رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 17 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2100

أسئلة أمير تاج السر في روايته (زهور تأكلها النار)

صالح الرزوق

يتابع أمير تاج السر في روايته (زهور تأكلها النار) مشروعه في بناء نظرية فنية عن عالم ثالث متعثر وفاسد ومجبول بالوحل والأخطاء. وهذا المشروع الذي بدأه في روايته الصغيرة  (366) يعتمد على خصلتين.

- شجرة الأحدث متفرعة ومتشابكة. وعوضا عن حبكة مركزية نحن نتوقع شبكة من التطورات.

- والشخصيات تتكاثر بأسلوب الانقسام. بمعنى أن كل شخصية تقودنا إلى غيرها. ولا أرى أنه يوجد تماسك عضوي بين هذا العدد اللامتناهي من حاملي الأحداث، وهي تلتقي بالصدفة، إما لأنها تعيش في نفس المكان أو نفس المرحلة. وأحيانا لا يوجد بينها علاقات، ويحكمها العبث واللاجدوى مثل أي مشهد في مسرح اللامعقول. ولدينا مثال سابق ومعروف عن هذه الظاهرة في القصة وهي (تحت المظلة) لنجيب محفوظ. فهي تتابع مسار عدد من الأفراد الذين يلتئم شملهم في مكان واحد، وفي لحظة مواجهة مع الذات.

بالإضافة لماسبق يحاول أمير تاج السر في (زهور تأكلها النار) أن يبني مدينة متخيلة تجتمع فيها السلبيات والنقائص، مع الفساد والتخلف. ولا أريد الإيحاء أنه يقلد "ماكوندو" ماركيز أو "الخالدية" التي وضع تصميمها محمد البساطي. فمدينة تاج السر دايستوبيا، وهي مثال نموذجي عن المدن الشريرة.

وهنا لا بد من توضيح.

ينقسم التاريخ الروحي والاجتماعي لمدينة السور إلى مرحلتين. فحسب الحبكة تتعرض المدينة لغزو ويفرض عليها المسلحون الحصار، ثم تسقط بين ليلة وضحاها، ويكون مصير الذكور الذبح أو الخصي. أما النساء فتودع قيد الإقامة الجبرية. أو ببساطة تنتقلن من حياة الحرية والرغد إلى حياة السبي. وهذا المنعطف يقسم كاريزما المدينة وسيرة حياتها إلى ما قبل السقوط. وهي مرحلة  دايستوبيا متخيلة عن مجتمع عشوائي  وكرنفالي ويسوده القنوط واليأس. وبعد السقوط، وهي دايستوبيا يفرضها نظام شمولي يقول عنه تاج السر إنه يبشر بفلسفة القبح. ويعطينا أمثلة عديدة.

منها هدم الأضرحة. وتخريب القصور المنيفة بحيث يصبح الحي الأرستقراطي بمستوى أحياء الشغيلة والمهمشين، وبالحرف الواحد يختلط الخراب بالخراب والطين بالطين (ص97). ثم يأتي  فرض الحجاب على النساء وإلغاء التبرج والزينة.

ومثل هذه الدايستوبيا ليست من النوع الشرير فقط، فهي شمولية وتدخل في عداد المساحات المنضبطة التي تخنقها الإيديولوجيا (نظام التفكير الديني)، ويكون فيها الحاكم ممثلا لقوة متعالية، ويتابع كل صغيرة وكبيرة بسلسلة من الرقباء والأتباع، وكأننا نعيش في مستعمرة للعقوبات. يعني ترسم لنا الرواية إثنين في واحد. أو ميدنتين لهما نفس الاسم. ولكل واحدة منهما نصيب من التعنت وسوء الصيت. وفيها يكون الحاضر صورة معكوسة من الماضي..

ماهية مطلقة دون قيود مقابل ماهية  مفروضة فرضا. لذلك ليس من الوارد المشابهة بين مدينة السور والمدن الروائية المشهورة. وإذا قارناها مع "ماكوندو" يمكن أن نشير لعدة نقاط اختلاف.

فأبطال ماركيز يعيشون بدافع من قضية لا يحيدون عنها، وهي تحرير أنفسهم من أية سلطة خارجية، وهم متهورون وانقلابيون. لكن شخصيات تاج السر لا تبالي بقيودها، وتحمل عارها مع وصمة الهزيمة في وعيها الباطن، وتحاول أن لا تنظر في المرآة. إنها شخصيات تصنعها المقادير والصدف، ومحرومة من المبادرة وتستسلم لنداء الغريزة.

مع ذلك يضع أمير تاج السر جدارا كتيما بين صور الذكور والإناث. إنما هو جدار غير عازل.

للتوضيح.

صور الذكور شكلانية ولا تترك في الذهن أثرا. أما صور الإناث فهي كرنفالية وتجذب الانتباه بما أسبغه عليها الوصف من علامات فارقة. فأدوات الزينة كلها إكزوتيكية، وتشبه التوابل التي يستعملها مصور البورنوغرافيا. وإذا كانت الرواية لا تتطفل على أية خلوة بين حبيبين أو زوجين فهي تصور الحياة العامة للنساء بكثير من الزخارف. ويستعمل أمير تاج السر ألوانا ساطعة وحارة، من الأصفر البرتقالي إلى الأحمر القرمزي. حتى أن الفستان الأسود الذي ترتديه بطلة الرواية يكون موشى بالأحمر والذهبي (ص26). وهي بلا شك ألوان دامية، تذكر الإنسان بدم البكارة والحيض وبتلك اللحظات الحساسة التي ترتبط بالاغتصاب ومسائل الشرف وسوى ذلك.

وأية امرأة في الرواية لا تختلف عن أي وردة في غابة. وغالبا تكون متفتحة، وجاهزة للتلقيح، والأشرطة الملونة التي تربط به شعرها، يمكن أن تكون إبدالا آخر عن باقة ورود في مزهرية. وتوجد عدة مواصفات بهذا المعنى. مثلا تمهد الرواية للفصل الأول بأبيات شعر مقتبسة من شاعر خيالي اسمه ريماس يقول فيها:

تحدث إلى النار أرجوك

حدثها عن حبيبتك

قل لها هي زهرة (ص9).

و كانت مواد التبرج قاسية وترمز للإيلاج أيضا. منها الأساور التي لها نقوش لا يمكن لأحد أن يحفرها غير الجان (ص27). والجني والشيطان وإبليس كلها عندي رموز بطريركية معروفة ينوتنوبب عن رهاب الخصاء وسلطة الأب.

ومنها مشط النار. وهو من الحديد الرقيق المصقول الذي يوضع في النار قبل استعماله ليحول الشعر إلى خيوط من حرير (ص102).

ولكن ليس هذا كل شيء في الرواية. هناك تراكم في الشخصيات. أحيانا تعتقد أنه زيادة عن المعدل. فهي تظهر وتختفي بلمح البصر، وإذا فتحت الرواية عشوائيا على أية صفحة يمكن أن تعد ما ينوف على ثلاث أو أربع شخصيات. وهذا بالضرورة يعني أن الحياة النفسية لم تأخذ كامل حصتها، وأن الهوامش تحتل مساحة أكبر من المركز. بمعنى أن الكومبارس يغطون على الشخصيات الأساسية. حتى أننا لم نكن نعرف شيئا عن قائد الثوار (المتقي) وبطلة الرواية (خميلة). لقد توارت خميلة خلف شخصيات بيئتها، وتحولت إلى شاهد على الأحداث.

أما المتقي فلا يوجد دليل قاطع على تواجده. وتنتهي الرواية بالشك بوجوده أساسا. وتسأل خميلة نفسها: هل كان موجودا (ص173). ويرد أحد الخصيان المغرمين بها: إنه ليس حقيقة. وهو مجرد فكرة. وربما لم يشارك بالحرب (ص173). ثم من خلال حوار يدور بينهما نفهم أن المتقي، على الأرجح، ميت وقائد الثوار يشن الحرب من أجل الحرب وحبا بالغنائم والسلطة. ويلقبه المخصي باسم المتقي الآخر (ص173).

وتنسجم هذه النهاية الغامضة مع فلسفة أمير تاج السر في بقية أعماله. فروايته (إيبولا) تنتهي بثلاثة سيناريوهات غير مؤكدة، كل واحد يفترض نهاية لانتشار الوباء. وأعتقد أن فلسفته الفنية ككل تقوم على مثل هذا الالتباس. فهو لا يعنى بإدارة أزمة أبطاله في مكان بعينه، ويختار غالبا أمكنة على الحدود وتعاني من خلاف ونزاعات. وشخصياته إقليمية ومن المهربين. وليس لديهم أي وعي بضرورات الهوية الوطنية، ويحملون هما وجوديا عميقا يدل على شك بالانتماء. ومجتمع الرواية أصلا مختلط من عدة أعراق، أسود وأبيض، مع عدة أديان، وفي مقدمتها الأقباط واليهود.

وأضيف، في هذه الرواية يقف  أمير تاج السرعلى مسافة من الفريقين.. أهل المدينة الغارقين بالفساد، والثوار الذين نشروا الرعب والكراهية.

لقد بدأت النغمة الإصلاحية تظهر في أدبيات أمير تاج السر، ولكنها محتارة ومترددة وخجولة، ويغلفها التباس في النهايات، وربما هي نوع متطور من النهايات المفتوحة.مع فارق جوهري.

أن النهايات المفتوحة تدل على إمكانية. لكن الالتباس يعني التردد وعدم البت بقرار نهائي. ولم يكن أمير تاج السر ليخفي ذلك. فقد قال في مستهل روايته: إنه لديه أسئلة كثيرة / كثيرة جدا.. (ص5).

 

* صدرت عن منشورات دار الساقي. بيروت. 2016، 189 ص.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي