رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 19 اب( اغسطس ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2025

الإمبراطورية (الأمريكية) والجغرافيا السياسية (للعالم العربي)

ميثم الجنابي

يكشف تاريخ الدول الإمبراطورية عن ان كل ارتقاء بنيوي سياسي في فكرة الدولة والنظام السياسي يؤدي بالضرورة إلى تقليل عمرها. فالإمبراطوريات القديمة كانت تموت أو تتلاشى أو تضمحل أو تنحل أو تذوب في مجرى التاريخ. ولكل حالة ظاهرتها الخاصة، التي تفعل بدورها في المسار اللاحق للتاريخ السياسي والثقافة والنظم السياسي. بينما تبقى فكرة الدولة، بوصفها الأكثر رسوخا. الأمر الذي يجعل من فكرة ونظام الإمبراطورية جزء من التطور الإنساني ووعي الذات التاريخي السياسي والقومي. ومع ذلك تظل الإمبراطورية القديمة بغض النظر عن سعة واتساع مساحتها، "محلية" أو جزئية سواء بمعايير الجغرافيا أو الثقافة (أو الدين). وتتضح معالم هذه الظاهرة في العالم الحديث والمعاصر بسبب "إمبراطورية" العلم والتكنولوجيا المنافسة لمحدودية وضيق الفكرة الإمبراطورية السياسية القديمة. ومن ثم تراكم العناصر البنيوية القاتلة للفكرة الإمبراطورية، رغم فاعليتها واستمرار أثرها ما لم يجر تطور المركزيات الثقافية الكبرى المعاصرة في نظم موحدة (جامعات) مبنية على اساس الفكرة السياسية والاقتصادية. ومن الممكن رؤية الملامح الأولية لهذه الظاهرة المعقدة والمتناقضة في العولمة المعاصرة، بوصفها "إمبراطورية كونية محتملة".

فالإمبراطورية القديمة بنية تقليدية، بينما العولمة المعاصرة معارضة ونفي للتقليدية. الأمر الذي يجعل من الممكن القول، بان العولمة المعاصرة تمتص بطريقة ذكية وتدريجية الفكرة الإمبراطورية القديمة وتجعل منها كيانا لا معنى له ويتعارض مع فكرة التطور التاريخي. والسبب الجوهري لهذه العلمية يكمن في مسار الانتقال المتكامل صوب المرحلة الرابعة (المرحلة السياسية – الاقتصادية) والسير فيها حتى نهايتها، اي مرحلة الأولوية المتزايدة للسياسة والاقتصاد. 

كل ذلك يجعل من الإمبراطورية في العالم المعاصر خروجا على منطق ومعنى التاريخ. وهذا بدوره مرتبط بالتحول النوعي بهذا الصدد والقائم في انه إذا كان التاريخ السابق مسارا في الأغلب ليس مدركا، فانه في الظرف الحالي اقرب ما يكون إلى احتمال عقلاني. وهنا يكمن أيضا سر أو سبب صعود بعض النماذج المتطرفة في الفكر السياسي لدولة تتصف بقدر هائل من الاستقرار والنزعة النفعية، كما رأيناها ونراها على مثال سياسة "الفوضى الخلاقة" للولايات المتحدة الأمريكية. اذ نراها تجعل من السياسة الخارجية لعبة وتجريب. أنها لا تدرك خطورة هذه الرؤية. وهو دليل على افتقاد الرؤية النقدية وفكرة معرفة الحدود الذاتية، اي البقاء ضمن اطر وفاعلية "القوة الغضبية" (الغريزة) للإمبراطورية القديمة. وهو بداية الانهيار. وذلك لانها لم تر ولا تريد أن ترى المزاج العالمي، مع أنها الأكثر دعوة للعولمة. أما خطورة الإمبراطورية التقليدية في العالم المعاصر فتقوم في فعلها وأثرها المدمر للأسس الضرورية لمعرفة الحدود. ومن ثم تؤدي إلى الغباء التام. فالإنسان حالما يخرج من حدود الإنسانية أو الفردية، فانه يتحول ع مرور الزمن أما إلى مجنون وأما إلى منبوذ. وينطبق هذا على الدولة والأمة.

فشل السياسة الأمريكية في المشرق العربي

 لقد كان فشل السياسية الأمريكية في العراق وسوريا، رغم "إصرارها" على الاستمرار من خلال صنع صنائع صغيرة تابعة مثل التحكم عن بعد بالصراع الديني والمذهبي (القاعدة وداعش وغيرها) أو الاعتماد على أقليات عرقية (الأكراد)، "إنقاذا" لها. والشيء نفسه ينطبق على ملامح الفشل الأكبر في القارة الأسيوية ككل. اذ لولا هذا الفشل لأدى ذلك بها إلى رعونة "كونية". ويمكننا التذكير هنا إلى جانب "الفوضى الخلاقة" "لعبة الدومينو" في الموقف من السياسة الخارجية. لقد نظرت هذه السياسة إلى الدول والأمم كما لو أنها مجرد حجرات صغيرة تكفي حركة بسيطة لإسقاطها جميعا. غير أن ذلك يفترض أن يكون اللاعب هو من رصفها مسبقا. بينما لم تصنع الولايات المتحدة تاريخ هذه الدول ولا كيانها ولا كينونتها ولا نظامها السياسي ولا حتى الأشخاص المرتبطين بها.

وبغض النظر عما إذا كان هذا الفشل متأتي عن غباء أو سوء دراية (إستراتيجية خاطئة)، فان مما لا شك فيه هو انه يجمع بين الاثنين. فالأوهام تلازم الكبار والصغار، الإمبراطوريات والدكتاتوريات الصغيرة! ووهم الإمبراطورية الأمريكية الحالي يقوم في كونه نتاج انكسار مفاجئ وسريع في توازن القوى العالمي أدى إلى استفحال "الأنا"، ومن ثم اضمحلال وتلاشي الرؤية الواقعية والعقلانية في النظر إلى الواقع والمستقبل، اي صعود فكرة الإمبراطورية "الديمقراطية" في مرحلة تتعارض تعارضا تاما مع فكرة وأسلوب الإمبراطورية. فقد كانت الإمبراطورية القديمة محكومة بثنائية المركز – الأطراف. لكنها ثنائية جغرافية سياسية محكومة بالقوة والسيطرة والإخضاع. بينما أدى التطور التاريخي للدول والأمم والقانون إلى اضمحلال وتلاشي وحدة الجغرافية – السياسية في المشروع الإمبراطوري إن لم يلغيه. من هنا صعود ثلاثة أفكار كبرى وهي فكرة الإستراتيجية، وفكرة المصالح الجيوسياسية، وفكرة المصالح الجيواقتصادية والعسكرية. أما الآن فقد برزت وتزامنت وتوازت وعها فكرة "الثقافة المعولمة". بينما الثقافة المعولمة ليست ثقافة كونية بالمعنى الدقيق للكلمة.

عندما نطبق هذه الخطة أو الرؤية على "الصعود الأمريكي" من 1945-1991 أو حتى 2001، فإننا نرى تكامل فكرة الإستراتيجية الكونية. ومن خلال مشاريع عديدة ومتنوعة (عالمية وإقليمية ومحلية) مهمتها جمع المصالح الجيوساسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية في كل واحد. أما انهيار المعسكر الاشتراكي أو الاتحاد السوفيتي بشكل خاص،فقد أدى إلى صعود فكرة القطب الواحد والقرن الأمريكي. والحصيلة هي إننا نقف أمام توحيد الجغرافيا والتاريخ في كل واحد بطريقة اقرب ما تكون إلى صيغة (صنع في الولايات المتحدة). وفي هذا بالذات يكمن مصدر الوهم الأكبر للإمبراطورية الأمريكية، الذي وجد تعبيره الأيديولوجي عند المحافظين الجدد.

وقد كان هذا الوهم تعبيرا مناسبا عن نفسية وذهنية المحافظين الجدد في الموقف من العالم آنذاك (والعالم العربي بشكل خاص). وقد مثل المحافظون الجدد بصور نموذجية هذا التناقض بين الدعوة الظاهرية للعولمة والعمل بمعايير ما يمكن دعوته بالماسونية الأمريكية الجديدة. وبالتالي، فأنها تمثل نفسية وذهنية الغيتو وتقاليدها. وليس مصادفة أن يكون اليهود الصهاينة هم الأغلبية المكونة لنواة القوة الفاعلة في دفع الصيغ المباشرة والفجة لايديولوجيا المحافظين الجدد. بحيث نقف أمام شخصيات هي أنصاف متعلمة وديماغوجية صرفة.

لم تصب الولايات المتحدة بفشل ذريع ومريع في تاريخها الحديث (على الأقل من الناحية المعنوية والأخلاقية والسياسية) (والاقتصادية أيضا كما هو جلي في الأزمة الاقتصادية والمالية التي بدأت عام 2008)، إلا حالما تحولت من مجرى تطورها الطبيعي التلقائي إلى العمل بمعايير الإمبراطورية التقليدية. بمعنى إصابتها بمرض الضمير أولا ثم العقل لاحقا. وهي النهاية البائسة لكل فكرة إمبراطورية تقليدية.

وعموما من الصعب إقناع الغبي بأخطائه، خصوصا عندما يكون متعجرفا ومتذاكيا ويتصف بقدر كبير من النزعة الكلبية. لكن المصير النهائي واحد سواء جرى وضعه في مؤلفات ضخمة أو عبارة واحدة تقول بان كل شيء عرضة للتغير والتبدل أو الزوال بما فيها الدولة الإمبراطورية.وهي حقيقة ترتقي إلى مصاف الحكمة الأبدية. أما بالنسبة للعالم العربي فان الحكمة بالنسبة له تقوم في ان يعتبر بتاريخه الذاتي ورؤيته المستقبلية الخاصة، أي ان لا يقف أمام حالة كونه مجرد جغرافية سياسية واقتصادية لمطامح خارجية أيا كان شكلها ومحتواها.

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي