رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 19 نيسان( ابريل ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 1946

لا قرارات لرئيس الوزراء فوق قرارات مجلس الوزراء، الا استثناءاً

عادل عبد المهدي

نظامنا دستورياً نظام برلماني، لكنه تطبيقياً نظام رأسي. فقانون "ادارة الدولة" وزع السلطة التنفيذية بين "مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء ورئيسه" (المادة 35).. اما الدستور فحصرها بـ: "رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء.." (المادة 66).

خصص الفرع الاول/الفصل الثاني للدستور الخاص بالسلطة التنفيذية لرئيس الجمهورية.. وخصص الفرع الثاني لمجلس الوزراء.. ولم يخصص فرعاً لرئيس الوزراء. فمجلس الوزراء دستورياً من حيث الصلاحيات هو مرجعية رئيس الوزراء، لا يغير هذه الحقيقة ان الدستور افرز مواداً حصرية لرئيس الوزراء كما في حالة الطوارىء، وطلب حل البرلمان، وتشكيل الحكومة واختيار الوزراء وسحب الثقة منهم، فان استقال استقالت الحكومة بمجملها، والعكس ليس صحيحاً بالضرورة.

وقع الانحراف عندما توقف الفهم على المادة (78) التي تنص: "رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة..."، وتركت مواد مهمة كالمادة (80) التي تشكل البناء الاساس لصلاحيات السلطة التنفيذية، ومن نصوصها: "يمارس مجلس الوزراء الصلاحيات الاتية: "تخطيط وتنفيذ السياسة العامة للدولة".. "اقتراح مشروعات القوانين".. "التوصية الى مجلس النواب بالموافقة على تعيين رئيس اركان الجيش ومعاونيه ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق ورئيس جهاز المخابرات الوطني، ورؤساء الاجهزة الامنية".. او المادة (84) التي جعلت ارتباط جهاز المخابرات الوطني بمجلس الوزراء ويخضع لرقابة مجلس النواب. هذه الامور وغيرها صارت تدار حصراً من رئيس الوزراء، دون موافقة مجلس الوزراء.. فتم شخصنة الموقع واستلت له صلاحيات واسعة لا يملكها دستورياً، او يملكها لكن لها شروط وسياقات.. فذهبنا الى "الواوات"، والادارة بالوكالة والاوامر بدل القوانين والسياقات. لذلك كظاهرة وبعيداً عن الاشخاص والاسماء، عطلنا الاركان الدستورية الحقيقية للسلطتين التشريعية والتنفيذية، وبنينا عملياً نظام الرأس الواحد، الذي به ترتبط كل المنجزات، او عليه تسقط كل اللعنات. فصار رئيس الوزراء اقوى من مجلس النواب والدولة والكتلة التي نصبته.

1- تحول الصراع على موقع رئيس الوزراء الى صراع ضار بين قوى "رئيس الوزراء" من جهة وبينها ومع الاخرين من جهة اخرى. مما شخصن السلطة.. أ) فتصادم مع دور مجلس النواب، ورئاسة الجمهورية، والحكومات المحلية، بدل تفعيل مجمل المنظومة بتوازناتها المختلفة.. ب) وشجع المحاصصة ومنع قيام اغلبية سياسية حاكمة واقلية برلمانية معارضة.. ج) وشجع التخندقات الاثنية والطائفية التي بقيت تنتظر او تناور لاختيار رئيس الوزراء لفرض مطاليبها وشروطها بصفقات خاصة.. د) وأظهر وكأن القوى التي ينتمي اليها مذهبياً رئيس الوزراء، هي من تتحمل وحدها وزر السلطة واخطائها وازماتها.

2- وفق المادتين الدستوريتين 85 و86، المتعلقتين بقوانين الوزارات والنظم الداخلية التي يجب ان تكون هي الحاكمة، تحولت الامور الى كثير من الفردنة والاجتهادات الشخصية، وقليل من القانون والمؤسساتية. وتحولت الامانة العامة لمجلس الوزراء الى جهاز كبير وضخم من حيث الاعداد والموازنات والصلاحيات. غالباً ما يلعب دور الوزارات، وغالباً ما يتجاوز قوانينها. وبدل ان يخضع المسؤول للقانون، اصبح هو القانون بموجب اوامر ديوانية او وزارية غالباً ما تناقضت مع الدستور والقوانين النافذة.. فحصلت فوضى ندفع ثمنها، ومحاسبات واستجوابات تستند للاجتهادات الشخصية والمواقف الحزبية والطائفية والاثنية، وما تتناقله مواقع التواصل والقنوات الكيدية، بدون مرجعية وقانونية نستند اليها لنميز بين القانوني واللاقانوني.

ستجري الانتخابات التشريعية قريباً. ويتكرر المشهد ويكثر الحديث عن رئيس الوزراء وليس الحكومة القادمة، ونحن نواجه ثغرة اساسية. فسيصوت الناخبون وهم لا يعلمون كيف ستسوق (لم اقل ستسرق) اصواتهم. فالاليات الحقيقية لتشكيل الحكومة ومنهاجها وخطها ستبدأ بعد الانتخابات وليس بالانتخابات. فاي من الاحزاب لن يحصل على اكثر من 10% من المقاعد البرلمانية، وستبدأ –عندها وعندها فقط- الصراعات او الصفقات الحقيقية داخل التحالفات وبينها.. وهذا خلاف جميع الدول الرئاسية او البرلمانية، حيث يذهب الناخبون للانتخابات، الذين عندما يشخصون الاغلبية او شبه الاغلبية التي ستفوز، فانهم يشخصون اسم او اسماء السلطة التنفيذية القادمة.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي