رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 21 حزيران( يونيو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 1986

رسالة صوتية من شهد ..!

قاسم حول

حكايتي مع الطالبة الموهوبة والجميلة "شهد" في جامعة شيفيلد تمتد إلى ما قبل ولادتها ووجودها في الحياة، فأنا أعرفها حتى قبل أن تكون فكرة وجودها في الحياة قائمة، فوالدها كان سجينا في سجون الدولة العبرية وكذلك عمها، وهي لما تزل فكرة في الوجود!

تحرير والدها وعمها من ضمن آلاف السجناء جاء بسببي، حيث أسرت المقاومة الفلسطينية إثنين من كبار الضباط الإسرائيليين. وكانت إسرائيل مستقتلة لمعرفة مصيرهما. عرفت أنا المنظمة التي أسرتهما، وهما كانا يريدان المشاركة في تنفيذ جريمة مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان. ذهبت إلى المنظمة التي كنت أظن بأنها إسرتهما وطلبت من السيد "فضل شرور" مسؤول الإعلام أن يمنحني فرصة تصوريها ومحاورتهما. ثقة بي منحني الموافقة مع سيارة إنطلقت بنا في صحراء وتوغلنا فيها بعيدا إلى أن توقفت السيارة ليلا قرب معلم بسيط عبارة عن أسلاك حديدية وبضعة صخور. نزل المرافق من السيارة، ورفع غطاءً مربعا من الحديد فشاهدت سلما لولبيا وكان معي مساعدي "كمال حداد – محمد دعيبس" الذي فارق الحياة قبل بضع سنوات بطريقة مأساوية ودرامية. نزلنا ومعي المصور نبيل الزبيدي وأنزلنا أجهزة الإنارة بصعوبة بالغة، وإذا بنا في صالات واسعة وأنيقة تحت رمال الصحراء. والتقيت الضابطين الإسرائيليين الأسرى وصورتهما وحاورتهما. الأول إسمه "يوسكسي غروق" والده من هنغاريا وأمه من تركيا، والثاني إسمه "نسيم شاليم" أبوه وأمه مصريان وهو من مواليد عام 1952 . صورتهما وحاورتهما وأعطيت المنظمة جانبا من المادة المصورة وأدرجت المشاهد الخاصة بفيلمي "المجزرة صبرا وشاتيلا" والذي حاز على الجائزة الذهبية وجائزة إتحاد الصحفيين العالميين. كان ذلك عام 1982 أعلنت المنظمة مسؤوليتها عن أسر الضابطين الإسرائيليين، وقدمت المشاهد التي صورتها لمنظمة الصليب الأحمر كوثيقة تثبت وجودهما في الأسر، وتم تحرير آلاف الأسرى والسجناء الفلسطينيين واللبنانيين من السجون الإسرائيلية مقابل هذين الأسيرين. فعاد والد الطالبة "شهد" إلى منزله وعاش سعيدا مع إسرته، وجاءت "شهد" ضيفة إلى حياتنا لتنظم للأسرة الإنسانية وكبرت وصارت طالبة في جامعة "شيفيلد" وقد إختارتني قبل شهور،  مستشارا لإطروحتها، وبموافقة جامعة شيفيلد البريطانية لتحصل على شهادة الدكتوراه في موضوع الذاكرة الفلسطينية!

يوم الأربعاء الحادي عشر من الشهر الحالي أبريل من هذا العام 2018 جاءتني رسالة صوتية على هاتفي من العزيزة الغالية الجميلة  "شهد" أنقلها للعراقيين، الشرفاء منهم:

 "مرحبا عمو قاسم. كيفك، كيف أخبارك. أنا أسفة كثير ما رجعت إتصلت فيك، لأنو مش عارفة شو أحكيلك، شو بحكي لحضرتك، لأنو أنا كثير كثير مضغوطة. أكيد تعرف عن الأحداث، شو عم يصير بغزة. طول الوقت قلقانه وحاطه أيدي على قلبي وبركض وبنظم وبعمل وبكتب والظروف كثير كثير كثير صعبة. بدك الصراحة إبن خالي خمصطعش سنة إنطخ برجلو شاب قدي، وإستشهد وهيدا شيء تعيس يعني. في أمل طبعا، في أمل أنو شعبنا مش طبيعي بعطائه، وقدرتو بعد كل ضربه بيقوم ويرجع يقاوم أكثر، بس مؤلم عن جد. الوضع مؤلم انه نتابع هذي الأخبار من بعيد. إن شاء الله بدي أحكي معك إن شاء الله، ومشتاقه أسمع صوتك. دير بالك على حالك وأتمنى تكون صحتك بألف خير وعائلتك وأحبابك .. "

يمكن للقارئ أن يتصور نبرة الصوت التي تحدثت بها "شهد" سوف تبقى نبرة صوتها تشاغلني وأنا معها ننظر إلى غزة من البعد .. هذه الرسالة هي منافيست للعالم .. وورقة في سماء الدنيا، تتناثر كلماتها الصوتية في سماء العراق، لكي ينسجم العراقي أكثر من صوت "شهد" .. صوت فلسطين!

"أمهاتنا يلدن، وفلسطين تأخذ – غسان كنفاني"

سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

 

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي