رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2043

ما تعلمته من حديقة صغيرة

نوزاد حسن

    قبل يومين خرجتُ من الدائرة التي أعمل بها لأستقل السيارة التي تنقل الموظفين الى بيوتهم. جلست في المقعد الاخير. الشمس الساخنة ذكرتني بسخونة جبهة ابني الصغير حين يمرض. نظرت الى الرصيف الذي كان مزروعا بالحشائش وبعض الاشجار. كان ظل نخلة غير طويلة يتمدد منكمشا على حشيش الحديقة. في تلك اللحظة شعرت بحنين غريب لهذا الرصيف الاخضر. حنين فيه حزن لشيء ما، هو اكبر من هذه النباتات الطرية التي تحاول الشمس تنشيفها لكنها تصمد, وتمتص من اعماق التربة قطرات ماء ريثما يعود الساقي المكلف بفتح الحنفية واروائها على مهل.

الجالسون قربي لم يحسوا برائحة الوطن التي حركت خمول روحي الشبيه بالقهوة الباردة.

كانوا يضحكون, ويتبادلون الاحاديث. لكني كنت في مكان اخر بعيد جدا واغوص في اعماق لا احد يراها. ألهمتني اشجار هذه الحديقة شعورا نظيفا جدا، وهو ان الانسان يتعرض في كل يوم الى حملة تنشيف للقضاء عليه. تماما كما يحدث لتلك الازهار الناعمة، وذلك العشب الذي تغير لونه الاخضر الغامق، الى اخضر "فاتح" كثوب قديم.

لكن ليس هذا هو المهم.. المهم هو هل اني التقيت بالوطن الحقيقي الذي ابحث عنه؟

الجميع يتحدثون عن الوطن بصفته المعروفة التي تطرحها وسائل الاعلام المنصفة والمغرضة. الكل يرون الوطن بلا خدمات, وفيه فساد, ويحتاج الى بنى تحتية, وقيادة اكثر حكمة, وحدائق, وابنية, وعدالة, وو... هذا هو المكان الذي نعيش فيه بملل واضح مثل سجناء فقدوا حتى الأمل في الهرب.

نحن نتحدث على الدوام عن مكان لا تحكمه سوى قوانين الفيزياء. الاشياء الوحيدة التي تخضع للقانون في العراق هي شروق الشمس, غروبها, قانون الجاذبية, وغير ذلك من القوانين السارية في هذا العالم. لا يوجد غير تلك القوانين على ارض الواقع. لذا نفكر دائما باننا محرومون من شيء ضروري ولا نعرف متى نحصل عليه.

احيانا نظن باننا لا نملك حكومة قوية لذلك نحن تعساء, واحيانا اخرى نظن باننا غير صالحين, ومن الطبيعي ان يحكمنا شخص غير صالح.

 نفكر بعشوائية غريبة فيها الخوف من الغد. وفي كل مكان نجد الخوف نفسه يسيطر على الناس. لا احد يرفض جنة العدالة التي قرأنا عنها في التاريخ, او التي سمعنا عنها في الغرب. لكننا لسنا قادرين على صنعها، لأننا نعتقد ان العدالة تأتي مع بطل منقذ سيرتب العالم من حولنا. وسيقدم لكل واحد حصته من النفط, وفوقها قبلة.

كل ذلك يحدث في بلدي، وانا أتألم لان البشر حين يشعرون بالملل فهذا يعني انهم سيحالون على التقاعد. لكن اي تقاعد؟ بكلمة واحدة: انه التقاعد الروحي حيث تشيخ الروح لانها بلا وطن.

  ما حدث وانا انظر الى الحديقة تلك، هو اهم ما عشته حتى الان. لقد تخلصت لدقائق من احساس السجين بانه بلا أمل.

  علمتني تلك الحديقة الصغيرة، قانونا بسيطا، وهو اني قد اعثر على الوطن في ابسط صورة أراها في مكان ما.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي