رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 ايار( مايو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1734

13 عاما من التمزق في العالم العربي

ترجمة/ د. جاسم الهاشمي
لم يسبق لـ "نيويوك تايمز" الامريكية، أن تنشر قصة كهذه: "إنها أطول ما نشرته مجلتنا"، كانت محصلة تقارير استغرقت 18 شهرا، تدور حول الكوارث التي حلت بالعالم العربي، منذ غزو العراق قبل 13 سنة، والذي قاد لظهور داعش ـ ISIS ـ وحتى الأزمة العالمية للاجئين في العام 2016. جغرافية تلك الكارثة واسعة، وأسبابها كثيرة، لكن نتائجها الحرب والحيرة التي تلف العالم.
سكوت اندرسن، مقدم القصة بأكملها من خلال شخصياته في مصر وليبيا وسورية والعراق و(كردستان العراق)، المصور باولو بيلجيرن وملفاته العشر التي جمعها في سفراته المتعددة في المنطقة، وخلال 14 سنة في تجربة عينية بارزة الملامح، عاشها المصور مع القوات العراقية لاستعادة الفلوجة. لم يسبق أن خصصنا عددا كاملا من المجله لقصة واحدة، ولم نكن نفعل ذلك لولا قناعتنا بأن ما نقدمه من القوة والواقعية لشرح ما جرى من أخطاء بشرية لم يسبق للقارئ أن يتعرف إليها.

جيك سلفرشتاين ـ رئيس التحرير

مجد إبراهيم ـ سوريا
 عاشت عائلة مجد إبراهيم معظم أيام 2014 في وسط حمص، توقف إطلاق النار ببطء واطراد في المدينة في مايس, انتقلت الاشتباكات إلى أطراف المدينة والضواحي. فندق السفير فتح أبوابه, خارج الاحتمال, حيث يعمل والده, واعتبارا من سبتمبر. مجد وجد له عملا في نفس الفندق، كموظف استقبال "عندما تتوقف النيران, كل شيء رائع"، يتذكر مجد "لكني لا أقول كل شيء عاد طبيعيا كلا, لأن الكثير من المدينة قد دمّر. لكنك تستطيع أن تحس أن الحياة قد عادت".
الشعور بالهدوء المطرد رحل في صباح اوكتوبر, 2014. كان مجد في موقع العمل حين استلم مكالمة من والدته: لقد وقع انفجار في مدرسة عكرمة, مدرسة شقيقه الأصغر, 11 سنة. وهناك ضحايا.
أمه أسرعت إلى الموقع لكن مجد تأخر ساعة ونصف. المنظر الذي رآه مجد في المدرسة كان صاعقا أخذ بمجد في جانب وهو زائغ النظر لا يعرف ما يفعل. كانت سيارة مفخخة قد اقتحمت مدرسة الأطفال وبكل وحشية انفجرت وسط التلاميذ. ليس هذا فقط, بل عندما هرع الآباء والأمهات والمسعفون إلى المدرسة هجم عليهم انتحاري محاولا قتل المزيد لكن تم قتله من احد الحراس فانفجر في مدخل المدرسة. ولدى وصول والدة مجد عثرت على ولدها علي مختبئا هو وبعض أترابه خلف المدرسة.
الانفجار المزدوج في عكرمة الجديدة قتل 45, على الأقل, ومنهم 41 تلميذا في المدرسة. كأن أهل حمص بحاجة إلى من يذكرهم أن في سوريا الجديدة ليس من ملجأ آمن, لا يوجد مكان بعيدا عن القتلة. وبعد الحادث لجأت عائلة إبراهيم إلى بيتها, كبقية العوائل ولا يخاطرون بمغادرته إلا عند الضرورة.

آزار ميرخان ـ كردستان
بعد رحلتنا إلى جندة سيبا رافقت أزار ميرخان إلى جبهة جوير مخمور المكان الذي استهدفه فيه القناص الداعشي, وصولا إلى الخط الأمامي للبشمركة. صعد فوق الربيئة ليوجه منظاره إلى إحدى القرى. وهي على بعد 700 -800 ياردة في أسفل التل. كل شيء ساكن ما عدا علمين متميزين لداعش – اسود وأبيض - يرفرف في الهواء الفاتر.
وصل نداء من احد الجنود: أن قناصا لداعش شوهد في القرية قبل ساعة. تحصيل الحاصل أن أزار هدف متوفر. حدق به الدكتور بنظرة مضطربة ثم عاد إلى ناظوره.
موضعهم يتكون من ممرات ضيقة ومكامن في خط جبلي على بعد 3 أميال من نهر دجلة وداعش تحتل الأرض السهلة في الأسفل. كان أزار خلال الوقت الذي قضاه هناك قد تعرض إلى عدة محاولات استهداف من داعش ونجا منها.
"يرسلون أولا انتحارييهم في سيارات مصفحة همفي. فإن لم تدمرهم وهم يصعدون التل بضربات مباشرة فإنهم سيصنعون فجوات كبيرة في الجدران نظرا لشدة وسعة الانفجار, وفي غضون فترة الانشغال هذه يرسلون مشاتهم وبعدهم القناصين. كل هذا يتم بسرعة خاطفة: كل شيء هادئ, وفجأة هم في كل مكان. من المهم أن تبقى هادئا متماسكا لتلتقط أهدافك, لأنك إن يصبك الهلع فأنت ميت. هذه هي مشكلة الجيش العراقي؛ يخافون دائما".
الخوف لا يبدو انه واحد من مفردات مشاعر أزار, "أحب أن أقاتل داعش" هو يقول "فهم في الحقيقة أذكياء, والأمر بعد ذلك لعبة".
ليس مستغربا أن شعبا بهذا المقدار من الإصرار على تكوين وطن له لا يتحمل أن يرى داعش تحتل بقعة من أرضه. الجيش الأمريكي يعطي تضحيات جديدة لكي يسترجع قتلاه في المعركة, كذلك البيشمركة فإنها مستعدة لأية تضحية مقابل استرداد الأرض الكردية وبسرعة.
في معسكر النمر الأسود - بلاك تايجر كامب - وهي القاعدة العسكرية الخلفية للقيادة للقطاع السادس ـ سيروان برزاني هو القائد الرئيسي, وها هو يشير على خريطة ملونة لجبهة القتال مع داعش، معلقة على الجدار, ويدلي بخصوصيات نوعية كبيرة الأهمية. "حين أتيت هنا للمرة الأولى كانت داعش على بعد 3 كم في اسفل الطريق. الآن تم تنظيف المنطقة منهم وعلى مسافة 23 كم غربا و34  جنوبا. في قطاعي استولينا على 1100 كم مربع ولا يزال أمامنا استرداد 214 كم مربع. ذكر بارزاني في مايس 2015 أن 120 من البشمركة قد قتُلوا في القطاع السادس   حيث جرت اكبر حملات داعش العدوانية, وفي نفس الوقت فإن أمراء البيشمركة يوضحون أمرا مهما، وهو الفرق بين استعدادهم للتضحية لاسترداد الأرض وعدم استعدادهم. مثلا: احتلت داعش قرية سبق لآزار أن تفحصها بمنظاره, هذه القرية يسكنها عرب, لا يسكنها كرد. "لذلك رغم أنها ارض تابعة للحكومة الكردية, إلا أنها لا تستحق أن نفقد رجالنا من اجلها". ويفسر كلامه: "إلا إذا كنا سنشن حملة كبيرة. ولكن حتى في مثل هذا الإجراء تبقى المسألة متعلقة بالتطورات السياسية والدولية".
هذه الحملة الكبيرة تبقى منوطة بالقرارات المتخذة في واشنطن وبروكسل  وبغداد. وعلى ضوء الفواجع التي تسبب بها الجيش العراقي في الماضي، وغياب أية رغبة في إبقاء أعداد مهمة من الجنود الغربيين في هذه الأرض، فإن الكثير من الأمريكيين والأوروبيين والمستشارين السياسيين للعلاقات الخارجية يدعون إلى إنابة  القوة المقاتلة الأولى في المنطقة، والتي أثبتت جدارتها البشمركة لقيادة المعركة لتدمير داعش. لكنه من غير الواضح أن هذا الأمر قد نوقش بجد مع الكرد.
"أنت تعرف أن الأمريكان يترددون هنا, ويريدون الكلام عن استعادة الموصل". يقول سيروان برزاني "هل ستقوم بهذا العمل مع مقاتلين من الأمريكان؟ كلا. هل سنقوم بهذا العمل مع الجيش العراقي؟ كلا. لأنهم عديمو النفع لذلك دعونا نكلف الكرد بهذا العمل. ولكن ماذا نريد أن نفعل بالموصل؟ هي ليست كردستان. هي العراق, ولماذا  نخسر مزيدا من دماء رجالنا من أجل العراق؟". الذي غذى المقاومة من وراء النفور الفطري الكردي من النظام  في بغداد, هي النكسة التي حلت بالجيش العراقي في 2014 وما جلبته لحكومة كردستان من مشاكل. العراقيون بتخليهم عن أسلحتهم الأمريكية الثقيلة وعرباتهم لتستولي عليها داعش لم ينتبهوا حتى إلى تدميرها كي لا يستفيد منها العدو, تلك الأسلحة حولت عصابات داعش إلى جيش بأحسن تسليح في المنطقة, وكان على الكرد أن يدفعوا الثمن. في مايس 2015 لا يزال الأمريكان يحاولون إعادة ترتيب الأمور للخروج بشيء عملي. تحسن تأثير الضربات الجوية على داعش بعد نشر فرق استكشاف العدو  أفرادا وطائرات في كردستان. لكن صياغة علاقة بين الجيش العراقي والبيشمركة  كانت تسير ببطء كبير. 
بالقرب من معسكر النمر الأسود في جوير، توجد قاعدة صغيرة يتدرب فيها الجنود العراقيون على يد الأمريكان.. "إني أصلي بانتظار اليوم الذي لا اضطر فيه لرؤية هذا مرة أخرى"، يقول برزاني وهو يشير إلى العلم العراقي فوق تلك القاعدة.
لكن النمر الأسود فيه ملامح أخرى من الحكومة المحلية لكردستان. جانب المجتمع الذي يتفادى فيه معظم الموظفين أو العسكريين من الكلام مع بعضهم. منذ زمان تشكيل الحكومة وهي تتألف من فريقين متنازعين. هذا الانقسام أدى إلى حرب أهلية  مفتوحة في التسعينات. على السطح تطفو الصراعات السياسية بين الطرفين الحزبين الرئيسيين: حزب كردستان الديمقراطي - كي دي بي - كردستان ديموكراتيك بارتي -، والاتحاد الوطني لكردستان – بي يو كي – باتريوتيك يونيون اوف كردستان-. وفي الحقيقة, هذا الصراع يحدث بين تجمعين قبليين – البرزانيين والقبائل الحليفة –والميرخان من بينهم - والطلبانيين.. ففي شمال المنطقة السيطرة للبرزانيين وفي جنوب المنطقة للطلبانيين. والقبائل الحليفة تحت مظلة -بي يو كي-, ذلك التقسيم الإقطاعي كان واضحا في النمر الأسود. جميع البيشمركة في المعسكر وعلى امتداد 75 ميلا  لجبهة القطاع هم من البرزانيين حصرا, يشير على ذلك الوشاح القبلي الأحمر والأبيض.
أكثر من ذلك, سيروان برزاني -القائد- للقطاع 6 لا يمتلك من جانبه إلا القليل من الفطنة العسكرية. فهو – قبل الحرب- كان احد أثرى الأثرياء مسيطرا على تجارة التلفون الخلوي, ثم انه ابن أخ للرئيس مسعود برزاني, والأخير هو ابن المحارب الأسطورة مصطفى برزاني. وهذا يفسر الصراحة المنفلتة له مع صحفي أجنبي؛ فهو برزاني من رأسه إلى قدميه, وبعيد عن أن يكممه أي سياسي معتدل بلا اسم.
هذا الانفصام كانت له عواقب مأساوية فادحة. ففي الأيام الأولى لتقدم داعش في كردستان كانت استجابة البشمركة مهزوزة تماما, بقدر ما يعلقونه كسبب ولوم على الجيش العراقي والانكسار الذي حل به.. غير أن السبب الرئيسي كان وجود نوعين من البشمركة مع قليل من الوفاق بينهما. استفادت داعش من هذا بالهجوم الذي شنته وأوشكت أن تحتل اربيل, وبدأت بحملة إبادتها لليزيديين.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي