رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 ايار( مايو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1734

13 عاما من التمزق فـي العالم العربي

ترجمة/ د. جاسم الهاشمي
لم يسبق لـ "نيويوك تايمز" الامريكية، أن تنشر قصة كهذه: "إنها أطول ما نشرته مجلتنا"، كانت محصلة تقارير استغرقت 18 شهرا، تدور حول الكوارث التي حلت بالعالم العربي، منذ غزو العراق قبل 13 سنة، والذي قاد لظهور داعش ـ ISIS ـ وحتى الأزمة العالمية للاجئين في العام 2016. جغرافية تلك الكارثة واسعة، وأسبابها كثيرة، لكن نتائجها الحرب والحيرة التي تلف العالم.
سكوت اندرسن، مقدم القصة بأكملها من خلال شخصياته في مصر وليبيا وسورية والعراق و(كردستان العراق)، المصور باولو بيلجيرن وملفاته العشر التي جمعها في سفراته المتعددة في المنطقة، وخلال 14 سنة في تجربة عينية بارزة الملامح، عاشها المصور مع القوات العراقية لاستعادة الفلوجة. لم يسبق أن خصصنا عددا كاملا من المجله لقصة واحدة، ولم نكن نفعل ذلك لولا قناعتنا بأن ما نقدمه من القوة والواقعية لشرح ما جرى من أخطاء بشرية لم يسبق للقارئ أن يتعرف إليها.

جيك سلفرشتاين ـ رئيس التحرير

آزار ميرخان ـ العراق

الوقت وشيء آخر, اكتشفتُه في حكومة كردستان, إحساس بالذنب, وحتى الخجل أو العار, عندما يدور الحديث عن اليزيديين. لم أر ذلك أكثر وضوحا إلا في حديث آزار ميرخان. جانب من هذا الشعور يعزى إلى محاولته مساعدتهم, هو شخصيا, وفي ساعة محنتهم, لكنها ساعة ومرت. أما الكرد, في نظره, فقد خانوا تأريخهم.. "تستطيع أن تقول, وفي طرق كثيرة, إن اليزيديين هم الكرد الخلّص" يفسر كلامه "الدين الذي هم عليه هو دين الكرد في وقت من الأوقات, وليس ما تراه الآن من مسائل السنة والشيعة, كل الناس تغيروا, لكنهم, من جانبهم, بقوا مخلصين لمعتقدهم".
ومع زياراته المتعددة لجبهات القتال قضى آزار وقتا طويلا في مخيمات النازحين اليزيديين في شمال كردستان. وكان يعمل ترافقه طبيبة من السويد من أصل كردي اسمها نامام غفوري. تمول تلك المخيمات تبرعات من هنا وهناك شخصية أو من منظمات إعانة دولية, وهي ملجأ لعشرات الألوف من اليزيديين الذين فروا من داعش  في آب 2014, لكني عندما زرتهم في مايس 2015 كانت مجموعة أخرى, فارة من داعش أو دفعت فدية, قد التحقت بهم.
ومع أني قابلت في الماضي عددا لا يحصى من الناجين من أهوال الحروب عبر العالم, إلا أني لم أشاهد أفظع من قصص هؤلاء العائدين من الموت. وما سمعته, مع ذلك, كان بعض الحقيقة, لأن الكثير مما جرى لم يذكر, يحتاج المرء أن يتصور فقط مقدار الإهانة التي لحقت بهم.
استخدمت داعش أسلوب الاغتصاب والعبودية الجنسية كسلاح من أسلحة حربها بهدف تمزيق لحمة المجتمع اليزيدي. وبعودة الفتيات الآن فإن الشرف اليزيدي المتحفظ يمنع الكلام عما حدث لهن.. بصحبة غفوري قابلت فتاة صغيرة بعمر العاشرة, دفعت عائلتها كل مدخرات العمر -1500- دولار لإنقاذها في الأسبوع الماضي. روت أن مالكيها من الدواعش كلفوها بتنظيف ملابسهم وغسلها ولم يقتربوا منها, تلك القصة كانت عائلتها ستقبلها. رأيت أيضا مراهقتين هربتا من داعش بعد شهر مع احد الأقارب؛ تصورت أنها والدتهن كانت امرأة تقدرها بعمر 45, صلبة متماسكة, خدود غائرة, أسنان مفقودة, شعر يغزوه الشيب, وكانت قد اعتقلت ثمانية أشهر, لكنها لم تكن أمهن, كانت الأخت الكبرى, وكان عمرها 24 سنة فقط. حسب تقريرها قالت إنها ادعت أنها طرشاء واعتبرت داعش ذلك علامة من علامات التخلف العقلي. وبهذه الطريقة تجنبت تحرشهم. تقول غفوري مهمتها الآن تكاد تنحصر بالعناية بتلك الصبية ذات العشر سنوات وأختها الكبرى ذات الأربعة والعشرين. أن أقابلهما بمفردهما وان اكسب ثقتهما وأقوم بفحصهما فإذا كانتا قد تعرضتا للاغتصاب سنقول لعائلتهما إنهن مصابات بمرض ما ويجب إدخالهن المستشفى بلا زيارة، ولمدة أسبوع.
"وهكذا بعث بهن إلى أربيل"، هي تشرح "أجريت لهن عملية تجميلية وهي عملية بسيطة، وعدن وهن عذراوات.. بهذا سيتم قبولهن في المجتمع ويمكن أن تتزوجا في يوم من الأيام. وبالطبع هذا يعني أنهما يجب ألّا يتعرضا بالحديث أبدا عن الموضوع  وان يبقياه سرا. لكنها نهاية سعيدة في مجرى الأحداث".
تصلب موقف آزار ميرخان أكثر وأكثر، وهو يستمع لمثل هذه الشهادات. فعن سبل البحث عن سلامة الكرد يرى آزار أن داعش آخر القائمة في العداء, العدو التاريخي وبلا صفح هم العرب "يمكنك القول إزاء مثل هذه الأعمال التي تحدث إن هؤلاء إرهابيون مجرمون, لكن ذلك كان يجري على مدى تاريخنا كله. استطيع أن أعدك أننا بعد استرجاع سنجار سوف نجد العرب مستقرين مع داعش"، ويضيف آزار "اوكي بعضهم معنا في المخيم لكن الكثير منهم بقوا هناك. لذلك أقول إن عدونا ليس داعش فقط وإنما كل العرب".


وقاص حسن ـ العراق

في بداية حزيران 2015 كانت السنة الأولى لوقاص مع داعش ستنتهي. وقاص يعيد النظر بحياته. منذ انتهائه من فترة التدريب قي معسكر لداعش قرب الموصل, عاد بعدها ليقضي ستة أشهر في مدينته الدور. كلفته داعش بإدامة نقطة تفتيش تابعة لها قبل أن ترسله يقاتل قوة للجيش العراقي استعادت نشاطها في بيجي.. وفي تلك المعركة ولا تزال جارية حتى تاريخه، كان لدى وقاص، بكل تأكيد, خيار أن يواصل جنديته في صفوف داعش, لكنه قرر العودة إلى الحياة المدنية.
ربما كانت دوافعه اقتصادية؛ فلقد ذهبت أيام رخاء داعش. غالبا ما يصل راتب وقاص متأخرا. لكنها قد تكون أعمق من ذلك. كالبقاء حيا مثلا, فالتيار الآن يسير عكس ما تريد داعش, ولو ببطء. 
كان واضحا أمام وقاص وهو لذلك يستعرض أين سيذهب ليبدأ حياته الجديدة.. في نيسان استعاد الجيش العراقي, مسنودا من الطيران الأمريكي, السيطرة على تكريت. وفي حزيران شددوا الحصار على بيجي من جميع الجهات. تركتْ الموصل الآن   والمدن المحتلة الأخرى في الأنبار, لكنه لو اختار الحياة فيها فإنها ستكون حياة مقلقة ومتجهمة: سيمتعض منه رفاقه القدامى وإذا جاء الجيش العراقي فهو ميت.
قرر وقاص أخيرا أن يتخذ له مسارا مختلفا: أن يذهب إلى كركوك فهي تحت سيطرة الكرد.
فكما حدث في الموصل وبيجي وتكريت؛ الجيش العراقي انكسر وهرب قبل أن تشن داعش حملتها على كركوك بسنة. لكن التشابهات تنتهي. البيشمركة لكي تملأ الفراغ  الذي خلقه العراقيون المغادرون, هرعت بالآلاف إلى كركوك وصدت تقدم داعش  ومنذ ذلك الوقت وكركوك تحت السيطرة الكردية. لكن كركوك مدينة تعايش المكونات   كافة تعج باللاجئين السنة والشيعة ايضا, محيلة المدينة إلى حاضنة للمقاتلين الإسلاميين السابقين. كركوك لا تبعد أكثر من 60 ميلا عن بيجي لكن المدينتين  تفصلهما خطوط البشمركة المحصنة. وهذا يعني أنه لكي يصل إلى مدينة الملاذ عليه أن يصعد بسلم داعشي.

مجد إبراهيم ـ سوريا، اليونان

في نفس الوقت الذي قرر فيه وقاص ترك داعش, حصل مجد أخيرا على شهادة البكالوريوس في إدارة الفنادق من جامعة البعث. تحصيله هذا كان بركة مشبوهة: الآن هو مطلوب للجندية. قبل الحرب كان الخريج يستلم كتاب التحاقه بالجيش أربعة أو خمسة أشهر بعد التخرج, ولكن بدءا من عام 2015, الجيش السوري وقد أنهكته المحن والمعارك قصر فترة الالتحاق وجعلها شهرا أو بعض الأسابيع. ولم يكن ممكنا اللعب على النظام وعندما يعلن نداء الالتحاق ولا يلبى توقع أن يأتيك الجيش إلى بيتك, ويقتادوك "هكذا كان الأمر"، مجد يقول "كنت اعرف أن الجيش سيأتي من اجلي وسريعا".
يومان بعد التخرج، منح والدا مجد ابنهما 3000 دولار ـ كل ما ادخراه ـ وطلبا منه مغادرة البلاد.
"بالنسبة لهما لم تعد القضية وطنية أو الدفاع عن البلد" هو يقول "بل أن أبقى حيا"،  يبتسم متعبا "ثم إني سأكون جنديا مريعا".
في حزيران 21, رافقه والده إلى دمشق, حيث استطاع بعد يومين أن يحصل على طيران إلى تركيا. إضافة إلى الثلاثة آلاف دولار حمل مجد في حقيبة ظهره كل ما يتمكن من حمله.
في تركيا حاول أن يحصل على عمل يبقيه قريبا من الوطن لكن خابت محاولاته بعد أسبوع من البحث.. لم يجد بدا من الالتحاق بقوافل المهاجرين النازحين من بلده، ولا يقل عددهم في ذلك الصيف أقل من 100 ألف.. وهكذا توجه غربا نحو بحر إيجة ـ الساحل التركي، ليبحث له عن مرور إلى أوروبا. وبالصدفة يلتقي بصديق له من حمص لم يره منذ سنين. أمجد, وقد كان مع رفيق له, عمار, نازح آخر من حمص.. يشكل الثلاثة فريق سفر, وتشاركوا معا في ركوب زورق مطاطي – طوف منفوخ - دفع به المهربون من الساحل بالقرب من المدينة السياحية بودرم في 27 تموز، باتجاه جزيرة يونانية اسمها كوس على بعد عدة أميال.
هناك تحمّل مجد وصديقاه مرارة الانتظار. في جزيرة كوس الغاصة بعشرات الألوف من النازحين وطالبي اللجوء, أمضت السلطات اليونانية عشرة أيام لمجرد تصدير الأوراق الثبوتية للمرور. في ذلك الصيف أصبح طريق الهجرة عبر أوروبا الشرقية غير مرحب وباطراد, لأن بعض الحكومات هددت بغلق الطريق نهائيا. وأخيرا حصل مجد ورفيقاه على أوراقهم في 4 آب بعد الظهر, حين لم يبق لهم غير القليل من الوقت للحاق بالعبّارة التي تأخذهم الى ارض اليونان, أول مراحل بحثهم عن بلد يقبل لجوءهم في أوروبا.


الجزء الخامس
الرحيل 2015 ـ 2016
وقاص حسن ـ العراق, سوريا, تركيا

18 حزيران 2015, أول أيام رمضان. وقاص يودع أصحابه في داعش, ويتبع طريق العودة من خلال مواقع داعش, للرجوع لحياته المدنية. ولكي يصل كركوك هدفه على بعد 60 ميلا من بيجي، عليه أن يذهب أولا إلى سوريا عبر الأرض التي تحتلها داعش في البلدين, ثم يتجه إلى تركيا شمالا, قبل أن ينحدر عائدا إلى العراق عبر الأرض التي يحكمها الكرد. وهذا يشكل دائرة من 500 ميل. أكثر المتاعب في الحدود الني يحتشد فيها الجيش التركي.
منذ اكتساب داعش قوة في شرق سوريا في أوائل 2014 والاتهامات متواصلة من أن نجاح داعش هذا بسبب اعتمادهم على تركيا, التي فتحت حدودها للمقاتلين الإسلاميين القادمين من أنحاء الكون, ليدخلوا ويخرجوا. هذا الاتهام واضح وصريح على لسان الحكومة الروسية بدءا من نهاية 2015, بينما ينكر رئيس تركيا رحب طيب اردوغان الاتهام. الوقائع تثبت صحة موقف الروس: 11 من 24 أسيرا من داعش قالوا في مقابلة لي معهم لكتابة هذا التقرير, إنهم يتنقلون في تركيا من بعض النقاط خلال قيامهم بواجباتهم. وكلهم قالوا إنهم يقابلون الجنود الاتراك والشرطة عند اجتيازهم الحدود التركية السورية وهؤلاء يؤشرون لهم بكل بساطة بالمرور. تلك كانت تجربة وقاص.
"الرجل الذي كان يقودنا وجه نفسه نحو نقطة التفتيش وتحدث مع الحرس لبضعة دقائق"، ويقول وقاص "ربما أعطاهم مالا, لا اعلم. لكن النتيجة أننا مررنا".
تساءلت إن كان حرس الحدود يعرفون عائدية الناس الذين يسمحون لهم بالمرور, هز وقاص على الفور رأسه, "بالطبع يعرفون. كلنا كنا من الشباب اليافعين والرجل الذي كان يساعدنا من داعش وهو يتكرر عليهم باستمرار. هم يعرفون".
من تركيا حقق وقاص عبورا سريا إلى كردستان, وفي بداية تموز 2015 بعد أسبوعين من تركه لداعش وصل كركوك ليستعد لبداية جديدة. ما لبث أخوه محمد أن التحق به منسحبا من داعش هو الآخر.
في البدء, بدا وكأن أخوته قد أحسنوا الاختيار. في كركوك وجدوا لهم في الجوار شقة صغيرة زكاها لهم بعض المعارف من المقاتلين السابقين في داعش الذين يحاولون التخفي. وفي أسبوع عثر الشقيقان على فرصة عمل لهم في موقع بناء ليس بعيدا عن شقتهم.. وبهذا الصدد, لو كان لوقاص حلم فهو أن يعمل ويقتر على نفسه, يقتصد المال ليفتح به دكانه في مدينته بعد أن تسنح الظروف. 
لكن ذلك الحلم البسيط المثقل بالشروط، انتهى في يوم 7 أيلول 2015, في أحد شوارع كركوك أطبقت عليه سيارة سوداء, انزل الراكب الأمامي منها زجاج نافذته وطلب منه بعيون بوليسية نفاذة أن يكشف عن هويته الشخصية.


مجد إبراهيم ـ ألمانيا
في 23 - 11 - 2015 زرت مجد إبراهيم في شقته. عبارة عن مساحة غرفة تحت السقف مباشرة. تقع في ضواحي دريسدن. مكنته منها وكالة للضمان الاجتماعي محلية. يشاركه الشقة تلك صديقه امجد من حمص و6 آخرون يطلبون اللجوء. والكل بانتظار استرحامهم بطلب الإقامة ليمضوا في طريقهم وفق القانون الألماني. اثنان من الهند نصّبا نفسيهما – لورد المطبخ -, هم يعطوننا قائمة بالمشتريات, نذهب إلى السوق لنوفرها وهم عليهم الطبخ. طعامهم أفضل من طعامنا. 
من اليونان, هاجر الأصدقاء السوريون مع بقية النازحين في قوافلهم المخترقة لأوروبا الشرقية حتى وصلوا جنوب ألمانيا في منتصف آب, كان بود مجد أن يختار السويد حيث سمع عن إمكانية أفضل للحصول على حق اللجوء. لكن آماله أحبطت  حين أخرجهم البوليس من القطار المتجه إلى الشمال وحشرهم مع بقية اللاجئين في ملاجئهم البائسة, وبعدها اخذوا إلى مدينة دريسدن في منتصف سبتمبر. هناك مفارقة في أن يجد لاجئون من حمص أنفسهم في دريسدن. المعروف عن هذه المدينة أنها دكت من قبل طائرات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. كما أنها مركز الحركة المضادة للهجرة التي انتشرت في كل أنحاء ألمانيا. في السنة السابقة. الجناح اليميني للقوميين يتزعم مظاهرات ضخمة في المدينة كل يوم اثنين ليلا. عندما زرت مجد كان قد مضى أسبوع واحد على مقتل 130 شخصا في باريس على يد الإرهابيين, والغضب المضاد للنازحين وخاصة من بلاد المسلمين على أوجّهِ الآن.
"جرت هنا بعض الحوادث في الأسبوع الماضي"، يقول لي مجد "عدد كبير من الشباب يخشى أن يذهب إلى مركز المدينة الآن".
ويقينا أنهم لن يفكروا بالذهاب إلى مركز المدينة ذلك المساء, الاثنين, لأن حملة خطباء الحركة المضادة للنزوح تبدأ في الساعة السابعة في ساحة المسرح وسط دريسدن.
تحدث مجد كثيرا عن نيته بالعودة إلى سوريا, وهذا يفسر جزئيا طلبه بعدم نشر صورة وجهه. سألته إن كان بمقدوره أن يجعلني أتنبأ بموعد عودته لو عاد. فكر طويلا قبل أن يجيب "على الأقل بعد عشر سنوات"، يقول مجد "هناك مثل شائع  في سوريا يقول ’الدم يسحب الدم’. الناس يفكرون بأنهم سينتقمون لما حدث لهم خلال السنين الماضية, وهذا سيستمر, الدم يسحب الدم. لا أفكر بأنها ستنتهي إلا إذا مات كل من حمل بندقية في هذه الحرب. ولكن حتى لو تسارعت الحرب فلا بد من عشر سنوات على الأقل".
وبالصدفة كنت مع مجد في اليوم التالي. لقد كان عائدا إلى مسكنه فوجد رسالة في انتظاره. كانت من دائرة الهجرة - الدائرة الاتحادية للهجرة واللاجئين - تنبئ مجدا بأن تدقيق الخلفية الاجتماعية الشخصية قد اكتمل, ولم نجد أية مشكلة؛ وتلك كانت العقبة الرئيسية في طلبه للحصول على إقامة, وهذا يعني السماح له بالبقاء في ألمانيا لثلاث سنوات قادمة.. انفرد مجد بنفسه أمام النافذة – السقفية - ينظر إلى الشارع بعد أن وضع الخطاب على جنب.

خلود الزبيدي ـ الأردن، اليونان، ألمانيا

في نهاية 2015 توصلت خلود إلى خطة: محاولة أخيرة يائسة. لقد أخفقت سنين توسلها في إعادة ترتيب أمورها وتوطينها وذهبت محاولاتها أدراج الرياح. وهي ترى الآن أن لا مستقبل لها أو لعائلتها في الأردن. لقد كانت تتابع أنباء مئات الألوف من النازحين من تركيا إلى أوروبا, والأكثر خطورة من ليبيا, على عوامات مطاطية  منفوخة. في كانون الأول, على أي حال تغيرت الأحوال. صارت تسمع عن العراقيل  التي يواجهها النازحون, مزيدا من العوائق التي تضعها الحكومات الأوروبية أمامهم. الشتاء قادم وركوب البحر أصبح بالغ الخطورة. قالت خلود لوالدها وأخواتها, إذا كنا نريد تغيير حالتنا فعلينا التصرف حالا.
وضع والدها الصحي حساس ولا يتحمل مشاق السفر. تقرر أن تبقى سحر مع والدها في الأردن، وان تسافر الأختان إلى أوروبا. في 4 كانون الأول سافرت الاختان بالطائرة إلى اسطنبول، ومن هناك التحقتا بقوافل المهاجرين وهي تهبط من الساحل التركي نحو إزمير، رتّبتْ أن تدفع لأحد المهربين 2000  يورو مقابل مكانين في الزورق. انتظرت الأختان وجاء موعد السفر في ليل 11 ديسمبر.
نقلت الأختان في سيارة برحلة على الساحل التركي استغرقت ساعة ونصف حتى إذا جن الليل تماما انسلّتا إلى البحر وصعدتا على ظهر زورق مطاطي مكتظ بالركاب. عدّتهم خلود, كانوا 30 راكبا؛ 10 ركاب، أكثر من حمولة المركب وفق التصميم. دخل الزورق في البحر متوجها صوب جزيرة ساموس اليونانية برحلة استغرقت 3 ساعات.
الزورق المطاطي كان غائصا في الماء لدرجة أن المحرك كان ينطفئ، كلما ركبته الأمواج. لكن الخطر الأعظم واجهنا حين أوشكنا أن نقترب من شاطئ السلامة. في تلك الليلة الموحشة التي لا ينيرها غير قمر نحاسي, أساء قائد الزورق تقدير الموقف  فاصطدم بصخور ناتئة؛ وعلى الفور انفجر واحد من العوامات المركبة للزورق. كانت خلود جاهزة للالتحاق بالركاب الذين سقطوا في المياه ولحسن حظهم كانوا يضعون ستر النجاة لكنها لمحت أختها جامدة في مكانها من الخوف، وغير قادرة على الحركة.
"صحت بها أن تقفز" تقول خلود كان الموج عاليا وكنا في طريقنا للاصطدام بالصخور. ثم جاءتهم موجة أخرى قوية تسببت ـ لتأميم ـ بأضرار في ساقها, لكنهما على الأقل, وصلتا الأرض اليابسة. وفي الظلمة ساعدت خلود أختها وهي تعرج  على صعود التل والالتحاق ببقية الركاب المهاجرين الباحثين عن ملجأ.
الأسبوعان التاليان شهدا سفرا في المجهول, وتوترا, وانتظارا, للشقيقتين العراقيتين. شاهدا قسوة اللامبالاة من طبقة الموظفين, وبالمقابل عطفا غير متوقع ممن لا يعرفان من الأجانب.. بعد أن تم التسجيل في جزيرة ساموس اليونانية سمح للاختين أن تركيا المعدّية، العابرة على الأرض اليونانية وأثينا. وهناك وجدا لهما مأوى عند صديقة لصديقة لهما. الموقف في أوروبا الشرقية كان يتغير باستمرار, دون أن ينبأ بخير, على كل حال, لآلاف المهاجرين المتدفقين نحو الشمال. الشقيقتان سارعتا بالتحرك. في 22 ديسمبر وبعد رحلة بالسيارة, والقطار, وعلى الأقدام عبرت خلود وأختها خمسة حدود دولية أوروبية وصولا إلى الحدود الألمانية الجنوبية لألمانيا.
هناك بدا وكان حظهما قد خاب. تم اعتقالهما لوقت قصير بعد أن عبرتا الحدود الألمانية.. وبقين في التوقيف حتى حلول الظلام؛ حيث أرسلن إلى النمسا. فهناك مجمع لطالبي اللجوء في مدينة كلاجنفورت, وتلقين التعليمات للذهاب هناك. ذلك المعسكر المخيم كان غاصا بالناس ويرفض المزيد. لكن خلود وأختها لا يعرفن أي مكان آخر. صمدتا قرب البوابات الخارجية للمخيم. وبدأت السماء تثلج تساقط الثلج. استنجدت خلود بمواقع الاتصالات الاجتماعية, وصفت خلود موقعها على الفيس بوك, تطوعت مجموعة صغيرة من النشطاء للبحث عمن يساعدها في كلاجنفورت، فجاءت النجدة من قبل احد أعضاء البرلمان، حزب الخضر, حيث اصطحب خلود وتأميم إلى مقهى ووفر لهما الطعام والدفء, ومن المقهى بعث الرجل برسالة فورية  طلبا للمساعدة من أية عائلة في المنطقة، تقبل أن توفر مأوى موقتا للأختين. وبمرور ساعة واحدة ضمهما بيت إليزابيث واريك ادلزبروفر.
"اليوم هو اليوم الأول الذي نشعر فيه بالراحة والسلام" أرسلت بذلك خلود رسالة إلى صديقة لها في انجلترا وكان اليوم التالي هو يوم أعياد الميلاد كرسمس". هذه العائلة رائعة, وفروا لنا غرفة خاصة. يمتلكون كلبا محبوبا. أنا أحبه".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي