رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 ايار( مايو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1734

13 عاما من التمزق فـي العالم العربي

ترجمة/ د. جاسم الهاشمي
لم يسبق لـ "نيويوك تايمز" الامريكية، أن تنشر قصة كهذه: "إنها أطول ما نشرته مجلتنا"، كانت محصلة تقارير استغرقت 18 شهرا، تدور حول الكوارث التي حلت بالعالم العربي، منذ غزو العراق قبل 13 سنة، والذي قاد لظهور داعش ـ ISIS ـ وحتى الأزمة العالمية للاجئين في العام 2016. جغرافية تلك الكارثة واسعة، وأسبابها كثيرة، لكن نتائجها الحرب والحيرة التي تلف العالم.
سكوت اندرسن، مقدم القصة بأكملها من خلال شخصياته في مصر وليبيا وسورية والعراق و(كردستان العراق)، المصور باولو بيلجيرن وملفاته العشر التي جمعها في سفراته المتعددة في المنطقة، وخلال 14 سنة في تجربة عينية بارزة الملامح، عاشها المصور مع القوات العراقية لاستعادة الفلوجة. لم يسبق أن خصصنا عددا كاملا من المجله لقصة واحدة، ولم نكن نفعل ذلك لولا قناعتنا بأن ما نقدمه من القوة والواقعية لشرح ما جرى من أخطاء بشرية لم يسبق للقارئ أن يتعرف إليها.

جيك سلفرشتاين ـ رئيس التحرير

مجد إبراهيم ـ سوريا

أمضى مجد ثلاثة أشهر في دمشق يغيظه الابتعاد عن بيته. ومع أن الأجواء في دمشق هادئة إلى حد ما، لكنه يحن إلى بيته ودراسته. وأخيرا في مايس 2012  استقرت الأمور في حمص لتسمح بإعادة افتتاح الجامعة.
لم ينقطع مجد عن الاتصال بوالديه وأصدقائه طيلة مكوثه في دمشق.. فهو يعرف أن القتال يتركز في جنوب المدينة في باب عمر، وكان الدمار واسعا, لكنه لم يصدق. "وفي عودتي عبر الطريق بالمنطقة ذاتها وجدتها خرابا. كل شيء مضى. حاولت أن أفكر للعثور على شيء ايجابي قدر الإمكان، يجب أن يأتي كل فرد ويرى هذا. لو رأى الناس باب عمر الآن, فقد يكون ذلك درسا لهم. سيعرفون وقتها معنى الحرب ودمارها". سذاجة هذا الشعب صارت واضحة؛ ففي غضون أسبوع واحد من عودة مجد. عادت المعركة جدية مرة أخرى.. في هذه المرة استهدف النظام المتمردين في الخالدية وجوارها.. المدافع السورية اتخذت لها مواضع بعد منطقة وعر  وهذا معناه مرور القنابل فوق شقة آل إبراهيم طوال الوقت.
"حينما كانت تمر فوق رؤوسنا نحسبها تمتص الهواء معها. لا اعرف كيف أصفها. لكنك تحس بها داخل رئتك. كان من الصعب عليك أن تتنفس ربما لنصف دقيقة, كأن الأوكسجين قد ذهب".
القتال في حمص اشتد أواره في صيف 2012. الجيش السوري يستهدف كل منطقة يمسك بها المتمردون, واحدة بعد الأخرى. المشاة يتقدمون تدعمهم الدبابات  والمدفعية والسمتيات.
وخلاف كل شيء ظلت منطقة وعر, منطقة الطبقة المتوسطة, واحة هدوء نسبي. يوعز مجد ذلك إلى طبيعة السكان المختلطة؛ فهم علويون ومسيحيون وسنة, والمليشيات لم تنشغل باحتلاله والجيش السوري لم ينشغل بها طالما لا تأتي منها النيران.
في خريف 2012 وقبل انتهائه رصد مجد تزايد عدد المسلحين من حملة الشارات والعلامات المميزة. وأكثرها من الجيش السوري الحر ـ أف أس أي ـ. الميليشيا رصدوا مجد بدورهم.. عمره يليق بالمعارك تماما وهو في العشرين, لقد لاحظ ان مجازفته بالذهاب إلى الجامعة أصبحت مكلفة لأن المسلحين يريدون أن يعرفوا الجهة التي يتحالف معها, أو يوبخونه لأنه لم "يلتحق".
واستجابة للتوتر المتزايد في وعر اضطر آل إبراهيم إلى تأجير بيت كملجأ لهم من الحرب, وهو إجراء لجأت إليه أغلب الأسر المتمكنة. فلقد هجرت الكثير من الأسر مساكنها في حمص وظلت الشقق متوفرة وغير مسكونة. والد مجد اتصل بأسرة هاجرت إلى دمشق واتفق معهم على تأجير شقتهم في الأطراف لاستخدامها عندما تسوء الأمور في وعر. في البدء تردد آل إبراهيم على السكن الجديد بين الحين والآخر, ولكن في 2013 ازدادت المعارك انتشارا؛ فشملت منطقتهم مرتين أو ثلاث في الأسبوع. وكان همهم سلامة ولدهم من المليشيات.
"أغلبهم كانوا أفرادا من الجوار وقعت أيديهم على السلاح". يشرح مجد قوله, "انا اعرف عددا منهم، فلقد كبرنا سوية, فكان هذا عاملا مساعدا, إلا أن آخرين غرباء أتوا, وهؤلاء كانوا متصلبين. الكثير منهم من نجا من معارك بابا عمر والخالدية. وهم يشكون في كل شيء. ولا احد يعرف ما هم قادمون على فعله".
ما يزيد الأمر سوءا أن الكثير من المقاتلين كانوا يستخدمون العقارات, متعودين على تناول نوع من الامفيتامين يسمى كابتوجون، يجعلهم في يقظة وانتباه لأيام, ويعادلون تأثيره بعقار آخر اسمه زولام، لتسكينهم.
من بين المجاميع المختلفة التي أتت إلى وعر للقتال، ولجنة الدفاع عن النفس   واحدة منها، احتفظ مجد بازدراء خاص لمجموعة الجيش السوري الحر، الذين تأمل الدوائر الأمريكية العثور من بينهم على أفراد علمانيين، يمكن أن يؤمّنوا الديمقراطية لسوريا. لم يجد مجد فيهم غير عصابات من الانتهازيين والجبناء.
يقول مجد "على الأقل, يمكن أن تجد لدى الإسلاميين معتقدا وتنظيما. أما هؤلاء - الجيش الحر - فليسوا أكثر من فتيان يحملون البنادق ويتجولون بها يخيفون الآخرين. والطريف أنهم أول الخائفين, فلو أن مجموعة أخرى وردت إلى المنطقة نجدهم يسرعون بالانضمام إليها".
في احد الأيام صادف مجد أحد أمراء الجيش الحر, وهو شاب تعرف عليه حديثا لا ينقطع عن التدخين, وهو في هذه المرة جالس والاكتئاب يغطيه, ولا يدخن. سأله مجد لم لا يدخن, فأجاب انه ترك الجيش الحر وانتمى إلى وحدة تمت السيطرة عليها من قبل الإسلاميين الذين حرموا التدخين أو منعوه.

مجدي المنكوش ـ ليبيا

في بحثه عن جثمان صديقه جلال, عثر مجدي على مأساة بأبعاد أكثر خطورة.. كل طرف في الثورة الليبية, على ما يبدو, قد اخذ دوره في قتل طلبة الأكاديمية الجوية. كما في حالة جلال, قوات القذافي استعملت البعض منهم كطعم ضد الثوار, لكنهم من جانب آخر أعدموا البعض منهم لأنهم ببساطة كانوا يحاولون الذهاب إلى منازلهم.. بالمقابل الثوار بعد قتلهم العديد من الطلبة في ميدان المعركة, اعدموا عددا آخر بتهمة الولاء للنظام, في أوج النصر. في بواكير 2012 العشرات من الطلبة الناجين من إراقة الدم الجماعية أودعوا في سجون الثوار, بينما الكثير منهم يعيش مختبئا. من بين 580 زميلا له في الأكاديمية الجوية في مصراطة، يقدر مجدي أن 150 - 200 قد قتلوا في الحرب والكوارث التي أعقبتها.
"ولم نكن أكثر من طلبة"، هو يقول "هذا هو كل ما كنا عليه. استخدمَنا الفريقان. قتلَنا الفريقان".
بالرغم من كل ذلك, مجدي متفائل من مستقبل ليبيا ما بعد الثورة؛ البلد يملك البترول, والشعب الجيد. والرغبة بحياة أفضل بعد 42 سنة من العقيد القذافي. لكنه يعتقد أن الزلة الكبيرة الأولى حدثت عندما أعلنت الحكومة الموقتة في طرابلس ـ المجس الوطني الانتقالي ـ أنها ستدفع رواتب لجميع من قاتل نظام القذافي. وفي بحر أسبوعين فقط, عدد الثوار المقدر وبكل كرم 20000, أصبح  250000. والأسوأ, بنية التعويض الذي أذعنت له الحكومات الغربية المتحالفة مع المجلس الوطني الانتقالي, خلق مبررا لنشوء مجموعات مسلحة جديدة لا تخضع للقيادة المركزية, وتلك أفضل طريقة للمطالبة بحصتهم من الكعكة. وبانقضاء 2012 _ تنوعت المليشيات الليبية - منها الأصيلة المؤلفة من متطوعين وطنيين ثوريين, ومنها القبلية أو العصابات الإجرامية, وبذلك تفكك البلد إلى إقطاعيات -fiefs- متنازعة, ممولة من قبل الحكومة المركزية التي يضعون تحتها الألغام. انعدام الاستقرار هذا صار واضحا لحكومة أوباما, بعد الهجوم على المجمع الدبلوماسي  الأمريكي في بنغازي في سبتمبر 2012, والذي أسفر عن قتل السفير –J Christopher Stevens- و3 آخرين.. مجدي, من جانبه أحس بنوع من غياب الوهم حين حصل على شهادة إكمال متطلبات هندسة الاتصالات.
"أنا لم أكمل أي شيء. لم تكن هناك صفوف لعام ونصف, لذلك فتلك الورقة لا تعني شيئا.. لكن هذه هي ليبيا الجديدة, كل شيء كذب وفساد. ربما كنت أركز بتفكيري في هذا الموضوع بسبب المسيرة التي مرت بي, وموت أصدقائي في الأكاديمية. في جميع الأحوال لم أتقبلها. ها هي, خذ هذه الورقة, لا تخبر أحدا. اعتبر نفسك مهندسا". ربما يتعامل آخرون مع الأمر بطريقة مختلفة, أو يفكرون به من نواحي سياسية. لكني وأنا استلم الدبلوم شعرت أن الثورة تعرضت للخيانة وان دولة ليبيا دولة فاشلة".
وجد مجدي نفسه أمام خيارات صعبة؛ إما أن يستعمل دبلومه لحلْبِ ما يتمكن من الدولة من عمل، بلا طائل أو يعيد الكرة ويبدأ من جديد. في السنة التالية سجل نفسه في جامعة مصراطة ليدرس الهندسة. وفي وقت عودته للدراسة ارتبط مع مجموعة تهتم بالبيئة, مركزها في طرابلس أطلقتْ على نفسها (أحباب الشجرة) ـTree Lovers ـ. لقد كان معجبا جدا بتوجه المجموعة وافتتح فرعا لها في مصراطة. ورغم ان التمويل والوسائل شحيحة, استطاع مجدي وبعض المتطوعين زراعة الزهور والشجيرات على امتداد عدد من الدروب في المدينة وحثوا الأهالي على الاهتمام  ولو بالقليل من النباتات الخضراء التي تمتلكها ليبيا. "الصحراء تنتشر في مساحات ليبيا الواسعة والطريقة الوحيدة"، يقول "في وقف التصحر هي الأشجار والتشجير".
هناك دوافع أخرى لمجدي بخصوص عمله. من الظواهر المحيرة لدى الجنود السابقين هي ميلهم للوحدة, للاعتزال, ليكونوا في الخارج مع الطبيعة, وعندما زرته في مصراطة, كان مجدي راغبا في أن يريني الغابة التي أولوها اهتمامهم, هو وزملاؤه من المحافظين على البيئة. انطلقنا بسيارتنا خارج مصراطة؛ حيث الحقول المزروعة والقرى الصغيرة في جنوب المدينة.
لم تكن غابة مجدي أكثر من صفين من أشجار الصنوبر الضامرة زرعت عل جانب طريق زراعي, تغمره في كل مكان نفايات المتنزهين غير المبالين, لكنه كان فخورا بها, تخطى فوق النفايات وسحب أنفاسه بين شجيرات الصنوبر يشم رائحة الصنوبر المميزة وعى وجهه ابتسامة الرضا.

ليلى يوسف ـ مصر 

لم يكن هناك أسوأ من أخبار 28 مايس، 2012 في نظر ليلى يوسف. مفوضية الانتخابات الوطنية أعلنت بعد الظهر أسماء الرجلين المتنافسين في الانتخابات الرئاسية لأول مرة في تاريخ مصر. كان هناك 13 مرشحا, والوحيد المؤكد في تقدمه كان محمد مرسي قائد الاخوان المسلمين, الحزب الذي وحّد المصوتين الإسلاميين ليكون كتلة انتخابية مهمة. وبالضد منه, كانت ليلى مستعدة لدعم أي من المرشحين عدا واحد, احمد شفيق, رئيس وزارة سابق في زمن حسني مبارك. وفي ذلك اليوم أعلن أن المتنافسين الوحيدين هما مرسي واحمد شفيق.
"وإذن ما العمل؟" طرحت ليلى السؤال بفصاحة". مرسي غير مقبول تماما, لكنه الآن لوحده في الساحة بمقابل احمد شفيق. نحن في موقف عالق.. حسنا, كلا لشفيق بلا نقاش لأن ذلك يعني العودة إلى عهد  مبارك. إذن...".
ليلى سويف اليسارية المدافعة عن المرأة وجدت نفسها تصوت لرجل يعلن انه سيعيد مصر إلى القيم الإسلامية التقليدية. الكثير من المصريين كانوا مذعورين إزاء الاختيار الذي طرح أمامهم؛ في دورة حزيران حصل مرسي بشق الأنفس على نسبة 51.7%.
في خطاب الافتتاح بتاريخ 30 حزيران وعد مرسي بان "مصر الجديدة سيكون فيها الرئيس موظفا في خدمة الشعب". وربما كان الأصح أن يقول خادما للأمة العميقة, ففي أيام قليلة من تسلم الرئيس الجديد منصبه, القيادة العامة للقوات المسلحة -المجلس الأعلى- SCAF-  وهي الزمرة -junta- العسكرية التي حكمت مصر منذ سقوط مبارك, نقلت معظم صلاحيات رئيس الجمهورية إليها, جاء ذلك بعد أمر قضائي من المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان المنعقد وقتها, البرلمان الذي يمثل فيه الأخوان المسلمون الأغلبية هم والكتل الإسلامية السياسية الأخرى. وفي اليوم الذي باشر فيه وظيفته كان رئيسا صوريا, الجمهور كان بمواجهة ديموقراطية سليبة مسبقا.
حاول مرسي انتزاع صلاحياته بعزم لا حدود له. تجاهل أمر المحكمة الدستورية  وأمر المجلس المنحل ذا الأغلبية الإسلامية السياسية, بالعودة إلى جلساته. وبكل جسارة, عزل القيادة العسكرية, بما فيها وزير الدفاع القوي ونصب مكانه الرجل الأول لديه عبد الفتاح السيسي, الجنرال الذي ألقى المحاضرة على احمد سيف  عندما كان موقوفا في 2011.
لكن مرسي غالى في خطواته وأساء. في أكتوبر 2012, حاول أن يوسع من صلاحيات رئيس الجمهورية بمرسوم. لكنها كانت خطوة غير محسوبة, أثارت الذعر في صفوف المعارضة العلمانية وفي أعماق الدولة, من الزحف السياسي الإسلامي المستمر – creeping islamization -. وبسرعة تراجع عن بعض بنوده الرئيسية. لكن الضرر قد نشب؛ في جولة جديدة من الاحتجاجات على مساحة مصر, أنكر الجمهور على مرسي محاولته ليكون فرعون أو آية الله.
وهنا كان الافتتاح المنتظر للانشقاق التقليدي الحاصل بين السياسيين الإسلاميين والمعارضين العلمانيين. لعقود مضت والجنرالات المصريين يقمعون الإسلاميين المسيسين وخاصة الأخوان المسلمين، باعتبارهم اكبر تهديد للدولة العلمانية الحديثة, وهم قد نصبوا أنفسهم حماة للدولة العلمانية منهم. هذه الإستراتيجية تعطلت خلال أيام الاندفاع الثوري, بانقلاب التقدميين والإسلاميين معا ضد الجنرالات، لكن احمد سيف لاحظ سهولة الانشقاق عن ذلك. في اجتماع لنشطاء حقوق الإنسان نظمته  لجنة العفو الدولية, في السنة التي كانت مصر تحت سلطة العسكر, تكررت مناداة المتكلمين واحدا بعد الآخر، وهم يحذرون, من احتمال فوز الإسلاميين في الانتخابات.. واحد من الحضور - سكوت لونج - يتذكر الشخصية الوديعة -احمد- وهو يصفع المائدة بيده: "لن اقبل رأيا أمريكيا أو من لجنة العفو أو من أي كان يقول لي أننا يجب أن نتحمل الديكتاتورية العسكرية لنتجنب مجيء الإسلاميين هؤلاء". هو يقول "لن أتقبل مثل هذه الاختيارات الزائفة".
والآن بمغالاة مرسي كرئيس جمهورية, "ذلك الاختيار الزائف" أصبح جليا وواضحا باستمرار.
"كان واضحا جدا ما تفعله السلطة"، تقول ليلى "في البدء, امنعوا أي شيء يريد مرسي أن يعمله, بحيث لا يقدر على شيء. ’هو رئيس جمهورية خائب‘، وثانيا غذّوا المخاوف منه. وذلك كان سهل التنفيذ، لأن سمعة الإخوان المسلمين والدعاية ضدهم تعود إلى أكثر من خمسين سنة ’فهم إرهابيون‘"، ولا بد أن لسمعتهم هذه من  سند حقيقي: في 1990 الفئات المعارضة من الإخوان المسلمين تحالفت مع المجاميع الإرهابية العاملة.
في ربيع 2013 تحولت مصر وبسرعة إلى حالة من الاستقطاب بين مرسي وجماعته من الإخوان المسلمين وبين كل الناس الآخرين تقريبا. والطريف أن نفس الشباب الذي امسكوا الشوارع في 2011 يطالبون بالديمقراطية يطالبون الآن بسقوط مرسي.. أكثر من ذلك طرافة أنهم اعتقدوا أن الجانب المؤهل لإزاحته هم العساكر المصريون.
لم يكن ذلك ببساطة فقدان ذاكرة لدى الجماهير. للمجتمع المصري دائما تقدير خاص لجيشه, وتلك المحبة تغرس في ذهن التلاميذ منذ المدرسة الابتدائية. ونتيجة لذلك, حتى في عهد مبارك, كان الكثير من المصريين يعتقد أن الجيش, بطريقة ما, بمعزل عن الديكتاتورية البغيضة التي يدعمها.. بغض النظر عن كون العسكريين المصريين يمتلكون شركات بناء, ومعامل هندسية, وحتى مصانع معكرونة, الذين نزلوا على الشارع يتذكرون أن من أطاح بحسني مبارك قبل سنتين, لم لا يكرر المحاولة؟
"اجل، تستطيع ان ترى ما يمكن ان يحدث"، ليلى تقول "كان مرسي كارثة, يجب أن ترحل, ولكن ان تدعو العسكر ليأخذوا مكانه أمر أسوأ.. ولكني اعرف الكثير من الناس, ومن بينهم من كان في ساحة التحرير, كان هذا هو ما يريدونه".
في حزيران 2013, الذكرى الأولى لمجيء مرسي اندلعت مظاهرات ضخمة في أنحاء مصر, يطالب فيها المحتجون بأن يتنحى عن موقعه. هؤلاء اصطدموا في الشوارع بآخرين من أنصار مرسي من الأخوان المسلمين.. بين كل هؤلاء كانت هناك مجموعة غير مرئية, مجموعة صغيرة من المحتجين يدافعون عن رأي ثالث. تضم هذه ليلى سويف وابنتها, منى. "تجمعنا في زاوية واحدة بقرب ساحة التحرير"، تذكر منى وهي تضحك ضحكة حزينة, "ونغني, ’لا لمرسي ولا للجيش‘ والناس تنظر إلينا نظرات مرتبكة, كما لو أننا جميعا مجانين, ولا شك أننا كنا كذلك على ما يبدو".
في تلك النقطة المفصلية, وزير الدفاع, عبد الفتاح السيسي, الذي كان يعتبر مسلكيا عاديا, خرج أخيرا من صمته. في 1 تموز بعث إنذارا إلى الرجل الذي استوزره, وأعطى مرسي مهلة 48 ساعة "لتلبية مطالب الجماهير" وإلا فسيتدخل الجيش لحفظ النظام. الرئيس أشار الى انه منتخب لرئاسة الدولة ورفض, بكل تحدي, التهديد.
"اقترف مرسي خطأين"، ليلى تقول "أولا, اعتقد أن الجيش لن يتحرك ضده دون موافقة من الأمريكان. لم يدرك ان الجنرالات لم يعودوا يهتمون برأي الأمريكان بعد الآن. والخطأ الثاني انه وثق بالسيسي".
صدق سيسي وعده وأطاح برئيس النظام في 3 تموز. وألغى الدستور واعتقل مرسي  وقادة آخرين من الأخوان المسلمين وأغلق 4 محطات تليفزيونية. وفي أيام قليلة أعلن  عن حكومة موقتة انتقالية, حكومة من العسكريين وبعض أزلام مبارك, لكن المصريين جميعا يعلمون أن السلطة كلها بيد السيسي.
كان الشارع هو الذي كشف عن وجه النظام الجديد. في الأيام التي سيطر فيها السيسي على الوضع توالت الاصطدامات بين أنصاره وأنصار الرئيس المخلوع وازدادت حدة وعنفا. الجيش والشرطة عرفوا بأي جانب يقفون. في 8 تموز أطلقت قوات الأمن النار على أنصار مرسي في وسط القاهرة وقتلت أكثر من 50. تلك المرحلة مهدت الطريق لما هو أسوأ. بعد ظهيرة  14 آب تحركت قوات الأمن صوب  ساحة رابعة ومعهم الأوامر بفض تجمعات ألوف من أنصار مرسي كانوا قد نصبوا الخيام، خلال الشهر الفائت. أكثر التقديرات المعتمدة تشير إلى مقتل أكثر من 800 وربما أكثر من 1000 متظاهر في تلك المجزرة المدبرة. المضحك المبكي أن مئات من المتظاهرين نزلوا إلى الشارع يباركون إجراءات الجيش.
صار واضحا أمام عيني ليلى سويف، أن النظام المصري الجديد يختلف اختلافا بينا عمن سبقه.
 ليلى لها ولد أسمه علاء, علاء يتمتع بميزة غريبة. فهو قد اعتقلته العهود الثلاثة التي سبقت مجيء السيسي. عهد مبارك, وعهد الزمرة العسكرية -scaf- ومرسي.. في 2006 قضى 45 يوما في السجن لاشتراكه في مظاهرة تنادي باستقلال القضاء. في زمن العسكر قضى شهرين في التوقيف بحجة إثارته للعنف. في زمن  مرسي سارت أموره على نحو أفضل. ربما بسبب كره القضاة، وهم من عهد مبارك للرئيس الجديد؛ أسقطت عنه تهمة التحريض على العدوان, بينما تلقى حكما لسنة واحدة للتسبب بحرق الممتلكات العامة مع إيقاف التنفيذ.
علاء, وهو محمل بسجل المتابعة هذا, لا يوجد أمامه إلا بعض الوقت كي يلتقطه العهد الجديد. ولقد تحقق هذا في 28 نوفمبر 2013 عندما اعتقل بتهمة التحريض على العنف وبلغة اورويلية جيدة, لاحتجاجه على قانون منع الاحتجاج الذي شرع قبل أربعة أيام. بغض النظر عن تلك الملاحظة الكوميدية السوداء, فتحتَ نظام السيسي تجري الأمور لعلاء مختلفة عما كان يحدث له في الماضي.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي