رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 30 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1718

«مقتل بائع الكُتب».. خطاطة لكتابة الرواية

كه يلان محمد
يستحيلُ تجاهُل ظلال أفكار وسلوكيات أي كاتب عندما تبدأُ بقراءة مؤلفاته، إذ يستعيدُ ذهنُك كل ما تعرفه عن المؤلف من خلال مقابلاته أو ما سبق أن نَشَره عن شخصيته وخلفياته المعرفية، وبهذا يكون المستهلك أو القارىءُ مساهماً في إبانة خيوط مُتشابكة بين شخصية الكاتبِ وإنتاجه النصي، وذلك ما ينهض به متلقي رواية "مقتل بائع الكُتب" الصادرة من دار السطور 2016 وهي ضمن العناوين التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر.
للكاتب والروائي العراقي سعد محمد رحيم إذ ما أنْ ترى عنوان هذا النص الروائي بما يحمله من وظيفة إغرائية وما يتضمنَهُ من بنية خبرية مشحونة بسؤال مضمر حتى يتداعي إليك ما ذكره صاحبُ "ترنيمة المرأة.. شفق البحر" عن علاقته بعالم الكُتُبْ وما صحبه من العناوين في رحلة العمر، وهذا ما يشدك أكثر إلى عالم روايته الجديدة.
الأكثرُ من ذلك تجدُ في مُستهل العمل ما يعودُ بنا إلى تجربة الكاتب الحياتية ومُعاناته مع سوء الأوضاع الأمنية في بلده حيثُ تردُ إشارة في الرواية إلى إضطراره لمغادرة مدينة بعقوبة مثلما تحدث عن ذلك في مؤلفه "إستعادة ماركس" أيضاً.
عندما نقول هذا الكلام لا نقصد من ورائه إسقاط حياة الكاتب على الرواية، هذا ما يتعلقُ بالإنطباع الذي تأخذه عن العمل للوهلة الأولى قبل أن تكتشف جوانبه الأخرى إذ ما يلبث المؤلف إلا أن يزج بك عبر شبكة من التقنيات المتنوعة إلى أجواء الرواية، كما يطمحُ إلى أن يُشرِكَ القارىء تفاصيل معماره القصصي الذي يُشيدهُ على عنصري الحدث والشخصية.
كما تحوي طيات "مقتل بائع الكتب" ثيمات مُتعددة من الحب والعنف السياسي والهروب وازدواجية المُثَقَف والنزاع الحضاري، وقهر الإنسان شرقاً وغرباً. غير أنْ ما يُكسي هذا العمل فرادته هو الإهتمام بالأسلوب على كل المستويات إذ تبلغ المادة الحكائية في توزيعها المنتظم درجة الإتقان القائمة في توليفات موسيقية قد وفق الكاتبُ في تحديد دائرة الشخصيات، فكل شخصية على حدة تُشاركُ بما لديها من المعلومات حول "محمود المرزوق" في ملء المربعات، وما يضيف بُعداً جمالياً لهذه الطريقة في صياغة القصة الأساسية هو أن المعلومات تنمُ عن وجود صور غير مُتَطابِقة عن "بائع الكُتُبْ".
وضمن هذه القصص المروية لا يغيبُ صوت محمود المرزوق أيضاً بل هو موجود في المتن الروائي بيومياته المكتوبة في دفترين الأولُ عبارة عن رصد لما وقع بعد سقوط النظام السابق منذ لحظة سقوط التمثال في ساحة الفردوس، والثاني يكشفُ جانباً آخر من حياة محمود المرزوق في باريس وبراغ.
هكذا يكون الراوي ليس إلا وسيطاً محايداً لينقلَ لك ما يتوصل إليه من مُعطيات جديدة وهذا الدور مُناسبُ تماماً مع الموقع الوظيفي للراوي، فالأخيرُ يَعْمَلُ صحافياً بجريدة "الضد" إذ يتلقى ماجد البغدادي اتصالاً هاتفياً، فالمُتكلمُ يطلبُ منه القيام بتدوين سيرة حياة "محمود المرزوق" وذلك بعدما يَنتشرُ خبرُ مقتله من خلال سابتايتلات القنوات الفضائية.
بعد الموافقة على كتابة سيرة حياة "محمود المرزوق" يقيمُ الصحافي ماجد البغدادي في بعقوبة بمنزل شحص يدعى حيدر يتعرفُ عليه من خلال مُصطفي كريم، فالأخير مُكلف برعاية المشروع إذ يَفْتحُ الصحافي القادمُ ملفاً للقضية بإسم "مقتل بائع الكُتب" ومنْ هنا يُبرزُ الكاتبُ خصوصيته، وذلك يَتَمثَلُ في إيرادِ صيغ وأشكال تواصلية متعددة بين الشخصيات، حيثُ يواكبُ سعد محمد رحيم التقنيات الحديثة في عمله.
هناك أكثر من قناة لإجراء الحوار بين الشخص الصَحافي وأصدقاء "صاحب الكُتُب" إذ ترى ماجد البغدادي متواصلاً مع سامي الرفاعي عبر شبكة التواصل الإجتماعي، فالأخيرُ يزودُه بمعلومات حول "محمود المرزوق"، وفي أثناء المُحادثة بين الطرفين يُشارُ إلى كتابة الرواية، كما يُنبه سامي الرفاعي إلى ضرورة تثبيت عبارة السيرة بجانب مُفردة الرواية على غلاف الرواية مع وجود صورة مؤثرة.
فضلاً عن ذلك ثمة صور لشخصية "محمود المرزوق" في مدينته وخارج مدينته يُعرضها مصطفي كريم على الصحافي بغرض توضيح جانب من مظاهر شكلية لمحمود المرزوق، واللجوء إلى الصورة ضمن السرد الروائي يذكرنا بالكاتب الفرنسي باتريك موديانو حيثُ يستفيدُ مؤلف "مستودع الطفولة" من الصور الفوتوغرافية لبناء حبكات نصه الروائي، فالأمرُ لا ينتهي عند هذا الحد بل تستمع إلى صوت محمود المرزوق حينُ يشغلُ هيمن قرداغي جهاز المسجل يحضرُ بائع الكُتب بصوته مُتحدثاً عن تجربته في فرنسا وبراغ.
ونعرف بأن هذا الحديث جاء في سياق استضافة أتحادُ الأُدباء لمحمود المرزوق، فالأخير يعلنُ على الرؤوس الأشهاد بأنَّه يفضلُ المدن الآثمة والكتب الآثمة والنساء الآثمات كما تكتشفُ براعة في التحاشي عن الأسئلة السياسية الحساسة ومُتابعته الأدبية
إضافة إلى ذلك يتحرى ماجد بصحبة فراس سليمان ابن أخت المقتول في سرداب كان مكان إقامة بائع الكتب ومحله لبيع بضاعته المعرفية، هناك يتم العثور على ما دونه محمود المرزوق في دفتر واختار له عنوان "يوميات الخراب" فهو قد كتبَ في هذه الأوراق انطباعاته لما طرأ من التحولات عقب إسدال الستار على مرحلة في تاريخ العراق، وبدء مرحلة أخرى وما تحمله من ظواهر جديدة.
وتأتي الإشارةُ إلى هذه التحولات في طبائع الفرد من خلال بعض جمل ومواقف مُعَبَرة، رغم قلة الإقبال على إقتناء الكتب لكن يُصادفُ محمود المرزوق من يسأل عن عناوين غريبة.
وما ينبغى ذكره هنا أن ماجد البغدادي يجدُ الكتب التي كان يقرأها محمود المرزوق في أيامه الأخيره قبل أن يلقى حتفه مثل "موسم الهجرة إلى الشمال، العراق لحنا بطاطو، الإستشراق جنسيا". لم تُذْكرْ هذه العناوين في سياق الرواية إعتباطاً بل هي تتسق مع الظروف والأجواء التي يمر بها العراق ما يُحَتِمُ على المثقفُ مراجعة الأمور والمعتقدات السائدة.
هناك تلميحُ في هذه اليوميات إلى امرأة يفهم المتلقي بإنها هي المرأة نفسها التي يكني بها باسم غادة في حديثه باتحاد الأُدباء، ومن ثُم يتضح بأن غادة هي الفتاة التي أحبها محمود المرزوق، ولكن شاءت الأقدار أن لا يتكلل هذا الحب بارتباط دائم إذ تزامن اليوم المحدد لإقتران محمود بحبيبته مع الإنقلاب العسكري في سنة 1963 فكان محمود من الذين شملتهم حملات الإعتقال حيث يتم نفيه بقطار الموت إلى مُعتقل نقرة سلمان.
نجح الكاتبُ في إيهام القاريء بأنَّه مشاركُ في صياغة هذا العمل، وما يضاعف هذا الأحساس هو أن ما يُسندُ إليه بدور الراوي في النص لا تفوق معرفتهُ على معرفة المتلقي بل أن الطرفين على مستوى واحد من الوعي لذلك يتعدى الشعور بالمُفاجأة لدى ماجد البغدادي، كلما وجد الأخير ما يغني مشروع كتابه إلى المتلقي، وهذا ما يتجسد في اتصال رباب بماجد ما يستدعي عودته إلى بعقوبة للحصول على دفتر آخر سجل فيه محمود المزروق طرفاً من تجاربه في براغ وفي فرنسا.
هنا تتبين براعة الكاتب في الدفع بشخصياته إلى مسرح الرواية بحيث يخدمُ هذا الأمرُ عملية تَرابط بين أجزائها تتجاور قصة الصحافي والعلاقة العاطفية القائمة بينه وبين فاتن مع القصة المحورية.
يتسلسل السردُ على هذا المنوال وبالوصول إلى صفحات النهاية ومعرفتك بإعتقال القاتل مع احتمال القتل عن طريق الخطأ دون البت في الموضوع، تدركُ بأن عليك كمتلقٍ المشاركة في تشكيل النهايات.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي