رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 ايار( مايو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1734

13 عاما من التمزق فـي العالم العربي

ترجمة/ د. جاسم الهاشمي
لم يسبق لـ "نيويوك تايمز" الامريكية، أن تنشر قصة كهذه: "إنها أطول ما نشرته مجلتنا"، كانت محصلة تقارير استغرقت 18 شهرا، تدور حول الكوارث التي حلت بالعالم العربي، منذ غزو العراق قبل 13 سنة، والذي قاد لظهور داعش ـ ISIS ـ وحتى الأزمة العالمية للاجئين في العام 2016. جغرافية تلك الكارثة واسعة، وأسبابها كثيرة، لكن نتائجها الحرب والحيرة التي تلف العالم.
سكوت اندرسن، مقدم القصة بأكملها من خلال شخصياته في مصر وليبيا وسورية والعراق و(كردستان العراق)، المصور باولو بيلجيرن وملفاته العشر التي جمعها في سفراته المتعددة في المنطقة، وخلال 14 سنة في تجربة عينية بارزة الملامح، عاشها المصور مع القوات العراقية لاستعادة الفلوجة. لم يسبق أن خصصنا عددا كاملا من المجله لقصة واحدة، ولم نكن نفعل ذلك لولا قناعتنا بأن ما نقدمه من القوة والواقعية لشرح ما جرى من أخطاء بشرية لم يسبق للقارئ أن يتعرف إليها.

جيك سلفرشتاين ـ رئيس التحرير

آزار ميرخان ـ كردستان

ربما كانوا يسخرون من آزار ويلقبونه عدو الأجانب زينوفوب، أو الفاشي نظرا لآرائه الانفصالية. ولكن برؤيته لعواقب وجود داعش البربرية, وبإطلاعه على موجة الحقد والكراهية المتفجرة في الشرق الأوسط في السنوات القليلة الماضية، اعتبرت مشاعره تلك طريقة للخلاص من المشكلة. آزار والكثير من الساسة والدبلوماسيين ورجال الدولة يدافعون عن انفصال المجموعات العرقية والدينية ولو بطريقة اللاعنف. ويقدمون نموذجا لمشروعهم في كردستان.
لخمسة وعشرين عاما، وجدت الحكومة الكردية – كي آر جي- كردستان ريجنال جوفرنمنت، كحكومة شبه ديمقراطية مستقرة, وكجزء من العراق بالاسم فقط.. ربما يكون الأجدى أن يتكرر هذا النموذج لبقية أنحاء العراق. من أجل خلق شعب   بثلاثة أجزاء بدلا من جزأين؛ أعط للسنة حكومة بكل مواصفات ما يتمتع به الكرد: رئيس دولة, حدود داخلية, حكومة ذاتية عسكريا ومدنيا. ويمكن لكلمة العراق أن تظل على الأوراق على أن يوزع النفط بالتساوي بين الثلاثة. فإذا ما نجحت التجربة يمكن تكرار هذه البلقنة في ليبيا وفي سوريا الممزقة.
حتى المقترحين والمناصرين لهذا الفكر يرون أن الانفصال لن يكون سهلا. ماذا ستفعل بمدن يمتزج فيها الناس بأنواعهم؟ كبغداد وحلب؟ ثم إن القبائل في العراق تتفرع إلى مجموعات سنية وشيعية. وفي ليبيا يمتد الانتشار الشعبي الجغرافي إلى قرون من الزمان فهل سيختار هؤلاء الناس الالتحاق بقبيلة أو طائفة أو وطن جديد؟ الأمثلة في التاريخ توضح أن مثل هذا الإجراء خطر وقاتل - انظر إلى تقسيم ألمانيا  بعد الحرب - وإلى سياسة العداء للألمان في أوروبا الشرقية. وتقسيم الهند في 1947. ولكن رغم البؤس والخسائر البشرية أثناء تنفيذه، ربما كانت هي الطريقة الوحيدة لمنع دول الشرق الوسط من الانزلاق إلى مذابح جديدة اشد قسوة.
المشكلة الباقية هي انه ما إن يبدأ هذا النمط من التجزئة، فإن المرء لن يدرك إلى أين ينتهي؟ غزو العراق والربيع العربي جلب التجزئة إلى قبائل وعشائر وما دون ذلك, أضف لذلك أن حكومة كردستان لا تبدو كنموذج بل كتحذير.
بسبب وجود قبيلتين وما بينهما من حزازات تحولت كردستان وهي بحجم فرجينيا الغربية إلى اثنين في كل شيء حكومتين, قائدين, جيشين.. في الوقت الحاضر يغطي هذا الانقسام الخوف من داعش والرغبة بإظهار جبهة متحدة أمام أنظار العالم. لكن التيار المخفي يبقى ماثلا, كذلك يمتد هذا الانشقاق ليفسر المصير المؤلم الذي لاقاه اليزيديون.
يقول آزار: يمكن لأي مراقب وحتى المغفلين أن يرى أين اتجهت داعش في هجومها في آب من سنة 2014 ولكن لأن اليزيديين يعيشون خارج البنية التنفيذية للسلطة المحلية ـ كي آر جي ـ لم تكن لهم تحالفات مع أي من الخصمين أو غيرهما من الفئات المتنازعة, تُركوا ليلقوا مصيرهم وحدهم. ومهما تكن المبررات التي يقدمها الطرفان من سياسيين وعسكريين فإن ما حدث في سنجار لم يكن ليحدث لو كانت سنجار برزانية أو طلبانية.
الآن ما الذي يحدث للسلطة المحلية عندما يزول الخطر؟ أعتقد إذا كان التاريخ يصلح أن يكون دليلا, فإن نزاع برزان - طالباني سيزداد سوءا، وقد يؤدي إلى حرب أهلية. احد الفصول المخفية لتاريخ هذه المنطقة، هو سلسلة المعارك الطاحنة بين القبائل منذ بدئها؛ تراث من سفك الدماء المتبادل يمتد إلى أكثر من نصف قرن وإلى حد منتصف التسعينات. هذا تأريخ مخفي تعرفه عائلة ميرخان من تجربتها.
عبر أحاديث مع أشقاء ميرخان اطلعت على الكثير من المآثر والشخصيات من العائلتين الذين فقدوا حياتهم كبيشمركة، ودخلوا في سجل شهداء الكرد: والدهم هسو وأخوه علي الذي سمعت القليل عنه. ذلك التكتم الذي أبداه الأخوان كان مثيرا للانتباه، خاصة بما يتعلق بكيفية موتهما, وبعد الإلحاح نطقوا بالسر, وهذا ما تأكدت منه شخصيا وبصورة مستقلة: لم يقتلا على يد الكثير من أعداء الكرد الخارجيين, هسو وعلي قتلا على يد فئات من البيشمركة المتخاصمة.
"من العار أن يقتل الكرد بعضهم الآخر"، قال آزار مبررا ترددهم في الإجابة "مع كل هذا العدد من العداء كيف تسنى لنا أن نلتفت ونقتل بعضنا؟", وذلك كان سؤالا وجيها يصلح أن يطرح على مساحة الشرق الأوسط المفترق مهما تكن الانقسامات وتشعباتها.
وفي موقع متوسط لحوض سنجار كشف التفاف الدرب عن قرية أنيقة على الجانب الآخر للنهر: سلسلة من البيوت تتسلق السفح الصخري للرابية وعلى الأسفل عدد من الآثار التاريخية القديمة. بعض تلك الجدران ترتفع لما يزيد على عشرين قدما. كان السكان القدامى بارعين في نحت الصخر وإزالة ما يمكن من المتراكمات لغرض البناء. حدث ذلك اكتشاف الآلة وربما استغرق البناء عقودا لكي ينتصب. تلك البيوت مهجورة الآن, سقوفها مجوّفة, فتح جنود صدام في سقوفها كهوفا. لكنهم تركوا الآثار على حالها.
"لا بد أنها كانت في غاية الجمال، هذه القرية؟" يقول آزار وهو يسرح نظره فيها "شكل من أشكال الجنان".
لكن آزار يرى من وجهة نظره أن أهمية الماضي تكمن في ما يقوله عن المستقبل. وبعد أن ترك سنجار في ظهره، بدا عليه نوع من السرور نحن نواصل مسيرنا عبر جبل سنجار. كان ينقر بأصابعه على مقود السيارة. "هذا زماننا, العراق مضى, سوريا مضت. الآن جاء وقتنا".

خاتمة

بعد 16 شهرا من السفر في الشرق الأوسط, أجد أن من المستحيل توقع ما سيحدث  في القادم. فلنترك الآن ما تعني الأحداث. أنا والمصور باولو بيلجرن نرى, وفي كل مكان, أن الأمور قد ازدادت سوءا على ما كانت عليه يوم بدأنا العمل.. نظام السيسي في مصر تفاقم اضطهاده وكبحه. الحرب في سوريا سلبت, مرة أخرى, عشرات الألوف من الأرواح، إضافة إلى المشاكل الجديدة, ليبيا تندفع نحو اللاحل, نحو الإعسار.. فإذا كان هناك نقطة ضوء فهي ما يبدو من التحالف الدولي، من اتفاق وتصميم على التدمير النهائي لداعش.
وهنا أتذكر شيئا قاله لي مجد إبراهيم: "داعش ليست مجرد منظمة. إنها فكر". إنها ليست قبيلة, بالطبع, فإذا ما دُمِّر هذا التجسيد فإن الوضع الذي ولد داعش سيبقى على شكل شباب ساخط لا مستقبل له, مثل وقاص حسن, الذي وجد الهدف والقوة والعائدية الانتماء في أن يحمل بندقيته. باختصار لا شيء سيتحسن عاجلاً. 
وعلى مستوى فلسفي آخر علمتني السفرة أن أتذكر كم هي دقيقة صناعة الحضارة, وكم من يقظة مطلوبة لحراستها وكم من جهد مؤلم مطلوب لإصلاحها أو ترميمها لو تعرضت لتدمير. ليس ما أقول محض فلسفة سابقة, بل هذا هو ما تعلمته أنا كدرس  وما وجب علينا جميعا أن نتعلمه بعد درس نازية ألمانيا والبوسنيا ورواندا.. ربما هو درس علينا أن نتعلمه باستمرار, ونعيد تعلمه. 
وعكس ذلك وجدت سلوى كبيرة في الطاقة الخارقة للأفراد لخلق التغيير بقوة الإرادة الخالصة, ونموذج خلود الزيدي على رأس الأمثلة.. البنت الصغرى في عائلة تقليدية بمحافظة عراقية ريفية المستوى، تصبح بشكل فذ قائدة غير متوقعة؛ استطاعت بطريقتها إنقاذ أسرتها. وهنا أيضا توجد مفارقة.. أفراد كخلود يجب أن يعنوا  بإصلاح تلك الانكسارات. مع ذلك نجد مثل هؤلاء الأفراد, خير ما يقدمه شعبهم, نجدهم يتركون بلدانهم بحثا عن حياة أفضل في الخارج. واليوم ربحت النمسا ما خسره العراق.
وأنا اكتب هذه الكلمات, يقوم العراقيون على مهلهم باسترجاع المدن من داعش. على امتداد وسط العراق السهلي.. تم استرداد الرمادي في شباط, الفلوجة في حزيران. ويخططون بحملة مشتركة مع القوات الكردية من اجل الموصل, وهي في مراحلها المتقدمة. وقد تكون الضربة في أكتوبر.. وإذا كان هناك شخص سيلعب دورا مهما في الحملة فهو د. آزار ميرخان. لكن النضال الحقيقي لآزار هو في فصل بلاده عن العالم العربي, وهذا سيستمر بعد المعركة.. كذلك, ومن نتائج المعركة أن وقاص حسن سيفقد منفعته لآسريه, كما بينه الضابط الكردي, سوف يسلم حتما للسلطات العراقية لإعدامه.
في ليبيا, مجدي المنكوش, يواصل دراسة الهندسة, ولكنه يتأمل الصراع الدائر في بلاده لقد توصل إلى فكرة جديدة غير مألوفة: وهي إعادة الملكية التي انقلب عليها القذافي في 1960.. "لاحظ إن هذا هو الحل لجميع مشاكلنا"، قال لي مجدي "على الأقل عندما كان هناك ملك كنا شعبا"، ومهما يحدث في ليبيا فمجدي مكلف ذاتيا للبقاء في بلاده ومحاولة تحسينه: "أنا مستعد لفترة أخرى من المجهول"، هو يقول.
في دريسدن, مجد إبراهيم, منح حق اللجوء, الذي سيمكنه من البقاء في ألمانيا للثلاث سنوات القادمة على الأقل.. يتعلم الآن اللغة الألمانية, بأمل العودة إلى الدراسة للحصول على ماستر في إدارة الفنادق.
في مصر, ابن ليلى سويف, علاء يقضي سنته الثانية في السجن من مدة خمس سنوات, ابنتها سناء أطلق سراحها بعفو رئاسي في سبتمير 2015, بعد أن قضت خمسة عشر شهرا من محكوميتها. لقد وجدت مذنبة في مايس مرة أخرى لإهانتها القضاء، وحكم عيها بالسجن ستة أشهر. وهي الآن في سجن النساء في القاهرة.
في النمسا خلود وشقيقتها تأميم استمرتا بالعيش مع أسرة ادلزبرونر، وقد حصلتا مؤخرا على زمالة دراسية لدراسة إدارة الثقافات المتبادلة في كلية محلية في سبتمبر. وليس بعيدا, أمهما عزيزة التي فضلت البقاء في الكوت, والتي لم ترها خلود إلا مرة واحدة قبل هروبها منذ 11 عاما. ماتت في الكوت. استجابة خلود للحدث كان مثالا ينطبق على شخصية باسلة لا تهاب كخلود. ضاعفت من مساعدتها لعائلتها  الباقية. والدها وأختها لا يزالان في عمان لكنه يبقى حلم خلود الكبير أن تجلبهما إلى النمسا وان تنشئ عائلة مرة أخرى.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي