رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 ايار( مايو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1734

«يوليانا» تشعل الدنيا نورا

حازم مبيضين
رواية يوليانا المُهداة للمسيحيين الذين أخرجهم تنظيم داعش الإرهابي من الموصل صيف عام 2014 . تتحدث عن عدة مواضيع بأسلوب روائي مُتميّز وتتطرق للإيمان بقيم الخير ومفهوم الحب الإلهي، وعلاقته بحاجة الإنسان الماسّة إلى عون الغيب. وتدور أحداث الرواية المُقسّمة إلى ثلاثة أقسام بين عامي 1929 و1987 وتتقصّى الأحداث بين كرمليس والموصل، مُتتبعةً حياة ججو الأب وابنه حنا اللذين يُحافظان بنهجهما المتديّن، على سلوك يلتزم الإيمان بعد ظهور القديسة يوليانا لهما لتُرشدهما إلى طاقة الحب في نفسيهما.
ويستفز القارئ المتعجل ما جاء في صفحاتها الأولى، على لسان رئيس وزراء المجر السابق الكونت بول تلكي، المُوفد من عصبة الامم المتحدة لتقرير مصير الموصل، "إن عائديّة الموصل والبلدات التابعة لها إلى تركيا لا العراق" ، ما يدفع للغوص فيما وراء الحروف، بحثاً عن وثائق تاريخية خاصة لن يعثر عليها بين السطور المانحة للمُتعة السحريّة، ويوليانا ليست مُجرّد قدّيسة وإنّما هي روح في كرمليس تتواصل مع مريديها، تشهد على التغيّرات التي تطرأ على البلدة المُنعزلة وهي تفتح أبوابها لرياح التحديث. 
وقدّيستنا لا تُحارب بسيف الدين فهي لا تُدين التحوّلات التي أخذت أبناء البلدة صوب الملّذات، وهي كُتلة مُشعّة لا تظهر كثيراً، ولكنّها إن ظهرت، تُشعل الدنيا نوراً. من خلال علاقة مُتشابكة بين العديد من الشخصيات، نكتشف جوانب من حياة المسيحيين العراقيين في مدينة كرمليس وكنيستها القديمة، ونكتشف أيضاً أنّ مؤلفها على دراية كاملة بكل التفاصيل والطقوس الكهنوتيّة والحياة الاجتماعيّة المرتبطة بأركان الكنيسة، كما نكتشف أن محنة ججو بنيامين هي نفسها محنة البشر، الساعين للخير في زمن تغلغل الشر في النفوس، وهي محنة إنسان أراد أن يُحب كما البشر فحاربوه، وأبعدوه ورجموه لأنهم تغافلوا عن دخيلة قلبه وروحه، ووصل الأمر بالكنيسة حدّ ظلمه ورفض منحه رتبة شماس أو قديس يطارد الشر قبل أن يقع.  وهي تتطرّق عبر 252 من صفحاتها إلى موضوع جديد في الرواية العراقيّة على وجه الخصوص، وهي قضية الظهورات في الدين المسيحي، وتسرد بعضاً من هموم عائلة تتوارث العوق البدني، وتكون لها كرامات مع القدّيسة يوليانا رفيقة القدّيسة بربارة، التي تحمل كنيسة في البلدة اسمها.  أشياء كثيرة تُميّز رواية يوليانا، أبرزها الصنعة الروائيّة المتينة، حيث نجح الكاتب في إشباع الاجواء الكنسيّة بمشاهد مؤثّرة، جمعت بين سحر السرد والتأملات، فنجد الكثير من الرؤى التي تُناقش الإيمان، باعتباره فعلاً إنسانيّاً يدعو للحب والخير والصدق، وتفتح أفقاً جديداً في قضايا التسامح والايمان بالإنسان، وتُعبّر عن النقاء الداخلي له، وتُبيّن كيف أنّ الإيمان الحقيقي يكمن بالتسامح والحب، وليس بالكراهيّة والتشدد، فالقدّيسة يوليانا بظهورها المتكرر لججو وابنه حنا، صحّحت الكثير من المعتقدات، وأعطت الطمأنينة للفتى الذي لم يكن يعتقد أنّه أكثر من شخصيّة هامشيّة لا قيمة لها، خُلقت لتمنح الأصحّاء والأغنياء القدرة على فعل الخير، بينما هو يسقط في وديان حزنه مهموما بدونيّته البشريّة، ورغم اعتقاد الجميع بأن المُعجزات التي تقع لأبناء كرمليس، وحالات الشفاء التي يحصل عليها المرضى جراء تبرّكهم ببيت ياسمين، إلاّ أن القديسة يوليانا تُعلن أن لا علاقة لها بهذه المعجزات، وأن الفعل الإيماني كُلّه يكمن في القدرة الإنسانيّة لحنا زوج ياسمين، ومقدرته على أن يكون صادقاً ومُحباً لزوجته، رغم أنّه كان يسقي زوّار بيتها الماء، مخلوطاً بقطرات من عصير برتقال "نادر" المُركّز، فإنّه كان صاحب المعجزات التي وقعت بسبب الحب الصادق. 
وهو بعد سنوات طويلة من التخبّط والعذاب والحيرة، وبأنّه لا يُشبه والده إلاّ في الشكل، زار كنيسة القدّيسة بربارة، وهناك ظهرت له يوليانا للمرة الأولى، ورافقته إلى بيت ياسمين، واستفز هذا المؤسسة الدينية واستنفرها، وهي التي لا تظهر إلاّ للأشخاص ذوي القلب الأبيض والأفعال الخيّرة، حتى لو كانوا مُشوّهين شكلياً.
وبعد، فإن الرواية التي ظلّ نزار عبد الستار ينحتها طوال 17 سنة، لأنّ ما يُريد قولَه ظلّ يزيد ويتعقّد مع تزايد الأحداث وتعقّدها من حوله، حيث تغييرات عديدة على الفكرة الأولى، إلى أن خرجت بصيغتها النهائيّة، كُتبت بأسلوب الواقعيّة السحريّة، وخلق مؤلّفها عديد الشخصيّات الغريبة، ولكل منها حكايتها الفرعيّة التي تتقاطع مع الحكاية الأساسيّة وتؤثّر فيها، ليُنتج لوحةً سرديّة تُخبرنا عن العراق بين الماضي والحاضر، وتحديداً عن المجتمع المسيحي فيه، ومعتقداته وأسلوب حياته وتاريخه. 
وبعد أيضاً، فإن أهميّة الرواية الصادرة عن دار هاشيت أنطوان، تكمن في تزامن صدورها مع أحداث الموصل وسهل نينوى الواقع تحت أشد وأقسى هجمة ناجمة عن عدم فهم الآخر ورفض التعايش معه، وكأنّها صرخة في العراق المُتشظي بين الأديان والقوميّات المتصارعة للانفتاح على الآخر، وقبوله وتفهمه، والتعايش معه.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي