رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 19 اب( اغسطس ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2025

سيماهم في وجوههم

حامد الموسوي

شاءت الصدف ان التقي بمجموعة من أصدقاء السبعينيات، ايام كنا في مرحلة الدراسة المتوسطة، فتجاذبنا أطراف الحديث عن الذكريات، وعن أصدقائنا الذين غادرونا الى ربٍّ كريم، أو الى بلدان كريمة عاشوا فيها بعزة وكرامة، عكس الذلة التي عشنا ونعيش فيها الان. وهؤلاء الأصدقاء الذين التقيت بهم لم يكونوا كما عرفتهم سابقاً، فقد تغيرت أحوالهم تماماً عما كانوا عليه حينما عرفتهم قديماً؛ منهم من أطال لحيته، وبانت الدوائر السوداء على جبينه مع معرفتي الأكيدة أنها لم تتكون من (أثر السجود)، لأنني أعرفه جيداً منذ زمن بعيد، ومنهم من لبس العمامة والجبة، ومنهم من ارتدى الملابس الشبابية (المودرن) والتي لا تتناسب مع عمره الذي بات على أعتاب الشيخوخة، ومنهم من كان كما عرفته سابقاً لم تغيره السنين والأعوام التي مرت بحلوها ومرها، الى ان وصلنا الى الحديث عما يمر به العراق الان، من تردي وتدهور لكل أوضاعه السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وفي سياق الحديث عن هذه الأوضاع قلت وبعفوية (الله يرحم ذيج الأيام اللي جان الفقير يبيع نص الوجبة الغذائية حتى يدبر اموره)، واردفت ايضاً (أن الحكومة الحالية بكل شعاراتها الدينية والديمقراطية لم تستطع توفير الوجبة الغذائية للمواطن ليأكلها لا ليبيعها)، حتى انبرى لي صديقاي (المعمم وصاحب الجبين ذو الدوائر السوداء) متهمينني بأنني لا أزال أعيش بالأفكار القديمة الدكتاتورية العلمانية التي زرعها وغذاها فينا النظام السابق أو بتلميح أكثر وضوحاً، بأنني متأثر بأفكار الحزب البائد المقبور المجرم، كما صرح به صديقاي وبصوت عال واضح، فيه التأثر والعصبية الشديدة. لم أجب بأي شيء بل ناديت على عامل المقهى وطلبت منه ماء بارد وشاي مرة أخرى للجميع، وبعد وصول الماء والشاي، هدأ صديقاي قليلاً بعد أن أخرجا من جيبهما علب السكائر الفاخرة فأشعلاها ونفثا الدخان بوجهي برماً من حديثي الذي أزعجهما، حينها وجهت كلامي الى صديقي ذاك الذي لم تغيره السنين والاعوام بحلوها ومرها وتقلبها، كي يُسمع الآخرين ما أريد أن أقوله، لكن بطريقة غير مباشرة. قلت له: (تتذكر لما ردنا نسجل بالثانوية وما وافقوا الا ننتمي للحزب)، أجاب وكأنما فهم ما أرمي اليه: (اي والله وأتذكر ظلينه ثلاثة أيام حايرين، ننتمي لو ما ننتمي، نسجل بالثانوية لو ما نسجل) ملتفتاً الى صديقاي اللذين اتهماني بأني من الموالين للنظام وانني كذا وكذا، واللذين كانا عضوين في الاتحاد الوطني لطلبة العراق حينها ممازحاً بخبث (خلفله على فلان وفلان يقصدهم بأسمائهم، لو ما همه يسوولنه انتماء بالحزب جان احنه ما كملنه دراستنه)، حينها شعر صديقاي بالحرج وبدأا بالتلعثم والتأتأة والعبث بمسبحتهما الطويلة بسرعة وعصبية واضحة، فقاما مسرعين ليغادرا بعد ان شعرا بأننا خلعنا عنهما ثوبهما المزيف الذي خدعا ويخدعان به من لا يعرفهما.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي