رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

فيلم هندي ..!

قاسم حول

"راجي كابور وشامي كابور" نجمان من نجوم السينما الهندية إشتهرا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، المسمى "القرن العشرين" كانت أفلام "راجي كابور" لا تدر وارداً كبيراً لشباك التذاكر وكان يعمل أفلامه بصعوبة بالغة. وكان قد سبق أخاه "شامي كابور" في التمثيل وكتابة السيناريو السينمائي. وعندما ظهر "شامي كابور" حققت أفلامه أرقاما خيالية، يكاد العقل أن لا يصدقها.
عام 1968 إلتقيت "راجي كابور" في مهرجان طشقند في الإتحاد السوفيتي السابق. وسألته عن ظاهرة الفيلم الهندي وعن سبب عدم تفاعل الجمهور مع أفلامه، فيما صارت أفلام أخيه "شامي كابور" تحقق واردات خيالية لشباك التذاكر؟
قال لي راجي كابور نصا: "الشعب الهندي عندما يريد أن يختار الذهاب للسينما، فإنه يسأل عن عدد الأغاني في الفيلم، فيذهب للفيلم الأكثر غناء..! الشعب الهندي حتى الشحاذين منهم يجمعون الروبيات كي يذهبوا ليشاهدوا ويسمعوا الأغاني الحزينة لتعبر عن مأساتهم ويظهرون وبيدهم منديل أو يمسحون دموعهم بأطراف أكمامهم. وهكذا نجح أخي شامي كابور في كسب اللعبة!".
في وعينا الستيني من القرن الماضي، كنا نسخر من الأفلام الهندية لأنها أفلام يحكمها القدر وتبنى على الصدفة، وكل الأحداث لا يحكمها المنطق. وحين تحصل في واقعنا العراقي أحداث غير معقولة، فإننا نعبر عن ذلك بالقول "فيلم هندي" كنا نراقب الأحداث السياسية في العراق وفي العالم. ونراقب الإنقلابات العسكرية ونعقب عليها بالقول "فيلم هندي"!
وقراءتي اليوم لما حصل في العراق منذ مجيء البعثيين للسلطة في 17 تموز 1968، وإطلاق النار من سلاح الدوشكا في حدائق القصر الجمهوري وترحيل عبد الرحمن محمد عارف لتركيا، ومن ثم وليمة لحم الغزلان التي طبخها صدام حسين للعسكريين الذين نفذوا له الإنقلاب، وإعتقالهم بعد الغداء مباشرة والذهاب إلى التلفزيون العراقي وإذاعة بيان 31 تموز أي بعد أربعة عشر يوما من الإنقلاب، وبعدها الدخول في لعبة الجبهة الوطنية مع القوى الوطنية العراقية، وبعدها طردهم وتهجيرهم من الوطن وقصف الأكراد الذين كانوا في إطار الجبهة الوطنية، وكل الأحداث والحروب التي نفذها صدام حسين، وحتى سقوطه، إنما هو فيلم هندي من إخراج "شامي كابور".
بعد ذلك جاءتنا حقبة العمائم السود والحاكمين من التتر، وما فعلوه بثروات البلاد وإصدار العطل الرسمية لكل المناسبات، وتوجيه الناس للمسيرات المليونية وعرضها من خلال شاشات التلفزة وتحويل الشباب إلى راقصي باليه تراجيدية فاجعة بدلا من الإنتاج والعطاء والتوغل في العلم والمعرفة المنطقية والصحية، وتحويل المسرح إلى تمثيليات مضحكة يؤديها حدادون وتنكجيه يمثلون في الساحات دور الحسين والعباس والشمر بن ذي الجوشن.. كلها أفلام هندية من إخراج "شامي كابور" أما أفلام "راجي كابور" فلم تستطع مقاومة التيار الجارف الذي إعتلى صهوة براقه أخوه "شامي كابور" فاسرى به البراق ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى!
لم يحظ تيار "راجي كابور" بالإعجاب، مع أنه كان معبراً عن الواقع بقوة وبجمالية أخاذة. وكان جمهوره محدوداً يقتصر على المثقفين والنقاد والصحفيين وبعض عائلات الطبقة الوسطى التي يسحرها الفيلم الجميل، فيما إكتسح تيار "شامي كابور" الشارع الهندي بأثريائه وفقرائه الذين لم ينتبهوا إلى "راجي كابور" حين يعبر عن واقعهم الصعب ويحلل طبيعة المجتمع والفرد في بلاد الهند!
مثل ما حصل في السينما، وفي السينما الهندية بالذات بين تياري "راجي كابور" و"شامي كابور" يحصل عندنا الآن في العراق، ذات التيارين، تيار الوعي والثقافة والمعرفة، وتيار الخرافة والكذب وغسل الأدمغة وحشوها بالأفكار "التبنية" فيرقص الناس مع شامي كابور على أصوات قرع الطبول والصنوج، فهو "فيلم هندي" بإمتياز. ولعل أوضح مثال على هندية الأفلام التي لا يمكن أن تستقى من أرض الواقع، هو ما يحصل في البرلمان العراقي من أحداث وقوانين أحزاب وقوانين منع الخمور والإتهامات المتبادلة بصدد الفساد والإطاحة بفاسدين وابرياء وصعود مفسدين وهبوط أبرياء وإغراء مخدوعين وساذجين واستعمالهم واجهة لشتى الأغراض ومن ثم الإطاحة بهم. ومواكب سيارات الحماية والمخصصات المالية، كل ذلك ليس سوى "فيلم هندي" من اخراج "شامي كابور".
ولعل أجمل الأفلام الهندية التي نراها اليوم ما يقوم به بطل السينما الهندية في شمال الوطن، فهو يستفيد من فراغ المكان لسلطة تلفزيونية وهمية ويتجول في المدن المتاخمة لإقليم كردستان، ويرفع العلم على مؤسسات الدولة ويؤسس المليشيات ويستورد السلاح ويصدر النفط كما يشتهي، ويعقد الإتفاقات مع الأتراك الذين يضمرون له الكراهية ويبدون له الحب، ويتحالف مع الدولة العبرية ويكتبون عنه المقالات، مطالبين الولايات المتحدة الأمريكية بدعم الشعب الكردي، وهم يعرفون أن لا مستقبل لهم في معدل الحسابات القادمة، فيما بطل الفيلم يصدق هذه الأكذوية ويمشي نحوها حتى النهاية. وهو ليس سوى "فيلم هندي".
تحية لراجي كابور، ولرماد جثمانه الذي نثر فوق مياه بحيرة مونجو..! 
سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي