رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 17 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2099

صناعة الزوارق في العراق.. مخاوف من اندثار مهنة الأجداد

بغداد – العالم

لم يترك نقص المياه الناجم عن قلة الأمطار للصيادين في الأراضي الرطبة بهور الجبايش في محافظة ذي قار والفاو في محافظة البصرة خيارا آخر سوى ترك القوارب التي كانت في الماضي مصدرا أساسيا للرزق للكثيرين منهم.

ويمكن بنظرة سريعة مشاهدة قوارب الصيد رابضة بلا حراك في المياه الضحلة، الأمر الذي يشي بحجم التهديد لصناعة القوارب القائمة هناك منذ قرون.

ويغطي الغبار القوارب على الأرض التي انحسرت مياهها بعد أن كانت في الماضي غنية بالأسماك وغابات الخيزران التي تمثل مأوى للطيور المهاجرة، لكنها أصبحت الآن جذوع عيدان تُرى من بعيد مثل ذكرى شاحبة في الأفق.

وازدهرت صناعة بناء القوارب الخشبية في الستينيات وحتى أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، لكنها تشهد تراجعا حادا بسبب السد العملاق الذي تبنيه تركيا على نهر الفرات، ونتيجة لذلك تخلى الكثير من الصيادين عن عملهم.

ويسير علي حسين الخزاعي من منطقة هور الجبايش في محافظة ذي قار على خطى والده وجده، في بناء القوارب منذ أن كان في سن المراهقة المبكرة، لكنه أصبح يقول الآن إن عددا كبيرا من الأسر في مناطق الأهوار تخلت بالفعل عن المهنة بحثا عن عمل آخر لكسب قوتها وتغطية نفقات معيشتها.

وأضاف الخزاعي "في الماضي كان عملنا يسير باستمرار دون انقطاع فدائما كان هناك عمل، لا أستطيع تحديد حجم ما نصنعه بالضبط لكن بإمكاني القول إننا في الشهر الواحد نصنع خمسة عشر قاربا، أما في الوقت الراهن فإننا قد لا نستطيع على امتداد شهرين صنع قارب، لأن الناس انحسر اهتمامهم بالقوارب نظرا لجفاف المياه، ومن المعلوم أن أهم شيء هو الماء، لا سيما وأنهم صنفوا مياهنا على أنها تراث عالمي وفرحنا، وصار عندنا عيد ميلاد، وتخيلنا أن مياهنا مستقرة وثابتة لكن للأسف ها هي الآن تختفي وتترك فراغا".

وتابع "أهملت العمل كقائد زورق لأن الناس انتابهم اليأس من الصيد وأكثرهم غادر إلى أماكن متفرقة، رحلوا إلى حيث من الممكن أن يجدوا عملا، في بغداد أو البصرة، ومنهم من صاروا حمالين أو عمالا، لأنهم كرهوا ما آلت إليه الأهوار بسبب قلة المياه والصيد".

وتتغذى أهوار بلاد ما بين النهرين من مياه دجلة والفرات. ويهيئ التقاء النهرين بيئة ملائمة لمصايد الأسماك وموطنا لأنواع نادرة من الطيور مثل طائر أبومنجل. كما يتيح ما يشبه الاستراحة لآلاف الطيور البرية في طريق هجرتها بين سيبيريا وأفريقيا.

ويشكو الصيادون من أن الصيد لم يعد مربحا بسبب ارتفاع تكاليف الوقود ونقصه، لكن معظمهم يشعرون بالقلق إزاء المواجهات مع حرس السواحل الإيرانيين والكويتيين.

وأفاد علاء أحمد مالك وهو صياد في الفاو بمحافظة البصرة “من الممكن القول إن صناعة القوارب تراجعت وقلت بنسبة 80 إلى 90 بالمئة وهي شبه منعدمة، لأنه في الوقت الحالي لا أحد تقريبا من الصيادين يفكر في الحصول على قارب بما أن المياه الإقليمية تحددت، فهو لا يستطيع التوجه إلى المياه الإقليمية الكويتية ولا إلى المياه الإقليمية الإيرانية لصعوبة المشاكل بين الدولتين أو تجاوز الحدود".

وأضاف "كما أن الصيادين يفضلون الحصول على الزوارق الصغيرة بدل الكبيرة لأنها تساعدهم على الصيد إما بالشط وإما بالحدود القريبة على الأراضي العراقية".

وعاش عرب الأهوار في الأراضي الرطبة للألوف من السنين لكنهم كانوا على هامش المجتمع العراقي. وتقدر دراسة عددهم بنحو 400 ألف نسمة في الخمسينات من القرن الماضي، لكن الكثير منهم فروا من قمع صدام وتحولوا إلى نازحين لأسباب اقتصادية.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي