رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 23 ايار( مايو ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1734

دروس ميثاق لبنان لعام 1943

تلقي أحداث الربيع العربي بظلها على كل المنطقة، وتزيد من مخاوف بلقنة البلاد العربية وبالأخص التي كانت تحت مظلة السوفييت، وفي هذا السياق يعيش اللبنانيون بإحساس داهم من أن لبنان لا يزال ملعبا للكبار، فهو بلد سياحي يعتاش على الاتجار بالبيئة والتجاور الثقافي، وليس على تسويق الأزمات.
وفي مقالة جديدة لباسم الجسر ينبه إلى دور سوريا في لبنان في الحالتين، الرخاء والاضطرابات، فلبنان بتعبيره كان تقريبا تحت الوصاية السورية. وكان لنزاع سوريا مع إسرائيل أثر بالغ بسيادة لبنان على أرضه. وقد تاجر عدد لا يستهان به من الأطراف بواقع الهزيمة، واليوم يتحمل لبنان نتائج الخراب الذي تمر به سوريا لسببين:
انهماك حزب الله في الوضع السوري، والحمولة الفائضة من المهاجرين السوريين على الساحة اللبنانية.
ويأتي هذا التفسير من باسم الجسر امتدادا لرؤيته المتوازنة التي تجدها في واحد من أهم كتبه وهو "ميثاق ١٩٤٣ لماذا كان وهل سقط". 
يمهد الكتاب لموضوع الميثاق بنبذة تاريخية عن أهم التطورات التي سبقته، ولا سيما تقاسم السلطات وانتشار زعامات محلية أدت لتشكيل مراكز ثقل.
وإذا وضعنا بعين الاعتبار أن لبنان بحد ذاته دولة ناشئة تطورت من سنجق جبل لبنان إلى دولة لبنان الكبير، يمكن أن نفهم الاستماتة التي أبداها المتنازعون على السلطة.
فقد تبلور الميثاق بين عامي 1920و 1936 في ظل مخاوف متزايدة من سيادة طرف على حساب طرف،
وكان من البديهيات أن حسم الصراع لا يمكن أن يحصل بالقوة المفرطة ولكن بالتوافق.
وأكد على هذا الاتجاه أن الشرق الأوسط الحديث لم ينشأ بشكل طبيعي، وإنما بفعل سقوط الدولة العثمانية أولا، وثانيا بفعل تنازع قوة البريطانيين في البحار مع قوة الفرنسيين في البر والمرتفعات.
وربما كانت المسألة اللبنانية برأي باسم الجسر هي من معطيات الفتح العربي، ولجوء الموارنة إلى جبال لبنان.
ويؤكد أن معظم سكان لبنان وسوريا اعتنقوا المسيحية في القرن الخامس، أي قبل مائة عام من ظهور الإسلام. وبعد الفتوحات وما عانوه من تمييز واضطهاد أسسوا أديرتهم الخاصة بهم، وانفصلوا عن الكنيسة السورية واعتصموا في الجبال. وبالأخص سلاسل المرتفعات الشمالية والغربية..
وبعد تحول أغلب سكان سوريا للدين الإسلامي الناشئ  كان من الطبيعي عقد حلف طائفي بين مسيحيي الجبل والمرتزقة البيزنطيين( ص 28).
وقد لحق التبدل بهذا الواقع التاريخي في أعقاب سقوط الخلافة الأموية. فقد انعكست الصورة. ولجأ كثير من الأمويين إلى جبل لبنان، وتحالفوا مع المسيحيين ضد السلطة المركزية في بغداد( ص 29).
وبنتيجة هذه التطورات برزت المستجدات التالية:
1 - ظهور الاقطاعية الدرزية والمارونية.
2 - انتشار المذاهب الإسلامية في منطقة الجبل.
3 - انتشار اللغة العربية على حساب السريانية وهي لغة السكان الأصليين.
ولكن الصورة النهائية للبنان تمخضت عن اتفاقية سايكس بيكو واتساع رقعة الأراضي اللبنانية، فبعد أن كانت الأكثرية الساحقة للمارونيين أصبحوا من أكبر الطوائف ولكن دون تشكيل أكثرية، ص 52. واحتل الدروز في الكيان الجديد خامس مركز من حيث التعداد بعد الموارنة والسنة والشيعة والأرثوذوكس.
وفي ظل هذه الأوضاع غير الحاسمة أصبح للميثاق ضرورة وجودية وليس وطنية فقط.
وكان أي نزاع لا يهدد استقرار الدولة وإنما كيانها الذي لا تحفظه غير العهود والتوازنات.
ولدينا مثال واضح وهو حرب 1975 والتي هي من جراء ممارسات بعض الأطراف على أساس أنهم قوة لها سلطات دولة.
وأضيف من عندياتي أن بروز الولايات المتحدة وهضمها لكثير من سلطات الدول الاستعمارية السابقة ألحق التبدل بالهوية السياسية للبنان، وفي مرحاة تالية غيّر من التوزع الديمغرافي ومن حقيقة انتشار الطوائف والمداهب على الأرض وصياغة أو تطوير تحالفاتها. فقد تعرضت الأحزاب التقليدية لانشقاقات وتفكيك وإعادة بناء.
وشهد الموارنة  انقسامات كثيرة، أدت في بعض الحالات  لانفجار النزاع بين الأحرار والكتائب  ،
وانفصل حزب الله عن حركة أمل وأنشأ قوة عسكرية بموازاة الجيش اللبناني، واحتكر لنفسه شعار المقاومة، لا بل إنه ساعد على تبدل جذري في صيغة بعض الأطراف ومنها تكتل ميشيل عون والذي انتقل من العداء السافر لسوريا إلى إقامة حلف استراتيجي معها.
إن الميثاق اللبناني هو شكل من أشكال تقاسم السلطة وليس السيادة.
فالسيادة بالعادة لمؤسسات الدولة بينما السلطة هي للتكتلات النشيطة والفاعلة على الأرض.
والدولة أحيانا تكون بمثابة الخلايا النائمة ، ولكن لا تفرض نفسها بقوة العضلات حفاظا على صحة المجتمع وتوازنه.
إن الفرق بين الدولة والسلطة مثل الفرق بين الميثاق (أو الاتفاق الشفوي) والدستور.
فالأول موجود لتسيير الأعمال وليس لتحريك التشريعات وبلورتها، وبلغة باسم الجسر لقد نشأ عن ذلك صدام بين ما يسمى الدساتير التقليدية والتقاليد الدستورية ص 311.
وأعتقد أنه من هذه النقطة يمكن النظر لموضوعة الميثاق في لبنان على أنها مشكلة مستمرة ويمكن تعميمها على وضع دول الربيع العربي.
فالعراق بحاجة لقراءة تاريخية لماضيه، وسوريا بحاجة لإسقاطات على واقعها المعاصر بالانطلاق من ماضيها الحديث أو بدءا من طور الاستقلال عام 1946.  
إن الحياة السياسية هي نتاج الوعي الثقافي والاجتماعي للمكونات على الأرض. مع الأخذ بعين الاعتبار المستجدات في دول الجوار. 
إنه لو لا سياسة الثورة الإيرانية لما وجد حزب الله لنفسه متنفسا أو حليفا قويا، ولما اشتد أزر الإسلام الإيديولوجي في العراق.
والآن توجد تفاهمات لتوزيع النفوذ بين كل الأطراف في العراق، وهذا طبعا برعاية من الدستور المعترف به.
وتسعى سوريا للتوصل إلى تفاهمات مماثلة، ولعله يمكن وصف هذه المساعي بأنها تتبع سياسة العصا والجزرة، فالاشتباكات تسبق كل دورة من المحادثات بين الأطراف، ولكن في الحالة السورية يصعب الإقرار بوجود ميثاق تهدئة وتقاسم نفوذ، وكل ما نراه هو طروحات يغلب عليها التشدد من طرف والمساومة من طرف آخر.
إن السلسلة اللامتناهية من التوتر والانفراج حاليا هي أزمة غير داخلية. إنها نتاج عيب خلقي أو بنيوي نتوترثه منم أجيال ولكن السبب المباشر كما يقول باسم الجسر أيضا ناجم من عالم ترامب وبوتين. فالأهداف والقواعد الموضوعة تتعرض لتحريك وشيء من الدفع ، أو تطبيق القوة، لتخرج عن مواقعها السابقة وتتشابك وفق معطيات غير موجودة. وهذا يستلزم سياسة "التزبيط" وهي كلمة عامية، تعني إعادة الأشياء والأمور لما كانت عليه. أو تعديلها. أو تبديلها شكليا. ولم يعد سرا، كما يضيف الجسر كذلك، أن ما يجري في دول الربيع العربي هو جزء من هذه الإشكالية الدولية.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي