رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 27 ايار( مايو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 1970

حبيب الصايغ يستعيد السياب في المربد

محمد الحمامصي

التساؤلات الموجعة للماضي والحاضر والمستقبل حملتها المونودراما الشعرية "موجز أنباء الموت" التي أعدها ومثلها وأخرجها الفنان العراقي حسين علي هارف عن قصيدة الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ "إلى بدر شاكر السياب"، وعرضت ضمن الفعاليات الفنية لمهرجان المربد الشعري في دورته الـ 32، حيث افتتحت بعزف موسيقي على العود تلاه غناء تعبيري عن الشاعر العراقي بدر شاكر السياب الذي رمز له على خشبة المسرح بكفن أبيض سجي فيه.

جمعت المونودراما بين اللقاء التعبيري واستيحاء مسرح العرائس، حيث كان يتناوب الممثل الصوت مع صوت السياب الذي يقلده الممثل نفسه مركبا دمية للسياب، ليتحول الأمر لمناجاة يخاطب فيها الممثل السياب كاشفا له عما جرى بعد رحيله للوطن والمواطن، للشعر والشعراء، للحداثة وما بعد الحداثة، مؤكدا له أن الآلام ازدادت تفاقما على كافة الأصعدة الثقافية والإنسانية:

بعد خمسين عاما من الموت

ماذا يريد المدثر بالشعر

ماذا يشخبط بالضوء في عتمة القبر

مرت سحابته بين عينيه فاستيقظ الدود:

قال أحاور معناي من بعد خمسين عاما

فليمد الظل في موضع الظل

حاول أن يستعيد الكتابة لكنه لا يحسن الكناية عن نفسه

وله سبب كامن في ماء السنين الذي يتوالى على الموت كالدمع

دمع القلوب.

وهنا يدخل المغني على الخط مرة أخرى ليغني:

 “يا زميل الجوع والحرمان والتسكع،

حزني طويل كشجر الحور،

لأنني لست ممددا إلى جوارك يا بدر"

ويعود صوت الممثل:

ولككني قد أحل ضيفا عليك في أي لحظة.

وهكذا تتناوب الأصوات الأربعة المشهد، صوت المغنى، وصوت العود وصوت الممثل وصوت الدمية مصحوبة في كل ذلك بالحركة التعبيرية التي تجسد المعاني العميقة والمؤلمة أحيانا للنص الذي يتناص مع تجربة السياب الشعرية ويتماس مع رحلته الحياتية ويفارقه في رؤية ما جرى ويجري على الساحة الإنسانية العربية من جرائم للإهارب وتبدلات في المشهد الشعري وحركته.. إلخ.

ينطلق صوت الممثل:

ولو قلت موجز أنباء نفسي لازددتَ يا بدر موتاً

ويكفيك موتك

لا أريد لك الموت أكثر من مرة يا زميل

ويكفيك موتك

فلتجب الآن عن بعض أسئلتي في السياق المفخخ كالغدر

سؤالي الأول: هل شبعت من الموت؟

أم أن تفعيلة الموت تنتظم الآن ليلك منذ الحنين إلى آخر الليل أو مطلع؟

وهل لحن تفعيلة الموت

يسهم في الحر من ضجر القبر؟

وماذا عن الموت؟ موت الأماني خصوصا على حين غرة؟

أتموت الأماني

بمجرد دفن الذي يتمناه؟ أم أن الأماني تقاوم أول موت

وتحتاج للموت تقاوم عشرين مرة

وهل أنت حيث تكون تصنف رائد شعر الحداثة أم لا مكان لك أيضا؟

أجبني يا بدر ولا تتحجج

بأن حصان الحداثة أعرج

لا تقل يا سيدي كل ما يعرف الشعراء

فالحداثة في الشعر تجربة تتنمر

من دون ناب ومخلب وعلى بطنها وعلى ظهرها تتقلب

والحداثة في الحب مطلب

بدعة الانتهازي أغنية حرة حرة في فضاء معلب

بدعة الانتهازي شعر حديث وحر

ووزن خفيف وسخر.

ويتواصل الحوار الجدلي حول الشعر والحياة:

تصل المونودراما إلى ذروتها في مفصلين من هذا العمل الفني الأول حين يصل الممثل بالنص إلى قمة التوتر وهو يقول:

يا أبانا غرباء من بعدك يا أبانا

فلا تلتمس لواحدنا أو لنا كلنا العذر

حتى ونحن يتاماك آنا فآنا

حتى ونحن نضيعك اليوم من بعد خمسين عاما وسبعين أغنية

يا أبانا غرباء من بعدك يا أبانا

كتبناك في شعرنا العربي الحديث

كتبناك في حلمنا العربي الحديث

وفي سقمنا العربي الحديث

وفي ضعفنا العربي الحديث

وفي كل عرس

وفي كل مأتم

فهل ما تزال تراهن في جنة الخلد أو في جهنم

على شعرنا العربي الحديث

المضرج ببعض دمانا يا أبانا يا أبانا.

 

المفصل الثاني حين يرن الهاتف ليفاجأ الممثل بصوت السياب يطالبه بالوصية، أما أطرف ما جاء في المونودراما بأن السياب يفاجأ بمصطلح “داعش”، وهذا يدفع الممثل لأن يسأل السياب المسجى هامسا "سني أنت أم شيعي" فيصفعه السياب صفعة قوية لترتج القاعة بالتصفيق، في إشارة واضحة إلى رفض الصراعات المذهبية التي تمزق الأوطان وتعبث بحاضر الشعوب وتهدد مستقبلها، لتنتهي المونودراما الشجية بصوت السياب يتلوى صارخا:

"الليل أطول في بلادي من سواه

حتى الظلام هناك أعتم

فهو يكتسح العراق

واحسرتاه فلن تنام ولن أنام".

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي