رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2043

تأبين الأحياء ..!

قاسم حول

التأبين إسم والمصدر أبن، وهو تعبير عن خطبة تلقى على ميت، وفعله "أبى وأبت" كما يستعمل الفعل أبى عن الشخص التي أبت نفسه عن الفساد!

يموت الناس وبعضهم لا يموتون، إذ تموت أجسادهم ويبقون خالدين في ذاكرة الوطن وذاكرة المنفى. ويتساوى الميتون في التأبين، مع خونة البلاد ولصوص البلاد وحرامية البلاد، حتى قامت بعض المؤسسات وفي بعض بلدان الجوار بتأبين إعدام الدكتاتور وتأبين عصابته، وإقامت لهم مجالس العزاء .. ويردد العراقيون مقولة "إذكروا حسنات موتاكم"، ليبرروا تأبين الميت الفاسد مع الميت النظيف!

والحقيقة، نحن بحاجة إلى تأبين الكثير الكثير من الأحياء في الوطن العراقي. أحياء ميتون في وطن على سرير مستشفى الحياة!

 أليس ميتا من  ينهب أموال اليتامى وينهب ويأكل في جسد الوطن الراقد في مستشفى الحياة وهم يغسلونه بالنفط أو بمياه التصريف الملوثة ويتلون عليه سورة الفاتحة!

أراقب بين الحين والحين وعلى شاشات الفضائيات لقطات لتوابيت ملفوفة بالعلم العراقي الذي كتب عليه الدكتاتور بخط يده "الله أكبر" يوم أطلق رصاصة بإتجاه جبهة الحرب المشتعلة. يهاتف مدير إدارة الوزارة أو السينما فرقة التأبين الموسيقية ويدفعون لهم بضعة دنانير ليعزفوا سيمفونية الموت في ساحة الكرادة حيث مقر ما تسمى دائرة السينما والمسرح. فنانون عانوا طويلا من الأمراض ورحلوا في وطنهم المنفى أو في منفاهم الوطن، وتلقى كلمات التأبين قبل إنطلاق الجنازة الحقيقة على من يموت في وطنه، أو الجنازة الرمزية على من يموت في منفاه!

إنتهى دور الفنان "عبد المطلب السنيد" وقد أنهى فترة تدريسه في جامعة ذي قار وأراد أن يحصل على المتبقى من أجوره من أداء دوره في فيلمي "بغداد خارج بغداد" وهي بضعة آلآف من الدولارات ليحملها معه عائدا إلى أمريكا .. ذهب إلى الحسابات في دائرة السينما والمسرح، والتدقيق والتدقيق القانوني والمدير والكل لا يتواجدون في عملهم ويتهربون أياما، وهم يراهنون أن يأتي موعد سفره والمسافة بعيده وهي أمريكا وسوف لا يستطيع تأجيل موعد السفر، يراهنون على سفره، حتى يصادروا أجوره، أو يراهنون على موته حتى يصادروا حقوقه، ويضعونها في جيوبهم .. هكذا كانوا يراهنون لو لم أقف وأنا مخرج الفيلم صارخا في داخل ما تسمى مؤسسة السينما كي يدفعوا أجور الممثل الذي لعب دور "الجق مق جي" في فيلم بغداد خارج بغداد .. وإستحصلت له المبلغ بمعاناة كبيرة، فتسلم حقوقه البائسة في آخر لحظة قبل عودته إلى منفاه في أمريكا!

رحلت ناهدة الرماح، ورحلت زينب، ورحل عبد المطلب السنيد، ورحل يوسف العاني، ورحل طه سالم ورحل الكثيرون من المبدعين .. وتم تأبينهم من قبل إدارة السينما والمسرح .. ودائما نسمع في التأبين "كان الراحل قامة عظيمة"!

قامة عظيمة، أكل القيمون على الثقافة حقوقها .. قامة عظيمة عظمت معاناتهم في الوطن .. قامة عظيمة ليست لها فرص التمثيل والكتابة والإخراج .. كل ما نحتاجه دفع بضعة دنانير للفرقة الموسيقية التي تعزف سيمفونية الموت على جانبي نعش القامة العظيمة!

نحن اليوم بحاجة إلى تأبين الأحياء .. لأنهم أموات بالضرورة .. أموات في وطن راقد على سرير مستشفى الحياة، وطن يؤبنه الأحياء الأموات الذين كانوا يعزفون الألحان لتصدح الأنغام في حب الرئيس صدام .. "هله بصدام .. وفوت بيها وللزلم خليها" كانوا يلعبون بالمسدسات الكاتمة، التي إختفى بسببها، كوكبة من المبدعين ولا يزال مصيرهم مجهولا ولا أحد يسأل عنهم .. مبدعون عادوا إلى وطنهم وإختفوا من الشارع أو من حفلات أقيمت لهم دائرة السينما والمسرح .. نحن بحاجة إلى تأبينهم والقبض على القتلة الذين لا يزالون يديرون المؤسسات الثقافية ويمشون خلف نعوش الراحلين!

قوادون وسفلة وحثالة مجتمع لا يستحقون أن يلقبوا بلقب الوطن العراقي، أشاهدهم يمشون وراء جثمان عبد المطلب السنيد الذي حاول أن يحصل على أجوره عن أداء دوره في الفيلم، وكانوا يتهربون من التواجد في مكاتبهم، منتظرين أن يسافر ويموت في المنفى!

أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا .. فكرهتموه!؟

سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي