رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 11 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2095

رحيم العكيلي..

نوزاد حسن

     منذ اسابيع وانا افكر عن الكتابة مرة اخرى عن رحيم العكيلي القاضي الذي ترأس هيئة النزاهة من عام 2008 الى عام 2011. وكنت قد كتبت عدة مقالات عن العكيلي نشرتها, ولقيت اهتماما من قبل بعض الاصدقاء, والاهم تركت هذه المقالات انطباعا جيدا عند العكيلي، بان هناك من يسعى لاثارة مظلوميته من جديد. وانا اعترف الان باني اتعاطف كثيرا مع سيادة القاضي لانه تعرض لظلم كبير كان ينبغي ان يرفع عنه. وكنت اتمنى ان تقوم هذه الجهة او تلك الشخصية بمد يد العون لتسوية ملف هذا القاضي النزيه بدلا من اهماله, وكأنه ارتكب جرما او فسادا بحيث لا يمكن معه التدخل. وللعلم ليس الا فان كل التهم التي صدرت بحق العكيلي تتعلق بقضايا نشر واعلام. مقال وحوار في فضائية سبب لهذه الروح النقية كل هذا الحرمان والابعاد. ثم نتحدث بعد ذلك عن بناء وطن حقيقي يستطيع ان يعيش فيه الجميع متساوين امام القانون.

  لكن دعوني اشرح الخطأ الاخلاقي الذي يمارس ضد الطاقات الخلاقة في هذا البلد. فبين حين واخر نسمع من يقول ان الحكومة اهملت الفنان الفلاني او الكاتب الفلاني فتركته يواجه مصيره وحيدا. وتوجه الى الحكومة سهام نقد سامة، لانها لا تستطيع ان تحتضن ابناءها جميعا في وقت واحد. وامام اهمال الفكر والفن يهمل القضاة الذين سقط بعضهم شهيدا, وتعرض اخرون الى نفي اجباري كان يمارسه البريطانيون ضد الشخصيات الوطنية، كما حدث لمحمد عبدة او احمد عرابي. النفي حل رائع للخلاص من اي صوت نزيه، يحارب الفاسدين، ليخلو المكان لمن يريد ان ينام هانئا وهو سارق.

  اذن، العكيلي صورة جديدة لقاض تعرض للنفي على يد سلطة لم تناقش ملفه بموضوعية لتقليل او الغاء احكام السجن التي صدرت ضده. وهذا التكنيك او الحيلة الذكية التي تستخدم لابعاد الشخصيات الثائرة على فساد هذا المسؤول او ذاك هو تكنيك يأتي بنتائج ايجابية. فبدلا من تكريم القاضي العكيلي بدكتوراه فخرية، تسلم له في جو احتفالي يرفع من مكانته, وبدلا من اعتباره شخصا جريئا يتمتع بضمير لا تتلاعب به اغراءات المنصب، كما حصل لكثيرين عاقبوه بالسجن فهاجر الى مكان بعيد، لان الارادة السوداء تريد ان تقود البلد بروح عمياء. لذلك انا اتساءل كيف تم التفريط به بهذه السهولة, وكيف تم انزال ستار كثيف من النسيان بحيث لا يفكر احد ان ينهي اسوار النفي التي وضعوه خلفها؟

   في ظل زمن كهذا اختفت فيه الحدود الوسطى سيكون العكيلي فارسا لبناء المنطقة الوسطى المتهالكة. واعني بهذا الكلام ان بين الفاسد الحقيقي والنزيه الصامت يوجد فراغ كان العكيلي يشغله. وحين كان الفاسدون يشكلون طبقة متنفذة كان كثير من النزيهين يصمتون, وكان لا بد من خلق منطقة وسطى تقوم بدور اخلاقي ووطني فكان العكيلي هو الحل الوسط الذي فضح جميع الفاسدين.. فابعدوه.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي