رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2062

أسرى صدام حسين ..!

قاسم حول

كان ينبغي أن يطول العمر بصدام حسين، فهو شخصية لم يكن من الصحيح إنهاء وجوده حيا، فلقد إختفت بإختفائه الأسرار التاريخية الخطيرة. هو شخص غريزي الطبع وليس عقلي التصرف، يتصرف وفق غريزته التي تنبؤه بمكامن الخطر، مثل الحيوان الذي يشم الخطر ويشعر فيه. هو مرهف السمع وحاد النظر، لذلك تمكن من رصد خصومه والقضاء عليهم بأشد أشكال العنف قسوة. كما وأنه يعمل على إذلال الآخر، وبشكل خاص الآخر العراقي، وهو حين يحتقر خصومه، يشعر بالنشوة أنه أذلهم!

صدام حسين يكره الماركسية ويكره اللينينية، وليس كما يظن الشيوعيون، حين إستوزر منهم عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي "عامر عبد الله" فقد أشاعوا بين صفوف تنظيم حزيهم، أن عامر عبد الله يعطي دروسا لصدام حسين بالماركسية اللينينيةَ، وهو محض إفتراء!  فصدام حسين قارئ نهم لمذكرات هتلر في كتابه "كفاحي" ومؤلفات ميكيافيللي وفي المقدمة منها كتاب "الأمير" وكذلك إعجابه بشخص ستالين والمؤلفات التي كتبت عنه!

 حين قرر صدام حسين إعدام ثمانية عشر عنصراً من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي بإدعاء عملهم الحزبي في صفوف الجيش العراقي، فرط عقد ما يسمى بالجبهة الوطنية "سيئة الصيت". وباشر عدد من قوى اليسار والقوى القومية السفر بإتجاه بيروت وصعد الكورد نحو الجبال. يومها قال صدام حسين، أفتحوا لهم أبواب المطارات وليغادروا العراق، وأضاف "ليذهبوا أينما شاءوا فإنهم أسرى عندي"!

وسرعان ما باشر أسراه بالعمل لصالحه تحت مسميات مختلفة، وكانوا يتحركون من براغ لتجميل صورته البشعة، وإشعاله للحروب في المنطقة! وكانت نساء بعضهم صلة الوصل بينه وبين أسراه!

كنت أتمنى لو أن حكومة وطنية حقيقية مسكت بزمام الأمور وحققت مع الطاغية الأرعن وأتباعه وكشفت الأسرار، لكن تلك الأسرار مطلوب دفنها مع صدام ومع برزان ومع وطبان .. وكل تلك الشلة التي لعبت بحياة المواطنين وإذلتهم!

أسرى صدام حسين لم يعودوا أسرى، بل تحولوا اليوم إلى مناضلين، فيما كانوا أسرى عند صدام حسين. فقط أن الحقيقة ماتت بموته. الجميع كانوا أسرى لدى صدام حسين، وصدام حسين في ذات الوقت أسير بعض القوى، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الأمريكية والدولة العبرية وقد أثبتت الأحداث السابقة واللاحقة هذه الحقيقة ولا أحد يريد الإقتراب منها! فإغتيال ناصر الحاني في بداية السبعينات أول مؤشرات الإرتباط المشبوه لصدام حسين وسلطته، ولذا فإن إنهاء حياة صدام حسين كان في مصلحة تلك القوى وكان أيضاً، في مصلحة الأسرى حتى يعودوا مناضلين وأعضاء برلمان وينتشروا في متن دوائر الدولة العراقية الجديدة، وإن إقتضت الضرورة أن يعتمروا العمامة!

لو جاءت سلطة وطنية لتغيرت كثير من الأمور ولعاش المواطنون سعداء في وطنهم، لكن أسرى صدام حسين هم الحاكمون .. أسرى بشكل حقيقي وأسرى بشكل مجازي!

"ليذهبوا أينما شاءوا فإنهم أسرى عندي" هذا حوار مسرحي، حوار ذو بعد درامي، يمكن أن يحصل على خشبة المسرح أو على شاشة السينما، وليس حواراً يقال في القصر الجمهوري بين صدام وطارق عزيز وبينه ولطيف نصيف جاسم وبينه وطه الجزراوي، سوى إذا أردنا الإقتناع بأننا نعيش مسرحية محكمة البناء تدور على أرض الواقع .. وهي كذلك .. وتلك المسرحية مصبوغة بالدم ويحمل ممثلوها أسلحة يقتلون بها كومبارس المشاهد المسرحية والسينمائية. وأسرى صدام حسين يعيدون الآن تقديم ذات المسرحية .. بذات البنادق وذات الأصباغ!

سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي