رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 15 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2079

اليهود في يوميات محمود خالص (ذاكرة ورق)

مازن لطيف

 يفتخر القضاء العراقي بأنه أنجب رموزاً كثيرة، ومن أبرز رموزه، كان القاضي محمود خالص (1900-1981). عمل بنزاهة وعدل في خدمة القضاء. عاصر الفترة الملكية والانقلابات الجمهورية المتعاقبة. أصدر ولده د. وليد محمود خالص مذكرات والده بمجلدين كبيرين (1584صفحة) بعنوان (ذاكرة الورق - ستون عاماً من تاريخ العراق الحديث في يوميات محمود خالص)، والمذكرات عبارة عن يوميات، كُتبت للفترة (1920-1981)، دوّنها المرحوم خالص بشكل يوميات، وهذا ما يميّز المذكرات اليومية التي تقي صاحبها من النسيان للوقائع والحوادث المتلاحقة.. قرأتُ المذكرات بإمعان، وقد أعجبتني كثيراً؛ لأنها تنقل وقائع وأحداث تاريخ العراق الحديث، يوماً بيوم، بدقة وأمانة. وخلال قراءتي للمذكرات، وجدت فيها حوادث وأسماء ووقائع تخصّ يهود العراق الذين أهتم بتاريخهم اهتماماً خاصاً، وأقدمها للقارئ العراقي والعربي، كونها كُتبت بموضوعية وإنصاف.

رحم الله القاضي محمود خالص، لقد كان وطنياً عراقياً مخلصاً، لم ينجرف مع ضعاف النفوس من النفعيين والكارهين للمساواة بين جميع الأديان والطوائف، مثقّفاً نزيهاً ممّن كان العراق في أمس الحاجة إليهم أيام الحقد الأسود نحو الأقليات والمذاهب الأخرى.

الخميس 5-4-1923: ذهبت إلى المكتبة، فقرأت كثيراً، ثم أتاني منشي كاشي، فذهبت وإياه إلى جمعية الشبيبة الإسرائيلية؛ لأصحّح أغلاط رواية، يزمعون تمثيلها، ثم إلى مكتب الإليانس الموسوي.

السبت 24-4-1926: اشتعلت المحكمة بتدقيق أوراق دعوى جناية قتل اليهودي الياهو كرواي وابنه، فحكمت المحكمة على المتهمين السبعة علي جدوع، عبد الرضا صبري، عزيز، حنتوش، حميد بالإعدام شنقاً، إلا أنها رأفت بحقّ حميد، وبدّلت عقوبة الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبّدة، وكنت قد خالفت في أمر تجريم خمسة، لأني وجدت الأدلة غير كافية.

الأربعاء 28-3-1928: دعاني رئيس المحاكم، وأمرني بالجلوس مع هيئة المحكمة الكبرى؛ لتشكيلها للنظر في دعوى تقديم سند إبرام مزرّر؟؟؟، وهو عزره، ومير، وحياوي، أولاد منشي سودائي، فقررت المحكمة - بعد أن استمعت إلى بعض الشهادات - توقيفهم حتّى نتيجة الدعوى، فأخذوا يولولون، ويبكون.

الأحد 8-4-1928: حكمت المحكمة الكبرى بالأكثرية على أولاد سودائي بالحبس الشديد لمدة سنة، وفق المادة (285) من ق ع ب.

الأربعاء 15-5-1929: جاء الياهو العاني يعتبك، لأن أخي لم يساعده في الانتخاب.

الجمعة 19-1-1951: الحكومة تسفـّر اليهود، والذين أسقطوا جنسيتهم، وهي تعاملهم بخشونة نوعاً، والناس - هنا - يهزؤون بهم، والحقيقة أنهم يلتحقون بدولتهم التي أسّسوها في فلسطين، وهم الذين يهزؤون بنا، وقد تغلّبوا على الدول العربية، ورغم أنوفهم، أسسوا هذه الدولة.

السبت 20-1-1951: حصلت مشادة بين منشي كاشي، وعبد الرحمن زيور، لم تعجبني؛ لأن كلّ واحد انحاز إلى دينه. إن اليهود - وإن كان فيهم معايب - شاركونا هذا الوطن مدة من الزمن، ويجب علينا أن نعاشرهم بالحسنى، فإذا أرادوا الذهاب، وهم راضون، وأننّي رأيت من المسليمن مَنْ هم أدهى وأمرّ.

الأربعاء 24-1-1951: جاري يعقوب المختار اليهودي، زوّج ابنته. كان موظفاً في القطار، اتهم باختلاس بعض الأموال، ومعه جماعة. أفرجوا عنهم، إلا هو، حبسوه ستة أشهر. وجدت جاري واقفاً بالباب صباحاً يستنجد، فوعدته بأنني سأكلّم مَن يدقّق بقضيته بعدل وإنصاف.

السبت 3-2-1951: أتممت شغلي، رجوت مساعدة جاري يعقوب المختار اليهودي، وعدوني بمساعدته، وهذا الجار كان يؤذينا ببعض أفعاله، ومع هذا؛ فأنا أعاونه؛ لأن حق الجار على جاره، مهما كان مذهبه، أو دينه.

السبت 10-3- 1951: صدر نظام مراقبة أموال اليهود المسقطة عنهم الجنسية العراقية، ستجمّد بموجبه أموال اليهود الذين أسقطت عنهم الجنسية، وقد جاء هذا التدبير متأخراً، لأن معظم الأموال قد أُخرجت إلى البلاد الأخرى.

الأحد 11-3-1951: خرجت مساء إلى بيت محمود نديم مع منشي كاشي. لعبت شطرنج. وكان عبد الجبار الراوي هناك، لعب مع منشي، ثم لعب معه، عند عودتي، جلست في بيت منشي قليلاً؛ لئلا يربط بين حالة اليهود اليوم وصداقتي معه.

الثلاثاء 13-3-1951: كلمت الأخ ماجد مصطفى؛ ليعاون جبرائيل البنا بشأن تعيينه كمستخدم في مشروع إدارة أموال اليهود، فكلّم الأمين العام، فوافق على ذلك. وأخذ الشرطة يتعسّفون مع اليهود؛ لأنهم لم يفهموا مضمون القانون. يصادرون جميع أموال اليهود من منقول وغيره، رزق جديد ساقه الله عليهم.

الأحد 25-4-1951: جاءني منشي كاشي متذمّراً من صديق له، وعده أن يعطيه دَينه، فلم يفعل، كلّمته هاتفياً، وعد أن يدفع له، جُبل الناس على هضم حقوق إخوانهم في الإنسانية، إذا تمكّنوا من ذلك.

الاثنين 9-4-1951: ذهبت إلى النادي ليلاً، حدثت مشادة بين منشي كاشي، وأحمد حامد الصراف، اعتدى الصراف على منشي، لأنه يراه أقل منه شأناً، قلت له: إن ملاعبك هو مناظرك، أي نظيرك، فإذا جالستَ شخصاً، ولعبتَ معه أي نوع من أنواع اللعب، فلا شك أنك رضيت أن يكون نظيرك، وأنتما متساويان في الحقوق، وفي كلّ شيء، فلم يعجبه كلامي.

25-4-1951: سافر نصف يهود العراق - تقريباً - إلى إسرائيل، والفراغ ظاهر في بغداد، لأنهم كانوا يشكّلون مجموعة كبيرة في التجارة وغيرها.

الأحد 1-7-1951: جئت إلى المحكمة، ومعي منشي كاشي، وهو متذمّر من حالتهم، وسوء المعاملة التي يجابهونها من الناس، باعتبارهم يهوداً، رغم صيانة حقوقهم في الدستور العراقي، باعتبارهم مواطنين، لا فرق بينهم وبين أي عراقي آخر من دين آخر، ولكنْ؛ لا إمكان لتفهم الناس بذلك، فإنهم يعتبرونهم أعداء الإسلام، رغم رعويتهم العراقية، فالأجدر بالحكومة أن تتخذ ما يلزم من قرار حاسم في الموضوع، إما أن تطمئنهم، فتصدر بياناً يؤمّنهم على أموالهم وأرواحهم، وأن يعاقب مَن يعاملهم معاملة سيئة، وهذا حسن، والقصد من هذه المعاملة السيئة هو مصّ دمائهم، والاستيلاء على مابقي لديهم من أعلاق.

الأربعاء 19-1-1952: جئت إلى الدائرة، وكان معي منشي كاشي. إن الناس في العراق تعوّدوا على جفاء اليهود العراقيين، حتّى الذين كانت تربطهم بهم صداقة متينة، إنني أمقت هذا، لأن صديقك - مهما كان دينه - لا مجال لك أن تنفر منه، وتجفوه، إلا إذا بادر منه ما يستوجب ذلك من قلة وفاء أو غدر أو غيره، أمّا هذه الحالة؛ فليس لك أن لا تمدّ يد المساعدة لصديقك اليهودي، بسبب وجود عداء بين العرب وبين اليهود، فهذا أمر سياسي، لا دخل له بأمور الصداقة.

الأحد 5-9-1955: زرت صباحاً جاري اليهودي أبا نسيم، أهنئه بعيد المظلة.

السبت 5-10-1955: لم أزر أصدقائي من اليهود اليوم، لأن عندهم صوماً، يصومون في كلّ سنة من هذا اليوم.

الجمعة 11-10-1955: زارني جيراني وأصدقائي من اليهود بمناسبة عيد المظلّة (العرازيل).

الخميس 26-1-1961: بينما كنت أحاول الخروج من البيت، أخبرني الأخ عبد الله عبد المجيد بالتليفون أن أحد أصدقائي اليهود قد توفي، فذهبت إلى بيته، وشيّعت جنازته إلى محل ناء (الشماعية). إن المقبرة اليهودية التي هي في بغداد قد استولت عليها الحكومة؛ لتجعلها دار إذاعة.

الخميس 26-10-1961: أنجزت أعمالي، وهي كثيرة جداً، جاء سكرتير الحاخام يعتذر عن قضية بيت منشي كاشي، وهي أن منشي كان قد بنى كنيساً لليهود، ومشتملاً إلى جواره، وكانت زوجته قد راجعت الحاخام بشأن أخذ المشتمل، والاستفادة منه، فرفض الحاخام، وعرقل الأمر، ثم جاءت دائرة الوقف تطالبها بأجرة العرصة، وهي (360) ديناراً، رغم أنها لم تستفد من البناء، وقد كلّفت الحاخام أن تسدّد الطائفة الأجرة، لأنها هي المستفيدة من البناء، فرفض أيضاً، فاضطررت أن أنهي الحديث مع السكرتير، لأنه ظلم لهذه الأرملة ذات الأيتام.

الاثنين 9-4-1962: أنجزت أشغالي مبكّراً، جاء يوسف الكبير، وكان رفيقي في المدرسة، لم أره منذ مدة طويلة، ترك الاشتغال بالمحاماة، بل ترك الدنيا، وانزوى للتقشّف، وهو فيلسوف على الطريقة الهندية، استأنست به، وتحدثنا طويلاً.

السبت 3-8-1963: زرت الحاخام ساسون خضوري، وهو شيخ طاعن في السن، أجد في محادثته ما أسرّي به عن النفس من هموم، لأنه عرك الدهر، وذاق حلوه ومرّه، يعرف التاريخ وأصول الديانات، ويحفظ كثيراً من الروايات التاريخية.

الأحد 29-3-1964: زرت بعض اليهود الذين أعرفهم بمناسبة عيد الفطير، ومنهم الحاخام ساسون خضوري.

الثلاثاء 22-9-1964: اليوم عيد المظلّة اليهودي، زرت الحاخام، ثم زرت جاري اليهودي إبراهيم شماس.

الجمعة 18-3-1966: سمعت عصراً أن حفيد جاري اليهودي (أبو نسيم) صديق ابني دهسته سيارة، فمات، ذهبت إلى داره أعزّيه، تألمت كثيراً.

السبت 5-11-1966: زرت صديقاً لي هو المحامي صالح قحطان. رجل عرك الدهر، فذاق حلوه ومرّه، وجدته يائساً من إصلاح أمور الدينا، مادامت أطماع الحكومات غير محدودة.

السبت 26-8-1967: زرت الحاخام ساسون خضوري، وهو يبلغ من العمر تسعين عاماً. تمتع بصحة جيدة، وعقل سليم، وسمع لا غبار عليه. عركه الدهر، يقبـّلني كلما رآني.

السبت 28-10-1967: أخبرني الحاخام ساسون خضوري أن الحكومة قرّرت إغلاق جمعيتين يهوديتين، الأولى تهدف إلى دفن موتى اليهود الفقراء، وغيرهم، والثانية جمعية تدريس التوراة للراغبين في دراستها، وهم لا يزيدون عن عشرة. واستولت على أموالها، وسيارة نقل الموتى، وتابوتين، ثم إعادتهما للحاخام، إنهم بتشدّدهم مع اليهود يسيؤون إلى سمعة العراق، فاليهودي العراقي هو عراقي قبل كلّ شيء.

السبت 29-12-1967: زرت الحاخام في بيته، وجدت اليهود خائفين من تضييق السلطة الحاكمة عليهم، ومنعهم من التمتع بحقوقهم كمواطنين، وحُرموا من أي شغل في البلد.

السبت 18-5-1968: زرت جاري اليهودي، وجدته مريضاً، كما وجدت اليهود جميعاً يشكون من سوء المعاملة التي يلاقونها من أولياء الأمور، أخرجوهم من الوظائف، منعوهم من الاشتغال في الصيدلة، والمحلات التجارية، ومنعوا عنهم الاستيراد، وإنهم يشكون الفقر، لولا بقية ما ادّخروه من مال للأيام السود.

السبت 22-6-1068: زرت بعض أصدقائي، ومنهم الحاخام، عنده معلومات قرن كامل عن العراق، وعن أحداثه، وعن العائلات العراقية والإسلامية. رغم شيخوخته، لا يزال يتذكّر الحوادث، فيرويها بإتقان.

إن الحكومة الحالية الحاضرة تقسو على اليهود، وتظنهم رتلاً خامساً لليهود في إسرائيل. قد يكون في اليهود مَن يتجسّس، ولكنْ؛ على الحكومة أن تحاسب هذا الشخص، وتعاقبه، إذا ثبتت التهمة عليه، لا أن تعاملهم جميعاً، باعتبارهم جواسيس؛ لأن فيهم الصالح والطالح.

السبت 15-3-1969: زرت جاري اليهودي، فأخبرني أن أحد أصدقائه الذين أمروهم بترك بلدة الديوانية، والمجيء إلى بغداد، والتخلّي عمّا يملكونه من معامل طابوق وغيرها، جاء، فسكن بغداد، وأرسل ابنته البالغة من العمر (13) سنة إلى مدرسة الراهبات تدرس، ويوم الخميس الماضي جاءت امرأة تطلب مواجهتها في المدرسة، زاعمة أنها مرسلة من قِبل أهل البيت، فلمّا خرجت إليها، أركبتها سيارة فيها رجال، فخطفوها.

السبت 19-4-1969: زرت صديقي الدكتور منير، وجاري اليهودي خلاصجي، والحاخام، ولا أريد ان ينزعجوا مني، إذا انقطعت عن زيارتهم بسبب الأحوال العامة.

الاثنين 2-6-1969: أصدرت الحكومة قانوناً، يخوّل اليهود بيع أموالهم غير المنقولة، وبالسماح لهم بالحصول على جوازات سفر، وأظنه تدبيراً جيداً للتخلص من اليهود، لأنهم أصبحوا مصدر شك للحكومة.

الخميس 9-10-1969: سمعت أن الحكومة أعدمت يهودياً، ومسيحيين اثنين، وأربعة مسلمين بتهمة التجسس، لم تنشر أي بيان عن ذلك كأن الرأي العام العراقي لا أهمية له.

الاثنين 24-5-1971: مات الحاخام ساسون خضوري صباح اليوم، ولم أستطع أن أشترك في تشييع جنازته، بسبب المرض، وكان رجلاً دمثاً، خلوقاً، يدافع عن رعيته جهد إمكانه، رحمه الله.

الأربعاء 3-12-1975: وصلتني مذكرات أستاذنا بالمدرسة داود سمرة، قرأتها، وُلد من أبوين فقيرين، لا يملكان ما يقتاتان به. فشقّ طريقه بجهد عظيم، ودرس في استانبول عاصمة الإمبراطورية العثمانية، وقد نجح نجاحاً باهراً، وربّى أولاده، وقد مات قبل سنوات، ترك عائلة لها مكانتها في بغداد، وقد ترك ذووه العراق، وقد زاملته بمحكمة التمييز، فوجدت فيه الرجل العادل، رحمه الله.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي