رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 24 ايار( مايو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 1969

الانتخابات وصداع "الخطاب السياسي"

عبدالعظيم البدران

ما ان يقترب موعد الانتخابات حتى يكاد المرء ان يصاب بالدوار، ولو قدر لجهد اكاديمي مستقل ان يرصد تحولات الخطاب السياسي خلال تلك الفترة وآليات استثماره على الصعيدين الاجتماعي والاعلامي، ومن ثم مقارنته بمرحلة انتخابية سابقة ليس اكثر، سنكون دونما شك امام مادة علمية مروعة تكشف حجم الاختلاف والتناقض والتحولات غير المنطقية في شخصية السياسي وطبيعة خطابه!

الخطاب بما هو بنية التفاعلات الكلامية والاجتماعية لما وراء النصوص بمختلف اشكالها، لا يكاد يختلف الباحثون في ميادينه بمضمون غاياته وأهدافه التي تتمحور في تشكيل نسق اجتماعي، فالنصوص كما يرى الانكليزي "نورمان فركلاف" أسباب لها نتائج على الناس (سواء معتقداتهم، مواقفهم،... الخ)، والافعال، والعلاقات الاجتماعية والعالم المادي، وقد تساهم النصوص ايضا بما يلحق في المكونات المشار اليها من تغييرات. وبما اننا نتحدث عن الخطاب في ميدانه السياسي، فقد يبدو واضحا ما يهدف اليه الخطاب وما يطمح وراء تعدد اشكاله وأساليبه، بكونه يبتغي الوصول الى السلطة.

لكن السؤال المحوري هنا، وما يدعو الى الدوار حقيقة، لماذا ينتهج الساسة –على اختلافهم- اساليب غير مباشرة، متوارية، مضللة في التعبير عن غاياتهم ومرادهم مع ان الخطاب السياسي يفصح بذاته عما يريد، صرح او اضمر قائله ذلك، ولماذا تبدو اشكال الخطاب متناقضة الى حد التقاطع في فترات لا تكاد تكون بعيدة؟!

ان التناقض بين المنظومات: الدينية التي تفترض نظاما اخلاقيا وسلوكيا مثاليا؛ والاجتماعية التي تعلي شأن الروابط القرابية وتحتكر النجاحات تبعا لها وتقوم على اساس المجاملات والمنافع المتبادلة؛ والسلوكية السياسية التي لا تمتلك أي عقيدة مستقلة عن سابقاتها والتي اثبتت على مدار التجربة الجديدة عدم قدرتها على تقديم افضل مما قدمته، وهو ما لا يختلف المنصفون في تقييمه بكونه لا يعدو الخراب ولا يتجاوز الفشل.

تلك الصورة المختصرة لطبيعة التناقضات داخل المنظومات التي تحكم سلوك السياسي هي التي تشكل صورة التناقض بين خطاب الامس واليوم، بين رغبته في السلطة وزهده في الدنيا، بين حرصه على النأي بنفسه والابتعاد عن مواطن الشبهات وبين اداءه التكليف الشرعي، بين ادراكه لفشل السياسات وتسويغ الفشل بالمؤامرة الخارجية والعوامل الطارئة، بين ممارسته غير اللائقة ماليا واداريا وبين تحايله في ادعاء خدمة المذهب والطائفة، بين شيوع المحسوبية والقرابية وبين ادعاء تمكين العناصر المؤمنة بالدولة لا القادرة على بنائها، كل تلك وسواها العشرات ما سنجده واضحا بين ثنايا الخطاب السياسي، فكيفما كانت اساليب الخطاب وطبيعته لن تعدو كونه ممارسة اجتماعية تهدف الى حشد التأييد لكسب الاكثر بغية الوصول الى السلطة وتحقيق المنافع الذاتية تحت شعارات تغازل الشرخ الاجتماعي وتدعي انتهاج الاخلاقيات الدينية وترفع يافطات الهم الوطني. وهو مشهد على الرغم مما يسببه من صداع ودوار مزمن، لا يكاد يختلف بين انتخابات وأخرى.

ثقافة المنظومتين الدينية والاجتماعية، وما يوفره حتى الادعاء الشكلي بانتهاج تلك الثقافة من حماية او غطاء له اثار اجتماعية مهمة تمنح الحصانة وتوفر القبول في الذائقة الشعبية التي باتت تحركها عناصر الانتماء ومعايير الالتزام الظاهري اكثر من البرامج الخدمية والالتزام بها، وهو ما قد يمنح السياسي مسوغات جمة لممارسة التناقض في خطابه، او التنصل عن سلوكياته، او التبرير لمشين افعاله، او حتى اعادة انتاج ذات المعاني السابقة بنصوص جديدة! وليس ثمة مبالغة بالقول، ان التناقض هذا بات جزءا من شخصية السياسي ولم يعد يشكل علامة فارقة ومؤشر اعتلال عن جادة السلوك السوي، فهو يتحرك في محيط يشاطره الداء ويتنافس مع المحيط ذاته.

الانتخابات على الابواب، ونحن امام مادة علمية هائلة ستشكلها خطابات وسلوكيات الساسة؛ مادة علمية هائلة ستضاف الى قاموس المفارقات، لكن الاهم اننا لن نجني سوى دوار اكثر وصداع اشد.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي