رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 11 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2095

الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات الحراك المدني

بغداد - العالم

 

يُدرج كتاب نادر سراج الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات الحَراك المدني، الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن الجهد المنهجي لمقاربة التحولات المعاصرة في اللغة العربية وفنونها البلاغية وتراكيبها ودلالاتها، مثلما في وظائفها التعبيرية والتواصلية.

 

 

 

تناول الكتاب (مقدمة و13 فصلًا وملاحق في 368 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) دراسة حالة للمجتمع اللبناني، تمكن من التبصّر في كيفيات صوغ الجمهور المنتفض مفاهيمَ جديدة للواقع السياسي العام، وتبريرها وشرحها ورفعها في شعاراتٍ والترويج لها، وارتقاب آثارها الارتدادية والنظر في حدود استجابته لمضامينها، وتقصي الوظائف المتجددة للكلمات والتعبيرات ووجوه الخطاب في قطاعي الاحتجاج والاعتراض الشعبيين، مرتكزًا على أطروحة فكرية ولسانية متكاملة على صعيدي الرؤية والمنهاج، راصدًا الديناميات التعبيرية المبتكرة التي أنتجها المجتمع المدني اللبناني وطورها بين عامي 2015 و 2016، للتعبير عن توقه للتغيير السلمي.

 

في فذلكةُ الكتاب ومنهجية العمل، ردّ سراج اختيار موضوعه هذا إلى رغبته في معاينة الظاهرة الاحتجاجية الشبابية التي أشعلت فتيلَها معضلةٌ بيئية طارئة شهد المجتمع اللبناني تناسل فصولها لعامين خلوَا، ويعاني مذّاك ذيولَها، “ومنظورنا المنهجي لساني، وعدّة العمل المعتمدة هي أدواته الإجرائية، وتناولنا الموضوع يتّسم بنظرة موضوعية ونقدية كاشفة”. وهو قسم كتابه في أربعة محاور: الدراسة اللسانية للشعارات: أنموذج لرأب القطيعة بين النظرية وتطبيقاتها العملية، والشعارات الاعتراضية بين التأصيل والإبداع، وأيديولوجيا الساحات والميادين، والدراسة البيانية والسيميائية للشعارات.

 

أداة لسانية

في الفصل الأول، الأداة اللسانية تكشف عن المفتاح الحقيقي لفهم الخطاب الاحتجاجي، تناول الباحث عدّة عمله اللسانية بصفتها أدوات إجرائية أساسية في مسارات البحث والتأليف، والفعل اللغوي معَنْونًا المسار البحثي وموجّهًا فهم جدليات لسان الضاد، والانشغالات اللسانية منصّة معرفية لتقصّي مخرجات الربيع العربي، ولسانياتُ العرف والواقع التي تَرأبُ القطيعة بين التوجّهات النظرية والتطبيقات العملية، معددًا السوابق اللبنانية لحراكات الاعتراض الاجتماعية وذات الصبغة النقابية والمطلبية، وباحثًا في ساحات التواصل السياسي بصفتها حاضنة بلاغيةً ومكانًا جامعًا ومفهومًا للتواصل السياسي، وفي الشعارات الاحتجاجية التي تفتح شهيّة الباحثين.

 

في الفصل الثاني، المشروع البحثي وأهدافه، درس سراج الشعار بصفته نمطًا تواصليًا وتعبيريًا في الأزمات ولحظات الصدع الاجتماعي، ومزج اللسانيات بالثقافيات بصفته معبرًا معرفيًا لتقصّي تطور النتاج الشعاراتي، متسائلًا عن سبب استخدام اللسانيات الاجتماعية والسيميائياتة والشعارات، خصوصًا لأن الشعار رسالة بليغة مكتفية بذاتها ومُنشِئوها أبناء المجتمع المدني المُعاني. برأيه، تفضي التعديلات الطارئة على أدوار متلقي الرسائل الشعاراتية إلى وعي بيئي شعبي. كتب: “ساهمت مضامينُ الخطاب الاحتجاجي الشعبي، الرافض الأمر الواقع الخدماتي، في تشكيل وعي بيئي ومواطني متقدّم فيصفوف الجمهور المعني، أكان منتجًا لهذه الخطابات أم مستهلكًا أم مروّجًا لها”. كما بيّن سراج من هم آباء الحَراك المدني وما انشغالاتهم العامة، والمخرجات اللفظية لما بعد الحَراك.

 

حوادث وإعلام

الفصل الثالث، متى انطلق الحَراك الشبابي من الناعمة إلى بيروت وكيف؟، سلسل سراج الحوادث من أول تظاهرة احتجاج أطلقها الحَراك المدني في 28 تموز/يوليو 2015، حتى الدعوة إلى تعليق التظاهر في 29 آب/أغسطس من العام نفسه، وحكى حكاية مطمر الناعمة من أولها إلى آخرها، وحكاية مطمر “كوستا برافا” ومكب “نهر الغدير”، مسلطًا الضوء على نون الجماعة المستخدمة في الشعارات إذ تعبّرُ عن معاناةِ جماعة طَفحَ كيلُها، إضافة إلى صيغةُ “كُلّن يعني كُلّن” الغالبة على الشعارات والهتافات، وفتح ساحات بيروت ملف النفايات وإطلاق شعار “طلعت ريحتكم”. ثم تحول سراج إلى تبيان مكامن الخلل ومسوّغات الانتفاضة وآليات العمل خصوصًا بعد سوء إدارة ملف النفايات، وتحلي الناشطين بالجرأة الاحتجاجية.

 

في الفصل الرابع، الأدوات الإعلامية منصّة للخطاب الاعتراضي، تناول سراج سنتناول تباعًا مسألتين تشكلان إضافةً نوعيةً إلى كينونة الشعار وقوته الإقناعية: المساندة الميديائية المُستجِدّة من جهة، والطاقة اللغوية المُحَرِّكة من جهة ثانية، متوسعًا فيهما “إذ ساهمتا بائتلافهما في صناعة متجدِّدة لحيثية الشعار الاجتماعي الاعتراضي وموقعه في المشهد المعرفي الراهن”. كما درس كيف كيّفت المنظومة الإعلامية سلوك الناشطين والمواطنين من خلال تقنية “فتح الهواء” التي عاظمت دور الناشطين وظهّرت صورهم عند الجمهور، وتجاوب المعتصمين مع الكاميرا وتموضعهم أمامها، وتطور نشاط الحملة من حل ملف النفايات إلى خوض صراعات الحق بالمدينة، خالصًا إلى أن ثمة نتائج انتهى إليها تقاطع مصلحي ظرفي بين الإعلام ممثلًا بسطوة حضوره السّمعي البصري وقدراته الاستقطابية والتأثيرية المتعاظمة، وبين الحشد الشبابي الاعتراضي ذي المشروعية الشعبية والصوت الجهوري الصارخ.

 

غرافيتي بالعربية

في الفصل الخامس، مستويات العربية المعتمدة في الشعارات والهتافات، بحث سراج في ماهية الشعار المكتوب والشعار المنطوق، والشعار من حيث هو حمّال أوجه دلالية، والشعارات المكتوبة باللغة الفصحى، متناولًا المزاج الشبابي في تعديل الشعارات سيميائيًا، والشعارات المدوّنة بالعامية اللبنانية، ودلالات حضور المستوى المنطوق في الشعارات. وبرأيه، كُسرت القوالب وتعدّلت المضامين، وضُخّمت “الأنا” و”النحن”، وطفا الشعار الشعبوي على السطح، فكرّس الكلام المنطوق والمتداول أول مرّة في أدبيات الشعار السياسي اللاذع والناقد والساخر.

 

في الفصل السادس، الغرافيتي، قدم الباحث قراءة أولية للغة الكتابات الجدارية والشعارات والهتافات، ووقف على فنّ الغرافيتي باعتباره إعلامًا بديلًا وإرادة شعبية للتعبير والاحتجاج ساهم البعد الجديد لمفهوم الحريات الاجتماعية في انتشاره وتحويله وسيلة للتعبير عن الحرية، يلجأ إليها المواطن حين يعجز عن الوصول إلى وسائل الإعلام التقليدية.

 

في الفصل السابع، التضفير بين الخطابات، عرض سراج للغة الشعارات بين قوى الثبات وقوى الحَراك، ولوظائف التضفير الخطابي والتناصّ في التأسيس العلاماتي لصور ساخرة عن الآخر، وتناول اللغة العربية من حيث هي متّكأ أساس ورافعة تعبيرية للشعار السياسي في تحويراته المختلفة. بحسبه، تمثّل الحِجاج السياسي الشبابي بمناوشات إلكترونية استحضرت الرأي ونقيضه، ووجهة النظر والأخرى المضادّة، ومن الطبيعي أن تكون الشيفرات المعتمدة مشتركة، أي مكوّنة من أنساق العلامات اللغوية وقواعد ائتلافها التي تعلّمها وأتقنها المرسل والمتلقي كلاهما، ولاقت أصداء لدى الجمهورَين المعنيين بمقاصدها.

 

فضاء وسيمياء

في الفصل الثامن، الفضاءات الحضرية العامة قبلة للحَراكات، درس سراج التبعات الأيديولوجية لاحتشاد جمهور سياسي معيّن في ساحة أو ميدان، ووظائف الفضاءات العامة في الاستقطاب الجماهيري، مبتدئًا بأنموذجين لبنانيين شهدت ساحتان عامّتان انبثاقهما، “قوى 8 آذار وتقابلها قوى 14 آذار. وبات هذان التاريخان المرتبطان بحيّزين مكانيين بيروتيين أشبه ما يكونا بتيمتين سيميولوجيتين لهما طابع سياسي داخلي؛ إذ تحوّلتا لدى جمهوريهما، مثلما لدى وسائل الإعلام وفي الأدبيات السياسية اللبنانية، إلى رمزين لقوى سياسية متواجهة ومختلفة التوجهات والمصالح: واحدة تمثل – حينذاك – الموالاة، 8 آذار، وأخرى تمثل المعارضة، قوى 14 آذار”.

 

في الفصل التاسع، دور منظومة الشيفرات في التحليل السيميائي للنصّ الشعاراتي لبنان أنموذجًا، ركز الباحث على مفهوم التمركز المكاني ودلالاته الجيوسياسية في الشعارات، التمركز المكاني ودلالاته الجيوسياسية في الشعارات السياسية اللبنانية، وظاهرة صنع المكان في الحيّز العام، ودينامية الشّعارات من المركز إلى الأطراف قارئًا جدلية المركز والأطراف في الموضوع الشعاراتي. كتب: “بعد أن كانت الميادين تُحسب أو تُنسب إلى فرقاء سياسيين أو أصحاب أيديولوجيات، انعكست الآية، فبات الفرقاء السياسيون يُنسبون إلى الميادين. وكنّا قد أشرنا إلى إطلاق اسم ساحة الحرية على ساحة الشهداء في بيروت. كما سبق لميدان التحرير القاهري أن دُعي في كتابة جدارية ميدان الشهداء. وهذه الأخيرة اكتسبت في بعض السياقات تسميات جديدة: ’مربّع رابعة العدوية‘. ونفتح قوسين لنستعيد من مدوّنة الشعارات اللبنانية والسورية خمسة نماذج مشابهة تصلح للمقارنة: سوريا الأسد ووليد الشوف ورفيق بيروت ورفيق لبنان وبرفيقك بحبّك (الكاف تعود إلى لبنان)”.

 

بيان وتبيين

في الفصل العاشر، شعارات الحَراك بين البيان اللغوي والتبيين السيميائي، قدم الباحث دراسة بيانية لشعارات الحَراك المدني (في التشبيه والاستعارة والكناية والمعنى التضميني والسجع والجناس والمقابلة والتقسيم ومراعاة النظير والعكس والموازنة والتلميح). ثم تناول شيفرات الأنا والآخر في شعارات الحَراك المدني، مبينًا أن مصطلحات وصورًا بلاغية بعينها تكررت في شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” واستخدام مصطلح “الثورة”، ومقولة “كلن يعني كلن”، وهتاف ” بدكن ثورة مزبوطة… لا تنتخبوا هالبوطة”.

 

في الفصل الحادي عشر، هوية المكان وشيفرات اجتماعية حملتها نماذج شعاراتية مصوّرة، قال سراج أن حملة “طلعت ريحتكم” استحضرت مصطلحي الطمر والتدوير السياسي وأخواتهما في شعاراتها، ثم ظهر مسطلحان جديدان: الشبيحة والمندسون، وازدهرت صورة “الأزعر” في الشعارات والهتافات. كما تناول مسألة جدار العار في شعاراته وتعليقاته وشيفراته الاجتماعية، وتحوله حدودًا فاصلة، واستذكار المعتصمين جدران عدة: برلين والضفة وبوابة فاطمة. كتب: “تشبيه الجدار الأسمنتي الذي أُنشئ ليحول دون وصول أرتال المتظاهرين إلى مقر الحكومة بالحدود الفاصلة بين لبنان وإسرائيل، هو تعبير ساخط أطلقه مواطن استشعر المحاولة اليائسة للسلطة الحاكمة لخنق الفضاء التعبيري والمكاني العام”.

 

مغازلة التراث

في الفصل الثاني عشر، رسوم غرافيكية وشعارات تغازل التراث تعكرها تعليقات خارج حدود المألوف، تحدث الباحث عن جدران العاصمة التي احتضنت رسومًا غرافيكية معبرة وتلطخت بآثار تفلت لفظي نابي العبارات، مسلطًا الضوء على إسفاف لفظي وحِدّة تعبيرية للتعبير عن آراء نافرة (اشلح زعيمك من إجرك)، وعلى استهلال مفهومي لتقنية استعارات البشر من “كليلة ودمنة” في الشعارات الاحتجاجية، وتحول أبطال “كليلة ودمنة” مرجعية إسنادية وترميزية للشعارات الاحتجاجية، وتأثر منتجي الشعارات بقاموس عالم الحيوان (خواريف ماشية ورا تيوس)، وتوظيف المصطلح التراثي والمثل الشعبي في النصوص الاعتراضية.

 

في الفصل الثالث عشر والأخير، شعارات مناطقية رافضة الأمر الواقع البيئي، بحث سراج في شعارات تنطلق من فضاء المدينة إلى أطرافها، وفي الأضمومة الشعاراتية التي تروي قصة الناعمة ومطمرها وأهلها المعانين، وتمدد الرفض المناطقي للمطامر وتجليه شعاراتيًا.

 

ختم سراج كتابه باستخلاصات عامة، وبأربعة ملاحق، عدد في أولها أبرز المجموعات الناشطة في انتفاضة بيروت 2015 مع نبذة عن كل منها، وصنف في ثانيها الشعارات لغويًا، وأدرج في ثالثها جداول تحليلية لنماذج شعاراتية ومساهمات فنية مختارة من الحملة المدنية، وأثبت في رابعها صورًا للشعارات المرفوعة في الاحتجاجات والغرافيتي المرسومة على الجدران.

 

المصدر/ المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي