رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 17 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2099

كلب ابن الكلب ..!

قاسم حول

لو خطر في بال واحد منكم أن يقف في باب البرلمان العراقي، أو في مدخل مكتب رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، أو في مدخل إحدى المؤسسات الدينية وبيوتها، أو في مدخل أية بناية من بنايات المحافظات العراقية، أو في حرم إحدى الجامعات وإخترتم واحدا من هؤلاء الخارجين أو الداخلين من وإلى هذه البنايات وقلت له "يا كلب يا إبن الكلب" سترون كيف "تخرخش" كرات الرايات الحمراء والزرقاء والخضراء والصفراء، وسوف ينبري القوالون بالشعر والهوسات، وهم يطالبون بالثأر مما لحق بهم من العار بسبب الشتيمة التي أطلقها عليهم المواطن قائلا "كلب إبن الكلب"!

في هولندا كان ثمة مواطن لم يصادق في حياته إنسانا سوى كلبه. وهو يحب هذا الكلب، والكلب معروف بوفائه لصاحبه ولمن يطعمه ويحن عليه. كان المواطن الهولندي يخرج من منزله كل صباح ويأخذ الترام نحو محطة القطار حيث يعمل في مدينة غير المدينة التي يسكن فيها. وكان الكلب يرافقه كل صباح حتى يصل المحطة ويصعد القطار بعد أن يربت على ظهر الكلب ويودعه مبتسما من خلال زجاج شباك القاطرة. يبقى الكلب جالسا في المحطة كل يوم منتظرا عودة صاحبه من عمله في المدينة، فيركض الكلب صوب صاحبه. يقفز عليه ويعانقه ثم يمشيان عائدين إلى المنزل!

ذات يوم وكما في كل يوم وصل المواطن الهولندي إلى محطة القطار. وربت على ظهر الكلب مودعا أياه. وصعد القطار والكلب يرنو إليه والمواطن يرنو نحو الكلب مودعا من خلال زجاج شباك القاطرة.

حصل حادث لصاحب الكلب في المدينة التي يعمل بها وفارق الحياة.!

جاء القطار ولم ير الكلب صاحبه مع الناس الذين غادروا القطار. بقي الكلب منتظرا القطارات وهي تأتي وتروح. مر يوم .. يومان .. أسابيع .. شهور .. سنة .. والطقس يتغير. نزلت الأمطار. نزلت الثلوج نتفا قطنية والكلب لا يزال في المحطة منتظرا صاحبه أن يعود. صار الناس ينظرون إلى الكلب ويداعبونه ، ويعطونه بعض الطعام. لكن الكلب كان حزينا، وفقد شهيته في الأكل، وهو لما يزل ينتظر صاحبه حتى إشتد البرد وتجمدت الأمكنة وأصبحت صقيعاً وجمد الكلب فوجدوه في الصباح ميتاً وهو ينتظر صاحبه أن يعود من المدينة!

الوفاء سمة الكلاب دونما إستثناء. والكلاب تدافع عن أصحابها. وتقود العميان في الشوارع، وتعيش معهم في البيوت وتأتي لهم بصحيفة الصباح حين يلقيها عامل البريد من فتحة الباب. والكلاب تصاحب أصحابها لمحطات القطار وحين لم يعد صاحبها تبقى في إنتظاره حتى تموت .. أريد واحدا من كل هؤلاء الذين ذكرتهم وهم في مؤسساتهم ينهبون أموال الفقراء ويودعونها في مصارف الدولة العبرية. واحد فقط يستحق أن نطلق عليه إسم الكلب .. أو الكلب إبن الكلب .. لو قلتها لواحد من هؤلاء وكلهم لا يستحقون صفة الكلاب ووفاء الكلاب، حينها سوف تجتمع العشيرة في ساحة التحرير أو في سوح المدن العراقية. ويضع الواحد منهم يده على عقاله ويطلق الهوسات مندداً بمن نعت إبن العشيرة بصفة الكلب، بل وذهب إلى أكثر من هذا فنعته بصفة الكلب وإبن الكلب!

فإحذروا أن تصفوا اللصوص بالكلاب .. فهم غير جديرين بهذه الصفة .. فلقد مات الكلب الجميل في محطة القطار الهولندية تحت العواصف الثلجية، وهو ينتظر عودة صاحبه عاما كاملا!

سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي