رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2043

البراغماتية..!

قاسم حول

"للي يتزوج أمي أسميه عمي" هذا مثل عراقي بإمتياز، ويطلق العراقيون  على أنفسهم صفة  "البراغماتيين" أي الواقعيين، فيما هي صفة الإنتهازية. فكل الذين جاءوا إلى السلطة وإغتصبوا العراق، وسرقوا ثرواته، تحول الناس برغبتهم وإرادتهم إلى قطيع من الأغنام يمشون خلف الزعيم، وهو يقودهم نحو الموت، وما هذه الهوسات في إستقبال الرؤساء، وأعضاء البرلمان من اللصوص وقطاع الطرق سوى شكل من أشكال "البرغماتية" أي الواقعية الانتهازية بأعلى أشكالها!

لقد مشى العراقيون خلف نوري السعيد، وما أن سقط نوري السعيد حتى مشوا خلف عبد الكريم قاسم، وما أن تم اغتيال عبد الكريم قاسم حتى مشوا خلف علي صالح السعدي، وخلال تسعة شهور سقط علي صالح السعدي فمشوا خلف عبد السلام عارف وأعقبه أخوه عبد الرحمن عارف، وحين أطيح به مشوا خلف أحمد حسن البكر ومن بعده صدام حسين واليوم يمشون وراء رموز السلطة الدينية البائسة! يمشون دونما وعي ولا يريدون أن يرتقوا إلى مستوى البشر ومستوى الإنسان الذي عليه أن يعيش حياته إنسانا معبرا عن رأيه، معبرا عن حريته، مطالبا بحقوقه وهو يعيش في وطن حباه الله بالبترول والكبريت والزئبق الأحمر.. شعب لا علاقة له بثرواته ولا علاقة له بحقوقه  ومستحقاته في الحياة!

لقد انتشرت الأمية صفوف الشعب العراقي وارتفعت نسبتها حتى وصلت سبعين بالمائة، ويتعلم الأطفال هذه الثقافة من العائلة، والعائلة من العشيرة حتى سادت في مجتمعنا العراقي ثقافة المضايف.. ثقافة المضيف! فالتسلسل الاجتماعي قائم على هذه الحكمة في مدرسة الحياة الانتهازية "اللي يتزوج أمي أسميه عمي!"

من المؤسف في هذه المدرسة، أن النخبة الواعية بات أصحابها أساتذة هذه المدرسة وهذا الإتجاه، والقلة الأقل هم الذين رفضوا هذه العلاقة بين الشعب والحاكم فهاجروا وغادروا الوطن رافضين الانصياع للذل والمسكنة، عاشوا بين ناس أسوياء لا يتعاملون مع الحاكم من موقع الخوف والجبن والإنصياع، ليرمي لهم من فتات طعامهم فضلات الطعام. لقد تحول المثقف إلى رئيس تحرير صحيفة أو ملحق ثقافي في سفارة أو مدير لمركز ثقافي في هذا البلد أو ذاك وفق شعار البراغماتية الانتهازية "اللي يتزوج أمي أسميه عمي"!

نحن النخبة.. وأحيانا نخبة النخبة نحتفظ بحريتنا وبشريف موقفنا. لم نصافح الدكتاتور ولم نصافح من سبقه ولم نصافح من جاء من بعده.. نتعامل مع الحياة من موقف الحرية الواعي. رفضنا ونرفض الإنصياع، فالوطن عندنا قضية وقضية كبرى ومصير وجود وهو بثرواته وبتاريخه وبإرثه لا يصح التعامل معه وفق النظرية البرغماتية الانتهازية "اللي يتزوج أمي أسميه عمي".. فهذا وطننا وليس وطن الأغراب والإجناب، نريده حراً ونريد لأنفسنا أن نكون أحرارا فيه. نغتال الخوف في ذواتنا ونرفع راية كرامتنا وإعتزازنا بإرثنا وسماتنا ونريد تطوير حياتنا بما ينسجم والعلم والحضارة والتمدن .. ونرفض الانصياع للبراغماتية الانتهازية!

ماضينا، منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى وقتنا الحاضر يتدهور ويتأخر ولم يكن يوما في سلم الصعود .. فالتفتوا إلى الماضي بغضب .. وانظروا إلى الحاضر بعين المستقبل!

فهل أنتم موافقون؟!

سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي