الاهتمام. الفنانون مثل فائق حسن وحافظ الدروبي وعطا صبري أمثلة تصويرية بليغة لذلك العهد التأسيسي.
ثمة إضافة أخرى تحققت لفن الصورة الشخصية في ذلك المحترف مع التجارب التي تكرّست في العقد السابع من القرن الماضي بأثر اهتمام طاغ بالمضمون السياسي والاجتماعي والتي شخصت تجلياته عبر دلالات الشكل الإنساني تحديدا عبر صورة الوجه الذي لم تخل ملامحه في كثير من الأعمال من التجريب والمبالغة والتحوير الذي يصل أحيانا حد التشويه.
كان فعل اختزال لتمثيل الكائن الشاهد على إحداث العالم الصاخب والضاج، وقتئذ، بالحركات والحروب والأفكار المعارضة. وكان ثمة انحياز إلى الوجود الإنساني المعذب بوصفه موقفا يتحدى قساوة العالم ذاك. وليس سوى الوجه من يحتفظ بمغزى هذه الدلالة والإعلان عنها بشكل بيّن. عدا إلى كون المشهد السبعيني بدا حيويا بأثر تراكم الاتجاهات والتجارب الفنية المتعددة والجديدة والتي أوجدت بدورها اهتمامات مختلفة في التعاطي مع موضوعة العمل الفني لجهة تأثير الجانب الأيديولوجي والثقافي السائد وقتئذ.
منذ تلكم اللحظتين الجماليتين سينزوي فن الصورة الشخصية إلا باعتباره درسا مكرسا لتعلم ممارسة الفن في الأكاديمية الفنية.
تبقى إحدى فضائل الفنان علي آل تاجر في كونه استعاد هذه الممارسة الفنية وأدرجها ضمن تنوعات المحترف الفني العراقي على نحو لا يخلو من الاجتهاد. انشغالاته الأولى تمثلت شكل صور لفتيات أو نساء في ظهور مفرد لا يشاركهن حضور لآخر وبوضعية أمامية يحدقن بعينين متسعتين وملامح تؤثر التبسيط والاختزال.
استدعى آل تاجر نماذجه النسائية في تمثيل أيقوني. نماذج نساء متخيلات ولسن نساء واقعيات وجدن بذريعة خيال فنان أراد لنموذجه الفني أن يكون أثرا تصويريا خاصا يضاهي بوجوده انشغالا جماليا شديد الفرادة.
تعينّت القيم التصويرية في لوحات آل تاجر عبر صياغة تشخيصية تعتمد درجات لونية مشرقة متناغمة تبدو انتقالاتها البصرية هادئة ما بين ألوان صريحة كالأحمر والأصفر والأزرق، فيما تجاورها أو تتداخل في نسيجها ألوان باردة كاللون الوردي والأخضر ضمن معالجة يبدو خلالها اللون وكأنه بمثابة تحلية زخرفية متحققة جراء مساحات لونية كثيفة متوزعة بدراية سواء ضمن مساحة الشكل المشخص أو الفضاء اللوني الذي يحتويه، فيما سيكون الخط المنحني حاضرا كسمة تحدد ملامح الأشكال وتفاصيلها. هكذا ستبدو أشكاله مترددة بين تشخيصية تميل إلى التسطيح ببعد ثنائي توحي تفاصيله بعمق موهوم.
يبقي الفنان آل تاجر أشكال نسائه الوحيدات في فضاء غير متعين بدلالة وجود مكاني أو زماني، لكنه سوف يستدعي لاحقا تمثيلات رمزية لتعريف هذه الأشكال ومنحها فضاءات تعرف بوجودهن. استعاراته ستشكل لاحقا رؤية تصورية أكثر إيضاحا في تعريف موضوعة لوحاته. سترغب هذه الأشكال في أن تكون أكثر واقعية محاطة بمفردات ووحدات تصويرية تستذكر حدثا ذاتيا أو تاريخيا وبكونهن لم يعدن مشهدا لشكل جميل بل وجود عاطفي يؤرخ لحضوره.
ستحضر نساؤه على نحو شديد الاختلاف وربما يحتفظن بذات الإطلالة والتحديق إلى العالم بكامل حضورهن، لكنهن شاخصات في فضاء واقعي يمنحهن وجودا جديدا. نساء يبدين أكثر ألفة بفعل ظهورهن داخل حيز معيشي عائلي ويومي تحيطهن آنيات من الورد وستائر مزخرفة وقفص للطيور وحرز لإبعاد الحسد وتذكارات بيتية وسلة من الزهور تحوم حولها الفراشات.
يكرّس هذا الهاجس القائم على الحنين في لوحات آل تاجر الانشغال على محاكاة مشهدية غائبة إلى ابتكار توليف تصويري هو تكثيف لمجموع الدلالات التصويرية والحسية التي استدعاها الفنان في تجارب سابقة. عالم سيكون فيه المكان ممتلئا بتفصيله اليومي ووثائق حدثه الواقعي بشخوصه وفضائهم الحياتي وبكونهم شهودا على ذكرى بعيدة.
في لوحات تحمل عناوين "شرفة على نهر دجلة، "منوعات"، "شناشيل على دجلة" تجربة تستدعي زمنا سابقا وتاريخا تداعى لم تبق منه إلا رمزيته المتخيلة والتي ستحضر من خلال شخصية المكان البغدادي تحديدا، بأثر التذكارات التي يحتويها طرازه المحلي وعادات البشر الذين تركوا وجودهم فيه.
ثمة حساسية من انشغال تعبيري في تمثيل الأشكال من الشخوص والمفردات التصويرية الأخرى التي تحضر في صفة أشياء تؤثث لهوية هذا المكان المحلي. اللوحة لدى آل تاجر باتت وكأنها وثيقة تصويرية لتوصيف ذكرى والتفكر في زمن غائب.
أعمال لم تخل من سردية تصويرية تدّعيها شخوصه المرسومة في وضعيات تستعرض وجودها بمشهدية تنتمي إلى زمن لم يعد حاضرا. تحيطهم أشياء هي تفاصيل من عالمهم المنزلي اليومي شديد الألفة وكأن الفنان باستعادته لتلك العلاقة القائمة ما بين الكائن والمكان يستحضر فصلا لسيرة اجتماعية متخيلة أو ربما تجربة حياة اكتملت في الماضي.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي