رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

براكين الشعوب ..!!

قاسم حول

كلاهما رحل عن هذه الدنيا. الزعيم التونسي "الحبيب بو رقيبة" والزعيم الليبي "معمر القذافي". "بو رقيبة" له قبر واسع ينام فيه مرتاحاً، يزوره الناس ويترحمون عليه، ويذكرونه، الجيل الذي عاصره والذي لم يعاصره. كما يذكره الجيل الآتي. وعندما حاول الدكتاتور الإنقلابي "زين العابدين بن علي" حكم تونس بالحديد والنار فإنه لم يتجرأ على إزالة تمثال الحبيب بورقيبة، فنقله من العاصمة إلى مدينته التي ولد فيها "المنستير" ولكن حينما أسقط الشعب التونسي بإرادته وبربيعه العربي الحقيقي نظام "زين العابدين بن علي" اعادوا تمثال "بو رقيبة" إلى منصته العالية. ومع كل التحولات التي حصلت والصراعات التي تحصل في تونس فإن "بو رقيبه" بقي يحتل مكانة محترمة في نفوس التونسيين!
يوما، اجتمع الزعيمان التونسي والليبي، وكان الزعيم الليبي مثله مثل دكتاتور العراق، يتحرش بالحدود التونسية، وتمت تسوية الخلافات وأيضا من خلال حكمة "بو رقيبه" وفي ذلك الاجتماع نصح زعيم تونس، بأن يتوجه زعيم ليبيا لمنح الشعب الليبي حريته، وأن لا يحكمه بالحديد والنار وبالكتاب الأخضر ويفرضه على الشعب الليبي كمرجع أول وأخير للثقافة الليبية، وأن يمنح الليبيين حرية التفكير والإستقاء من الواقع والتاريخ الحكمة والبصيرة، وأن يمنح الليبيين حرية إصدار الصحف وإنشاء القنوات ومعالجة واقعهم بواقعية. أجابه الزعيم الليبي، بأنه لو اعطى الشعب الليبي أي هامش من الحرية فإنه سوف ينقلب عليه وينهيه، وهو يخاف أن تغرق السفينة الليبية في خضم أمواج الصراعات الدولية. كانت إجابة الزعيم التونسي "بو رقيبة" أن يطيح بك شعب مثقف أفضل بكثير من أن يطيح بك شعب جاهل! فإن أطاح بك شعب جاهل فإنه سوف يهشمك، وإن أطاح بك شعب واع فقد يحاكمك وينفيك أو يبقيك مواطناً في وطنك! لكن معمر القذافي "المجنون" لم يستمع إلى حكمة "بورقيبة" العاقل! 
هذا ما حصل، فلقد بقي "بورقيبه" مرتاحا في قبره وحيا في قلوب التونسيين بسبب وعي الحرية ووعي المسؤولية الأخلاقية، وهو يحافظ على وطنه ويحفظ ذاكرة الشعب في التاريخ والمعاصرة، ففي كل مدينة تشكل المتاحف ظاهرة تونسية ولها مؤسساتها المرموقة، وهو شعب يعيش بلا نفط ولا غاز ولا كبريت ولا زئبق أحمر، لأن الزعيم التونسي ترك لشعبه الحرية والوعي، فيما انقلب الشعب الليبي على زعيمه، وحاول القاتل "اغتصابه" وهو جريح ثم عندما لم يتمكن من ذلك أدخل السكين في خلفه، ثم أخذوه فقطعوا ذكورته ووضعوه في سيارة الخراف المذبوحة في سوق الجمعة. ثم أرسلوا ثمانية عشر نعشا في سيارات متوجهة نحو الصحراء وهي فارغة وادعوا دفنه في أوسع صحراء على وجه الأرض، كي يطويه النسيان. هذا ما لم يستمع إليه "معمر القذافي" من حكمة "بو رقيبه"!
يعيش شعبنا العراقي اليوم أكثر الحقب ظلاما في التاريخ، من خلال ليس ثقافة كراس الكتاب الأخضر الليبي، بل من خلال مجلدات من الخرافات الفارغة، عمرها أكثر من ألف وأربعمائة عام، وهي بكل تفاصيلها يستوعبها كراس واحد أكثر عتمة من الكتاب الأخضر وأقل ورقاً منه. فهي حكاية واحدة يمكن أن تختصر بسطرين، ويلتحق شعبنا بركب الحضارة الإنسانية. وكل ما طبع من المجلدات المذهبة والمفضضة، إنما هي مؤلفات منقولة عن بعضها ومستندة على روايات شفاهية ملتبسة تفتقر للمنطق وللمصداقية!
لم يفكر النائمون في صحوهم أن المصير الذي ينتظرهم أسوأ بكثير من مصير الدكتاتور العراقي، وحتى أسوأ بكثير من مصير دكتاتور ليبيا. سوف تنتظرهم أيام سوداء حالكة السواد، سوف يذهبون غير مأسوف عليهم، ولكن مثل ما رحل الدكتاتور غير مأسوف عليه وترك وطنا مهشماً يصعب إعادة بناء ليس عماراته والسكك الحديد والجسور، ولكن يصعب إعادة بناء الإنسان العراقي. وكذا هؤلاء الذين أتوا بعد حقبة الدكتاتور، فلقد أكملوا ما عجز عنه دكتاتور العراق، فعمدوا إلى إذلال الشخصية العراقية وإذلال الإنسان العراقي، في رزقه، في خبزه، في عيشه،  وفي حريته. وهذا الشعب العراقي له سيكولوجية مختلفة عن كل شعوب الأرض وغريبة بعض الشيء، فهو شعب يكظم غيظه، فيخزن الأحداث والكوارث وفقدان الأحبة والعوز والحرمان والضحكة والإبتسامة وموت النخيل وجفاف الأنهر والعطش وفراغ الصيدليات من الدواء، والمستشفيات من ملائكة الرحمة.. شعب يكظم غيظه، ولكن حين تهب العاصفة الهوجاء فإنه يتحول بذاته إلى بركان يخرج جحيمه من ذاته المجمرة فيصعب على الإطفاء إطفاء جحيمه، حتى يفرغ كل نيرانه ويسكن إلى البرودة. ولو اقتربتم منه فسوف تسمعون أنينه. شعب هكذا سيكلوجيته، على العالم أن يحسبوا له هذا الحساب!
سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي