رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 17 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2099

"الهاربان".. مقطع من رواية جديدة لقصي الشيخ عسكر

بغداد ـ العالم

قبلما تكون هناك زعقة عالية تردد صداها في الضريح التفتَ فوقعت عليكّ عيناه وكأنه، في تلك اللحظة، رآك ولم يرك فقد شك في نفسه وأنت تمر على بعد منه.

وكأنك تعرفه في أي مكان وزمان!

لكنك لا تلاحقه قط.

أهذا هو أنت؟

قبل ساعة أغلق محل التسجيلات القريب هذا المكان. كان ينساب مع أمواج البشر  التي تتدلى مائلة عن الشارع الرئيس نحو باب الساحة التي تؤدي إلى الضريح... ربما لم يسأل نفسه قط لم يأتي إلى هذا المكان... قد تكون العادة هي التي تقوده أو لعلهما قدماه اللتان يطلق لهما العنان من دون أن يدري إلى أين تسيران.. لا بدَّ أن الآخرين إما يأتون مبهورين بالمكان أو يزورون متضرعين بل هناك من يأتي ليستريح من عناء يومه، المهم أنه يأتي كل خميس، فيظل ساعة أو أكثر ثم يغادر، ربما يلتقي شخصا يعرفه فيثرثر معه دقائق. أما أنت فمنذ التقيتما على غير موعد وافترقتما في المحال، وأنت تفكر به من يكون حتى كانت خَطْرَة سبقت كل صوت  وارتقت على الخيال، كأنك في تلك اللحظة المشحونة بالعواطف – على الأقل من قبلك - عبرت إليه من عالم المحال!

صرخة حادة قوية تشبه الأنين الخافت

حادة كأنين النحل!

  كان يشك في عينيه لحظات فالذكرى تكاد تكون بعيدة... عشر سنوات وبضع لكنك عرفتَه لم تشك فيه قط على الرغم من أن الزمن رسم ملامح جديدة على وجهه، مثلما فعلت السنوات بك ايضا.. كان كل منكما في العشرين من عمره والآن أنتما في بداية القرن الرابع.. وهي السنين التي تغيِّرُنا ولا تتغير.. في تلك اللحظة كان ساهما يتطلع في زخرفة المكان عندما مررتَ فاستدار يتمعن فيك.. شكَّ في عينيه لولا أنك قطعت عليه الهاجس باليقين فصرخت هاتفا أهذا أنت  وارتميت عليه باكيا، ورحت تنشج بلهاث متقطع...

بكلِّ حرقة رحت تنشج...

دموع تجمعت سنين وانبجست في لحظة لتختصر الزمن من بعيد.

  أكل هذا لأنه منحك الحياة وبعدها تمنيت أن تلقاه وها أنت تلقاه.

وتعود ذاكرتك لتلك الليلة التي أحاطك الرعب فيها خلال الساعات الأولى. قد يخيم الخوف في جميع الأوقات مع ذلك تكون هناك ساعات نحسّه يتجلى فيها أكثر من أيّ وقت آخر.. هواجس تغزونا.. حاسة سادسة تقول.. ظنون تنتاب الخيال فنعرف  أن شيئا ما غير عادي سيقع ساعة ما.. ترك صاحبك نجاة نائمة.. قبل أيام تقيّات، واكتشف وهو يتولى التحليل إنها حامل حقا إنها صدمة له لكن تعود أن يتلقى أسوأ الاحتمالات برباطة جأش حتى قدمت أنت موثوقا بانتظار الموت.

يوم تلاقى فيه الموت والحياة.

حامل صديقته حامل وأنت محكوم بالإعدام فما أثقل الدقائق على صدرك وما أشدّ انكسارك، وذلك وها هو الذي يشك في كل شيء ويحتار في الجنة والنار والحياة الأخرى يلين لدعاء من شفتيك فيلين حتى يؤمن ببراءتك فيتراقص بينه وبينك أمام عينيه حبل قد ينجيك.

مغارة مكتوب لها النجاح

ومكتوب لها أن تصبح مصيبة عليه وعليك!

 كنت تفكر طول تلك المدة لم فعل ذلك.. الشفقة.. الجنون.. أم حظك الذي ألقاه في طريقك.. مع ذلك فإنك أصبحت مقتنعا به قناعتك ببراءتك.

لم يكن لديك الوقت الكافي لتسأله إن كان يهرب مثلك حتى لو كان لديك الوقت فسيبدو السؤال ساذجا لكنه كان يقنعها.. قال لها يا بنت الحلال. أنا في ضياع وأنت لا وطن لك.. كيف يكون مولودنا المرتقب. وقبل أن يستهلكه التفكير وتأنيب الضمير ألح على نجاة فلانت واقتنعت، وحين أدرك أنها قبلت - وإن على مضض - أحضر دواء يعرفه بحكم خبرته في مهنة التمريض، كان يسحب دمك ويفكر في يوم غد سيكون معها وهي تجرع الدواء... الجنين ما زال نطفة.. يقولون لم تدب به الروح بعد وهو لا يفكر بالحرام والحلال.. قال عن نفسه لا يدري.. غير متأكد.. الجنة والنار لا يشغلانه.. لا يهمه أن يكون ابنه ابن زنا من دون زواج. وهذا ما لا تعرفه عنه يقول عن نفسه شخص مادي يكره القتل.... شغله نفسه يفصح عنه ممرض.. يعني أنه يحاول أن يهب الحياة للآخرين أو ليقل بصيغة أخرى يطيل أمد الحياة.. نجاة وعدته أن تشرب الدواء غدا مثلما اتفقا. قالت له إنها أخطأت بحبوب منع الحمل. مازال – أغلب الأحيان - يظن بحسن سريرتها وربما تخطر في باله لحظات يشك في ادعائها.. لكنها صباح الغد أي بعد موتك بساعات تكون انتهت من جنينها.

  كيف ترد له الدين؟

* كاتب من البصرة مقيم في إنكلترا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي