رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 12 تموز( يوليو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2001

الحلقة المفقودة في سياسات الدولة

عبدالعظيم البدران

اكاد أجزم ان موضوعات علم الاجتماع وعلم النفس في العراق من الوفرة اذ من الممكن ان تغطي محاور اكاديميات متخصصة عريقة، موضوعات غزيرة هي حصيلة سلوكيات غريبة وردود افعال اغرب ومحيط عام يبعث على الدهشة ويثير التعجب!!

في العراق، ثمة مؤسسات عنوانها الرقابة والمتابعة، هي من الوفرة حد التقاطع فيما بينها، سواء فيما يتعلق بمجالها القطاعي او من حيث الصلاحيات، وليس من المغالاة القول ان عمليات الفساد والتعدي على المال العام تتزايد طرديا مع تزايد تلك المؤسسات.

ان اليات العمل في تلك المؤسسات تشبه الى حد بعيد ما اقدمت عليه حكومة زيمبابوي حين عمدت ادارة الرئيس موغابي الى اقتفاء اثر التعليمات والبرامج التي وضعتها المؤسسات الدولية بغية تحسين اقتصاد البلاد، الامر الذي اوصلها الى نسب تضخم اقتصادية لم يسبق ان سجلها احد من قبل، والعجيب ان مقدار التزمت في اقتفاء اثر التعليمات كان يفضي في كل مرة الى مزيد من التراجع الاقتصادي. ذلك ببساطة ان توطين قوانين واتباع سنن معينة او حتى ذات صبغة عالمية لا يعني بالضرورة وجود ارضية اجتماعية لامكانية تطبيقها بالشكل المفترض، او ان تكون هناك قدرة على حماية تلك السياسات وتوفير بيئة عادلة لتطبيقها.

ومن  يتابع مؤشرات النزاهة في البلاد، لا يذهب بعيدا عن الفروض انفة الذكر، اذ لم تتجاوز النزاهة البعد المالي في كل تدقيقاتها وافعالها التي تمارس فعلها واقعيا بتتبع حالات الفساد المالي، او المصطنعة منها للايقاع بالمسؤولين حسب المزاج، مع ان الفساد المالي  هو بطبيعته نتيجة لا سبب بذاته. فما ان تفسد القيم او تتحول مفاهيم الكسب المعيشي حتى يسوغ للفساد ويأتي كمراس اجتماعي بصورة طبيعية. لكن الاهم، لماذا تهمل الاصول وتبذل الجهود لمتابعة النتائج وحسب؟

واذا ما ذهبنا الى اقصى حالات حسن النية، فان انعدام السياسية الحقيقة والادراك الواعي لطبيعة الاشكاليات الاجتماعية يكون سببا فعليا ورئيسا وراء ذلك.. وهو ما تصر الحكومة على مجافاته دائما وابدا.

 حين اقدم "ريتشارد جوزيف" ومن قبله "بيتر ايكه" على دراسة طبيعة التنمية السياسية والية الحكم في نيجيريا التي تشبه الى حد بعيد ما نحن عليه اليوم، كان لوفرة المنابع الاقتصادية وسوء السياسات الحكومية والاستعمارية دور كبير في تكوين مواقف الشعب المتصالحة ازاء الافعال المشينة، فقد بات جود الفساد وشيوع ظواهر اختلاس الاموال العامة وقبول الرشاوى من المسائل التي يمكن ان تؤشر ضمن السلوكيات الطبيعية، كان ذلك اشبه بالنتيجة لكن المشكلة بذاتها ما اصطلح عليه بـ"الزبائنية" حيث باتت الدولة القائمة تمثل مكاتب يعمل القائمون عليها من خلال تخصيصها لاقاربهم وذويهم لتوليد منافع مادية لأنفسهم ولأفراد عائلاتهم وأقاربهم. كل ذلك مثل وجه الاشكالية الاصلي، لكن الاهم كما يصفه جوزيف هو ان تلك السلوكيات وانماط السياسية تحولت الى مفردات مستساغة عرفيا لم تعد بحاجة الى مبررات لفعلها، واكثر من ذلك تنميطها ضمن سياقات قانونية، ليخلص الى ان الفعال المشينة  مرت في دورة تحول حتى باتت جزء من اعتقادات المجتمع التي لم تعد تثير فضول العقلاء!!

فهل نحن يا ترى في منأى ومعصم من تلك العاهات واثارها وقد تحولت السلوكيات المشينة الى اعراف اجتماعية لا تثير الفضول لتعود فيما بعد فتصبغ ذات المؤسسات الرقابية او تلك التي يفترض بها ان تعمل على مكافحة الفساد!! ولماذا لم تحرك الحكومة عجلة السياسات في مسارها الصحيح فتقول ان ظواهر التراجع الاجتماعي تشكل اثارة حقيقة وهاجس فعلي يتوجب ان يدخل اجندة السياسات ليشرع له ما يضمن العلاج الشافي. ثم هل جربت الحكومة ان تخضع مؤسساتها الفاعلة في سياق المعالجة الى التقييم والنقد، وهل سمعت صراحة مقدار ما تفرزه تلك المؤسسات من نفور اجتماعي يؤثر بطبيعة الحال على الرؤية ازاء الدولة وينعكس على تكوين مفهوم المواطنة!

لن اسوق امثلة في هذا السياق عن مؤسسات كالقضاء والنزاهة وسواها من المؤسسات الرقابية فهي واضحة لا جدال فيها، حتى باتت مخرجاتها التي تزكم الانوف سلوكيات مستساغة لا تحرك شهية المواطن على الضجر او الاعتراض، وهي كذلك توظف لمن يعتلي صهوة السلطة ثم ما تلبث ان تكون سلاحا ضده حين يفقد المسن سلطته!

تلك الافعال حيث تغيب مؤشرات ومعايير الاخلاق الوظيفية التي ينبغي للدولة ان تعمل على تنميتها كعتبة اولى في سياق اي تنمية تطمح اليها، وتستشري مواقف الحكومات المستبدة بلبوس جديد وألقاب واوصاف جديدة لا تناسب ما تعلن الدولة عنها. فمع غياب وثيقة الاخلاق عن مفردات الادارة السياسية سنشاهد من الظواهر والافعال ما يوفر الجهد والوقت على باحثي الاجتماع والنفس في بلاد لا يعرف القائمون عليه مساحات ابعد من مصالحهم الذاتية.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي